دراما الأمة: كيف صار رمضان موسماً سياسياً؟

ارتبط شهر رمضان غالباً، على الأقل في الذاكرة المعاصرة، بما هو أكثر من دلالاته الدينية والتاريخية البحتة، فهو بالتأكيد ليس مجرد شهر صوم وصلاة وعبادة، وإنما مجال لفاعلية سياسية وثقافية واجتماعية شديدة التكثيف، وبالتالي أحد أهم مناسبات الجدل العام العابر للفئات والحدود، وفي كل المجالات، ابتداءً من تحديد موعد بدايته ونهايته، الذي كثيراً ما تختلف عليه الدول العربية والإسلامية، وتعتبر موقفها منه مجالاً لإثبات الأسبقية الإقليمية، أو تأكيد الاستقلالية؛ مروراً بربط طقوسه بترتيبات الدول ومؤسساتها، وجعل مشهديته الدينية متسقة مع أيديولوجيا الحكم ورموزها السلطوية؛ وصولاً إلى إعادة إنتاج ما يُعتبر «الفلكور الرمضاني» من احتفالات ومآدب وأغانٍ وأناشيد، لم تكن ستأخذ طابعها المألوف والمعياري، لولا تعميمها ونشرها عبر وسائل البث الحديث، من إذاعة وتلفزيون، وهي وسائل كانت حتى عقود قريبة مُحتكرة لجهاز الدولة بشكل كامل. كل هذا يجعل من رمضان موسماً سياسياً بامتياز، متعلّقاً بالبنيان الأساسي للأمة والدولة الحديثة في العالم العربي.
كان الموسم الرمضاني مجالاً لصياغة مفهوم موحّد عن الأمة، وهي أمة مسلمين «يحتضنون» بعض الأقليات، التي لا بد أن تشاركهم فرحهم وطقوسهم بالشهر الفضيل، إلى درجة محاكاة الطقس الديني الإسلامي في حياتهم اليومية، فيبدو الجميع صائمين/مسلمين، أياً كان دينهم وقناعاتهم. وبالتالي فإن السجال حول إفطار غير المؤمنين في نهار رمضان ليس سجالاً عقائدياً بقدر ما هو سياسي: يجب أن يكون للأمة طقس وسلوك موحّد، احترام المخالفين العقائديين له يثبت قدرته على التوحيد، عبر الهيمنة على المستوى الرمزي واليومي. في بلدان أكثر «تنوعاً» مثل سوريا ولبنان، يعتبر الإفطار العلني فعلاً طائفياً إلى حد كبير، يعبّر عن التمايز، وأحياناً الاستفزاز الطائفي. وسواء تعلّق الأمر بالأمة/الدولة أو الطائفة فنحن أمام مفاهيم سياسية تنتمي إلى المجال العلماني وليس الديني، لأنها تتعلّق بجماعات سياسية، تقدّم نفسها في الحيّز العام على أساس موقعها وهيمنتها على أنظمة السياسة والقانون والاقتصاد والإعلام والثقافة الجماهيرية، وتفترض أنها، بوصفها «شعباً» مصدر السيادة ومبرر شرعيتها.
إلا أن هنالك شيئاً ما تغيّر في موسم رمضان، ليس القوانين و«الآداب العامة» المرتبطة بها، أو الاستثمار السياسي والاقتصادي للشهر، بل ربما «الأمة» نفسها. لم تعد جماعة المسلمين، ومن التحق بهم من أقليات، تعرّف نفسها من منظور واحد؛ ولم تعد الدولة تسعى لإنتاج فضاء من الانصهار القومي، بل أمست الأمور أكثر تعقيداً. موسم رمضان بات موجهاً لفئات نوعية؛ جماعات ضغط ومصالح؛ طبقات ذات مرجعيات ثقافية متمايزة. فكيف بات رمضان بعد أن فقد فلكلوره الكلاسيكي؟ أو بالأصح: كيف باتت «الأمة» بعد أن خسرت توحّدها؟

«فلكرة» رمضان

«الفلكرة» (بالألمانية Folklorisierung) مصطلح في التقليد البحثي الإثنولوجي الألماني، يشير إلى السعي لإعادة إنتاج عناصر ثقافية واجتماعية معيّنة في حياة مجموعة إثنية، أو طائفة ما، لجعلها هوية ذات قوة وجاذبية. لم تحدث «الفلكرة» إلا في العصر الحديث، عندما بات البحث في العناصر الفلكلورية وتصديرها مهماً، سواء لضرورات بناء «الأمم» الحديثة، أو حتى لأغراض اقتصادية وسياحية: كثيرون ممن يعنون بالفلكرة يتقمّصون الصورة التي يتخيلّها الآخر، كي «يبيعوا» عناصر متخيّلة من هوياتهم، باعتبارها ما يجذب أشخاصاً وباحثين من بلدان أخرى إليهم. ربما كان القطاع السياحي المعاصر، وجانبٌ من البحث الأكاديمي، قائماً أساساً على «الفلكرة» فحول العالم نرى أشخاصاً يعرضون عادات وتقاليد؛ مِهناً قديمة؛ معرفة بلغات وظواهر اجتماعية محلّية، فقط لأن هنالك أشخاصاً من بلدان أخرى، أو من متن «الأمة» المهيمن في بلد ما، يهتمون بـ«بضاعتهم» هذه، ومستعدون لـ«شرائها» بشكل من الأشكال. الخلاف بين الإثنولوجيين قائم على مدى مصداقية الظاهرة، هل هي عرض أصيل للعناصر الثقافية، أم مجرد منتج حداثي؟ وهو في كل الأحوال خلاف لن يؤدي إلى نتائج مهمة، فما لم تتم «فلكرته» ضاع بكل بساطة، ولم يعد الوصول إليه ممكناً. وبالتالي لا توجد ظواهر تراثية أو تاريخية فعلية خارج نطاق «الفلكرة».
يمكن القول إن «فلكرة» رمضان في العالم العربي والإسلامي بدأت منذ النصف الأول من القرن الماضي، ليس لأغراض سياحية، فباستثناء دول عربية قليلة مثل المغرب، ما زال القطاع السياحي الإسلامي في العالم العربي متخلّفاً إلى حد كبير؛ بل لمحاولة إنتاج تقليد موحّد للأمة، وربما كانت حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، واسمها الآخر «حرب رمضان» أحد آخر الاستخدامات المهمة للفلكور الرمضاني لتوحيد الأمة في معاركها، ففي تلك الحرب هتف المجندون المسلمون والمسيحيون والعلويون والدروز، ومن كل الطوائف: «الله أكبر» وهم يقاتلون الإسرائيليين، في استعادة لغزوتي بدر والخندق الرمضانيتين من السيرة النبوية.

ربما كان من الواجب البحث، خلف كل تلك التفاصيل السياسية والأيديولوجية، عن رمضان روحاني، يمارس فيه الناس عقائدهم، ويتقاربون مع بعضهم، استرشاداً بمفاهيم دينية عن البر والتقوى والإحسان، بعيداً عن الحسابات الدنيوية.

إلا أن الأمور حالياً اختلفت كثيراً عن شرط القرن العشرين، لم تعد هنالك دول وأمم ذات مشروع أبعد من مجرّد الحفاظ على الحد الأدنى من الأمن والسلام الاجتماعي. ما زال «الفقه الإسلامي» دستورياً مصدر أو أحد مصادر التشريع في كل الدول العربية، ومُحدّداً لهوية «الشعب» صاحب السيادة نظرياً، إلا أن أغلبية الدول لم تعد تحاول إنتاج جماعة متقاربة طبقياً، ومتسقة أيديولوجياً، تعتبرها «شعبها». هنالك بلدان كثير من أبنائها لاجئون أو مهاجرون في العالم الواسع، مثل سوريا ولبنان والعراق والمغرب والجزائر؛ وأخرى بات الاختلاف الطبقي والقيمي محرّكاً لاقتصادياتها وأيديولوجياتها، وعلى رأسها مصر، وبالتالي لا تهتم إلا بتأمين الحد الأدنى من السيطرة على كل الفئات المتعددة داخل حدودها. وبذلك تشتت الفلكلور الرمضاني، لينتج بضائع متنوعة، ينشد كل منها مستهلكه: رمضان «الغلابة» في مصر مغاير لرمضان الطبقات الأكثر حظاً؛ فيما بات بين السوريين «رمضانات» للمحليين واللاجئين والمتأوربين (من استوطنوا أوروبا)؛ دعك من رمضان «الغربي» وهو سمت فلكلوري تبديه جماعات هوية «مهمّشة» تنشد «الاعتراف» في الدول الغربية. ربما ما يشدّ كل هذه الفئات المختلفة إلى رمضان هو الذاكرة، أي ما علق في أذهان البشر من تفاصيل وفنون وتعبيرات، تعود إلى زمن كان فيه رمضان شهراً لـ»الأمة» بكل ما يتعلّق بتلك الأمة وشعبها من عمليات إقصاء واضطهاد، أو بالمقابل فضاءات تواصلية عاطفية.

رمضان الديني

ربما كان من الواجب البحث، خلف كل تلك التفاصيل السياسية والأيديولوجية، عن رمضان روحاني، يمارس فيه الناس عقائدهم، ويتقاربون مع بعضهم، استرشاداً بمفاهيم دينية عن البر والتقوى والإحسان، بعيداً عن الحسابات الدنيوية. إلا أنه بحث يبدو معلمناً إلى حد كبير، فهو يفترض انفصالاً بين الديني والدنيوي، والروحي والجسدي، أقرب للمنظورات الغربية/المسيحية المعاصرة عن جوهر الدين، ربما كان الدين الإسلامي بنيوياً لا يقبل هذا الانفصال، إلا أن السمة المعاصرة لسياسيته لا تبدو مقبلة من عوالم العصور الذهبية لـ«الإسلام» بقدر ما تنتمي لأدلجته الحديثة، المتعلّقة بقضايا يصعب القول إنها كانت همّاً لفقهائه ومشايخه التاريخيين. ربما كان عصر استقلالية المنظور «الإسلامي» عمّا عداه قد ولّى دون رجعة.
عندما صعدت هرّة على كتف شيخ جزائري يؤمّ الناس في صلاة التراويح، تحوّل المشهد إلى «تريند» حاول كثيرون استخدامه لإثبات «سماحة» الإسلام، وكذب الادعاءات عن تطرّفه وقسوته. بات التسجيل المصوّر خطاباً أيديولوجياً قابلاً للتصدير، سواء لمواجهة علمانيي الداخل أو «الغربيين». مجدداً، يصعب أن نجد خطاباً رمضانياً خارج الشرط السياسي المعاصر، وربما لهذا يجب مناقشة الخطاب الديني في ميدانه الفعلي: ليس التراث أو العقيدة، بل علاقات القوة ولغة الخطاب في الحاضر، وهي علاقات ولغة لا تنتمي إلى عالم مثالي، أو حتى منطقي، يمكن مناقشته فلسفياً، بل إلى عالم السيادة والانفعال والخيال والترميز، أي الممارسة السياسية والأيديولوجية.

سلع رمضان

بالعودة إلى السياسات الرمضانية، المفرطة في دنيويتها، سنجد واقعاً ثقافياً واجتماعياً شديد السيولة: تقدّم جهات متعددة سلعاً رمضانية موجّهة إلى أسواقها المثالية، ومنها أعمال فنية ودرامية متنوّعة، تخاطب كل منها فئة أو طبقة ما؛ رموز وأذكار دينية لها مستهلكوها من الجمهور المتديّن؛ استرجاع نوستالجي للفكلور، يعتاش عليه «مؤثّرون» و«صانعو محتوى» على وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد رمضان لـ«الأمة» بقدر ما بات لـ«السوق». في هذا الشرط تصبح استعادة المعنى الديني لرمضان خياراً فردياً، ما يشير إلى أن تحوّل «الديني البحت» إلى نظام مستقل عن بقية الأنظمة الاجتماعية، يقوم على الفردنة، قد بات شرطاً عالمياً، حتى في العالم الإسلامي، في حين أن الفعل السياسي والاجتماعي يستلزم تجاوزاً لأيديولوجيا باتت عتيقة: بناء الأمة الواحدة عبر الدين، أو القومية ينتمي للبيئة الفكرية للقرنين الماضيين، أما التعاطي مع الظروف الاجتماعية المتردية المعاصرة، من إفقار وهيمنة وتشتيت اجتماعي، فهو سؤال الحاضر، وبالتأكيد لن تعطي الدوغمائية الدينية، أو الشعبوية التوّاقة إلى استعادة الفلكلور، أي أجوبة جديّة عنه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية