“عشيقة وصحن في حفلة الإقليم”.. هكذا باتت إسرائيل ترى نفسها في الشرق الأوسط الجديد 

حجم الخط
1

إذا كان أحد ما عندنا أعتقد بأن الشرق الأوسط سينتظر إسرائيل إلى أن تصحو هذه وتعود لذاتها أو إلى أن ترتب علاقاتها مع واشنطن – فإنه مخطئ.

الشرق الأوسط كالمرجل. السعودية استأنفت علاقاتها مع إيران بعد سنوات عديدة من القطيعة بل والعداء. كما أنها توشك على إعادة فتح سفارتها في دمشق، وتدعو بشار الأسد كضيف شرف إلى القمة العربية التي ستنعقد قريباً في الرياض.

سوريا، عضو الشرف في “محور الشر” الذي يربط بين طهران ودمشق وبيروت، تعود بقوة إلى العالم العربي. في الأسابيع الأخيرة، زار الأسد الإمارات وعُمان وهو يوثق العلاقات مع مصر بل ومع الأردن. الكل ينتظر الانتخابات التركية في أيار القادم، وبعدها ستحدث انعطافة في علاقات تركيا مع العالم العربي وخصوصاً مع سوريا.

لعل هناك أملاً في أن يؤدي العناق الذي يمنحه العالم العربي لدمشق إلى إبعاد الإيرانيين عن سوريا. لكن هذا وهم، كون إيران هي التي ستخرج رابحة من هذه الخطوة، لأنها تسعى لرسم خريطة شرق أوسطية جديدة، تضعها في الوسط.

قبل أقل من ثلاث سنوات فقط، شهدت ساحة البيت الأبيض توقيع اتفاقات إبراهيم، اتفاقات سلام خارقة للطريق بشرت بقيام نظام إقليمي جديد خصص فيه دور أساس لإسرائيل. أربع دول عربية –الإمارات، والبحرين، والمغرب، والسودان – وقعت على هذه الاتفاقات، وكان يخيل بأن السعودية ستكون التالية في الدور وأن اتفاق السلام معها ليس سوى مسألة وقت.

عبر التوقيع على الاتفاقات عن اعتراف عربي بقوة إسرائيل، وبأن توثيق العلاقة معها هي السبيل لضمان استقرار إقليمي وأمن، في ضوء التهديد الذي تشكله إيران على دول المنطقة. اعتبرت إسرائيل كدولة قوية، بل وككلية القدرة بسبب علاقاتها الخاصة مع واشنطن. فبعد كل شيء، كان الرئيس ترامب هو الذي عمل ودفع لإنجاز هذه الاتفاقات. لم يكن ترامب محبوباً في الشرق الأوسط، لكنهم احترموه بسبب استعداده للعمل بتصميم على تحقيق مصالح أمريكية، مثل تصفية قاسم سليماني في كانون الثاني 2020 وهكذا فإن الربط بين الدول العربية وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة يبدو كورقة مظفرة.

لكن لم يتبقَ الكثير من كل هذا؛ فقد أدارت واشنطن ظهرها للشرق الأوسط، ونجحت في التورط مع معظم حكامه، وهي اليوم مشغولة بمشاكل أخرى، أهم بالنسبة لها، مثل الحرب في أوكرانيا أو الخصام مع الصين. أما إسرائيل فقد نجحت في إبعاد كل أصدقائها العرب في غضون بضعة أشهر، وحتى علاقاتها مع واشنطن ليست في أفضل حال. وفي الشرق الأوسط، كما هو معروف، يحسنون شم الضعف.

لا غرو أنه مع ريح إسناد كهذه، تحاول إيران وشركاؤها تحدي إسرائيل، سواء في غزة أم في المسجد الأقصى أم في الحدود الشمالية.

ومع ذلك، من المهم أن نذكر بأن المصالحة مع إسرائيل خيار استراتيجي بالنسبة للعالم العربي. واليوم لا أحد يتصور إدارة الظهر لاتفاقات السلام بين إسرائيل والدول العربية. على أي حال، تبدو التصريحات التي تصدر عندنا عن خطر وجودي، كذاك الذي وقفنا عنده في 1973، عديمة الأساس.

بالفعل، لا شيء جوهرياً تغير في الشرق الأوسط. العرب لا يزالون يخافون من إيران ويرون فيها تهديداً مركزياً على الاستقرار والأمن في المنطقة. وما زالوا بحاجة لإسرائيل وكذا للولايات المتحدة كسند.

لكن يخيل أننا عدنا عقداً إلى الوراء دفعة واحدة لتأدية دور العشيقة التي تبدو العلاقات معها ذات طابع أمني، لكنها تخفى عن العين وتغيب عنها الحميمية ومظاهر التطبيع. العرب، وعلى رأسهم السعودية، مستعدون لعقد الصفقات مع طهران على افتراض أن وجود علاقات دبلوماسية معها سيقلل التوتر ويبعد المواجهة المحتمة معها.

وفي هذه الأثناء، إسرائيل غارقة في مشاكلها الداخلية، وكأننا أصبحنا واحدة أخرى من دول المنطقة، شؤون الخارجية والأمن فيها تدحر أمام الصراع الذي بين النظام وخصومه. الجيران يحتفلون، ولسنا جزءاً من الحفلة، بل صحن في الوجبة التي تقدم لهم. 

إيال زيسر

إسرائيل اليوم 9/4/2023



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية