التضليل يختطف التنوير في الإنتاج الدرامي العربي

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

رغم أن خطاب الأعمال الدرامية/المسلسلات لابد من أن يحقق قدرا ما من التنوير المعرفي والإنساني، انسياقا مع خطاب بقية الفنون الإبداعية الأخرى، وأظن أن أهمية هذه الوظيفة تبدو هنا أكبر، وربما أشد خطورة، طالما أن النتاج الدرامي يدخل البيوت بدون استئذان، عبر اتكاء السرد الدرامي على لغة وتقنيات هي أقرب إليهم من بقية الفنون من حيث البساطة والوضوح، وكلَّما حاول النتاج التّماس مع الواقع، كلما تمكن من كسب احترام المتلقي ومتابعته، وليس مهما إذا ما كان مضمونه بسيطا أو جاء عبر معالجة فيها ميلان إلى الكوميديا الخفيفة.
إلاَّ أننا في السنين الأخيرة وجدنا الكثير من النتاج الدرامي العربي قد اتجه إلى أن يصبح مادة للتسلية الخالية من المضمون، إضافة إلى سقوطه في معالجات تخلو من العمق وخاصة بعد انتشار البث الفضائي وما خلَّفه من تنافس شديد بين الشركات المنتجة والقنوات الفضائية، بهدف الحصول على الإعلانات وتحقيق الأرباح قبل أن يبدأ بث العمل على الشاشات، لكن الأكثر خطورة في هذه الإشكالية ما نلاحظه في الكتابة الدرامية من توجه إلى ناحية تزييف الواقع على حساب الحقائق، حتى بدت العملية أشبه بحرب شرسة وغير نظيفة، إمَّا انها تصب لصالح جهات رسمية حكومية تقف خلف الإنتاج بهدف تلميع صورتها، هذا إذا كانت الأحداث راهنة ومعاصرة للمتلقين، أو إذا كانت تعود إلى فترات تاريخية بعيدة جدا من حيث الزمن، فالهدف لن يخرج عن التشويه، بمعنى الدخول في منطقة إعادة كتابة التاريخ وفقا لمنظور الجهات المنتجة وتسويقا لخطابها، وليس بهدف تحفيز وعي المتلقي لكي يتعلم البحث عن الحقيقة، فكيف إذا كانت القضايا عليها الكثير من الجدل، كما هو الحال على سبيل المثال في المسلسل الكويتي «أم هارون» الذي عرض في العام 2020 والذي كان يتحدث عن شخصية طبيبة يهودية في أربعينات القرن الماضي، وما تعرضت له مع أسرتها من تحديات في المجتمع الخليجي، وقد طالت المسلسل أيام عرضه على الشاشة موجة انتقادات كثيرة ومن جهات مختلفة، حيث امتلأت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بسيل من التعليقات المضادة، بعد أن بدا خطابه كما لو أنه دعوة للتطبيع مع إسرائيل، إضافة إلى ما تخلله من أخطاء تاريخية لا يمكن غفرانها، مثل إشارته إلى تأسيس دولة إسرائيل عقب انهاء الانتداب البريطاني على «أرض إسرائيل» وليس فلسطين! وبدت مثل هذه الإشارة كما لو أنها محاولة لمحو إسم فلسطين من الذاكرة وهوية أرضها الفلسطينية، وهذا ما توقفت عنده عديد الكتابات الصحافية التي تابعت المسلسل.
في الحالتين فإن الأعمال الدرامية بهذا المسار تنحرف عن مسؤوليتها الموضوعية في قراءة وتفكيك الواقع والتاريخ، طالما تحفل بالمغالطات والتشويه، لأجل الذهاب بالمتلقي إلى ناحية التجهيل أو التحشيد العنصري أو الطائفي.
بكل الأحوال مثل هذا النهج التحريفي في القراءة الدرامية، لن ينطلي على المتلقي، إلاّ أنه ومع ما يثيره من لغط وجدل وتشنج، سيفضي بالتالي إلى سقوط النتاج الفني من الذاكرة.

الدراما والسياسة

من جهة ثانية لا يمكن تجاهل حساسية البيئة العربية عندما تحاول الدراما الاقتراب من بعض القضايا والفترات الزمنية والشخصيات، التي يتمحور حولها خلاف شديد قد يصل إلى حد التخندقات الطائفية والمذهبية والقومية، وربما تصل إلى ذروتها قبل أن يُعرض العمل مثلما حصل مع مسلسل «معاوية» الذي أعلنت قناة mbc الانتهاء من إنتاجه هذا العام وكشفت عن دخوله سباق التنافس في شهر رمضان، وكان لحال التوتر الذي شهدته مواقع التواصل الاجتماعي بين المدافعين عنه والرافضين له، أن تتخذ إدارة القناة قرارها بإلغاء عرضه، خاصة بعد أن صدرت بيانات رافضة للمسلسل عن رجال دين شيعة لهم رصيد شعبي لا يستهان به، مثل مقتدى الصدر في العراق، حيث اعتبر أن «بث مثل هذه المسلسلات مخالف للسياسات الجديدة المعتدلة التي انتهجتها المملكة العربية السعودية الشقيقة» وأضاف الصدر في بيانه «لا داعي لجرح مشاعر إخوتكم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها». ومن الواضح كان للسياسة دورها في قرار قناة mbc إلغاء بث المسلسل، لأنه جاء متزامنا مع المصالحة التي تمت بين المملكة العربية السعودية وجمهورية إيران الإسلامية التي جرت بوساطة صينية، وهذا ما يشير إلى أن هناك خطوطا حمراء ما زالت تقف أمام أي إنتاج درامي إذا ما حاول أن يتناول موضوعات معينة حتى لو كان الهدف الدخول إليها من باب البحث والاستقصاء وليس التبجيل أو التعظيم. وعلى ذلك تبدو المسألة شائكة أمام أي إنتاج درامي يُقدِم على مغامرة فنية بعيدا عما هو سائد من أعمال عادة ما تفتقر إلى روح البحث والتقصي عن الحقائق.
الأمر لا يتعلق بالتاريخ فقط إنما يتعداه إلى موضوعات واقعية معاصرة كما هو الحال في المسلسل العراقي «الكاسر» إنتاج 2023 حيث تم إلغاء عرضه بعد ثلاث حلقات مع بداية الموسم الرمضاني، ولم يتسن للجمهور أو النقاد مشاهدته كاملا حتى يستطيعوا أبداء ملاحظاتهم حوله، وكما هو واضح من الحلقات التي عرضت فالمسلسل يتعرض إلى طبيعة الصراعات العشائرية وجرائم الثأر في مناطق معينة من العراق، كما يُظهر زعيم القبيلة على صورة شخصية طاغية ومنغمس في علاقات نسائية، وهذا أثار استياء الوسط العشائري وعددا من زعماء القبائل واعتبروه إساءة لأعراف العشائر العراقية وتقاليدها، حتى أن نائبا في البرلمان طالب بايقافه لأنه وحسب رأيه «يسيء إلى مجتمعات جنوب العراق وسمعة عشائرنا الأصيلة». وأضاف النائب بأن «المسلسل لا يلتزم بالضوابط الأخلاقية» وردود الأفعال هذه تشير إلى أن سلطة الرقابة الحكومية التي اختفت في العراق بعد العام 2003 إلاّ أن رقابة أشد ظهرت بديلا عنها ممثلة بسلطة العشيرة ورجال الدين والأحزاب والميليشيات، وقد تكون هذه الرقابة أشد وطأة على حرية النتاج الفني من السلطة الرقابية الحكومية التقليدية التي كانت تابعة لوزارة الثقافة ومؤسساتها الفنية، بمعنى أن الأزمة قد اشتدت أكثر من قبل على الجهات المنتجة وعلى الكُتَّاب وباتت الخيارات أمامهم محفوفة بالمخاطر.
أيضا توقف عرض المسلسل الكويتي «الجابرية الرحلة 422» إنتاج 2023 بعد أن عُرض منه عدد من الحلقات في بداية شهر رمضان، وصاحب عرضها ردود أفعال متوترة لا تخلو من حساسية ذات خلفية طائفية ومذهبية، وهذا ما دفع وزارة الإعلام الكويتية أن تصدر منشورا عبر صفحتها في تويتر أعربت فيه عن «رفضها القاطع للتعرض لأي مكون من مكونات المجتمع الكويتي من رموز ومواطنين ومقيمين في أي عمل إعلامي لأي غرض كان». كما أشارت الوزارة إلى أنها «بدأت في اتخاذ إجراءات قانونية ضد طاقم العمل الكويتي المشارك في العمل» ووجهت دعوة إلى «جميع الفنانين باحترام سيادة الكويت ومكوناتها».
يذكر أن أحداث المسلسل تتناول حادثة اختطاف طائرة كويتية عام 1988 دامت 16 يوما، اشتهرت بكونها أطول عملية خطف لطائرة في العصر الحديث، وكانت عملية الخطف قد نفذها مقاتلون لبنانيون طالبوا بالإفراج عن 17 سجينا شيعيا محتجزا لدى الكويت لدورهم في تفجيرات الكويت عام 1983. والرحلة اجبرت في البداية على الهبوط في إيران، ثم في مطار لارنكا بقبرص، وأخيراً حطت في مطار العاصمة الجزائرية، وبعد أن أخذت المحادثات بين الكويت والخاطفين مسارا معقدا نتيجة لرفض الكويت إطلاق سراح السجناء، تم قتل إثنين من الرهائن قبل انتهاء حصار الطائرة في 20 نيسان/أبريل، ومن بعدها سُمح للخاطفين بمغادرة الجزائر. وحسب التقارير الصحافية فإن الخاطفين كان عددهم 9 ورجحت وسائل إعلام كويتية في حينه أن العملية من تدبير عماد مغنية، أحد القادة العسكريين لحزب الله اللبناني آنذاك، ولكن من دون أن يكون هناك دليل ثابت عليه.
أعمال كسرت الطوق

في مقابل ذلك هناك أعمال درامية عربية تمكنت من أن تلامس قضايا مجتمعية مهمة وحساسة، ونجحت في أن تثير نقاشا مثمرا عند عرضها، لأنها كانت جريئة في معالجتها وفي أسلوب تناولها فنيا، ولم يهدأ الجدل حولها طيلة أيام عرضها، كما هو الحال في مسلسل «فاتن أمل حربي» للكاتب إبراهيم عيسى الذي عرض في الموسوم الرمضاني 2021 وكاد أن يقترب كثيرا من فهم طبيعة العلاقة التي تجمع الدراما مع الواقع، عندما اشتبك خطاب العمل مع واحدة من القضايا التي تخص المرأة والرجل في إطار علاقتهما الزوجية، وما يتمخض عنها من إشكالات تعجز التشريعات القانونية عن التوصل إلى حلها بالشكل الذي يحقق الانصاف والعدالة، خاصة في ما يتعلق بحقوق المرأة.
لو عدنا إلى جميع الأعمال الفنية العظيمة من روايات وأفلام روائية ودراما تلفزيونية، سنجد أن قيمتها وسبب خلودها في ذاكرة المتلقي كانت مرهونة في قدرتها على خلق بنية تخييلية موازية للواقع الذي أستلهمت منه مادتها، فلا وجود لأدب أو فن مؤثر إذا لم يكن قادرا على أن يحيل الواقع إلى سلطة التخييل، ولن يصمد أي نتاج فني أمام وعي المتلقي إذا ما اختار القائمون على إنتاجه القفز فوق الواقع والسقوط في بركة تزييفه لصالح تمرير أجندة دعائية لهذه الجهة أو تلك.
خلاصة القول عندما تقترب الدراما من الواقع أو التاريخ، لابد من أن تحمل رؤية موضوعية، وخطابا فنيا بعيدا عن شعبوية التفكير حتى تمتلك المصداقية وتحظى بالاهتمام والقبول رغم ما تثيره من جدل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية