إعادة النظر في الصورة النمطية عن ثقافتهم: للهنود الحمر شعر وغناء

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
4

ليس من السهل خلخلة الصورة النمطية للهنود الحُمر التي رسخت في الأذهان لقرون طويلة.
ولكن بعض الأبحاث اللاحقة من المُغيّبة أو المَسكوت عنها، لأسباب سياسية في الغالب، قد تطفو إلى السطح أحياناً، ولو على استحياء، وقد تحمل بعضنا إلى إعادة النظر والبحث في بطون الكتب التي عاصرت اكتشاف أمريكا أو سبقتها أو أعقبتها بقليل. من ذلك كتاب «نزهة المُشتاق في اختراق الآفاق» للشريف الإدريسي المتوفى عام 1154 بعد أن كتبه للملك روجر الثاني ملك صقلية وصار يُعرف باسم «كتاب روجر». ففي هذا الكتاب 1070 خريطة للبلاد والبحار المعروفة في ذلك الزمان، وترى الأبحاث اللاحقة أن كريستوفر كولومبوس، البحّار الإيطالي، كان على علم بذلك الكتاب وأنه استخدم الخرائط الموجودة فيه في رحلته إلى اكتشاف «الأرض الكبيرة» في ما وراء البحار.
تشير بعض الكتب المعاصرة وخاصة كتاب ليو فيرنر بعنوان «أفريقيا واكتشاف أمريكا» أن عرب الأندلس المسلمين قد وصلوا إلى أمريكا قبل كريستوفر كولومبوس بقرون عديدة. وكان المؤلف أستاذاً بجامعة هارفرد، وهو من أصل بولندي يهودي (1862-1939). يرى المؤلف أن ربّان سفينة كريستوفر كولومبوس كان أندلسياً مسلماً وأن أوّل لقاء كان مع قبائل «موهيكانز» الذين كانوا يتكلمون العربية وهم مسلمون. كما يذكر فيرنر أن كولومبوس كان واعياً بمُسلمي الهنود الحمر الذين كانت نساؤهم ترتدي ملابس من القطن بيضاء، مثل نساء الأندلس. كما يذكر أن أول وثيقة بين كولومبوس والهنود الحمر كانت بتوقيع أحدهم بالعربية وبإسم محمد، وهذه الوثيقة محفوظة في «متحف أمريكا» في واشنطن العاصمة. كما ذكر عن وجود رخامات في سان خوان في بورتوريكو عليها نقوش بالعربية مثل «لا غالب إلا الله» ويذكر أيضاً أن كولومبوس وجد مسجداً في كوبا. ويذكر المؤلف أن دوقة سيدونسا كانت في سبيل صيانة قصرها فوجدت وثائق مكتوبة باللغة العربية تعود إلى العصور الأندلسية فحاولت الحفاظ عليها خوفا من الضياع. كل هذه الإشارات والمعلومات تبيّن أن عرب الأندلس المسلمين كانوا على معرفة جيدة بأهل «الأرض الكبيرة» قبل أن يصلها كولومبوس وجيوشه الأوروبية المسيحية ويبدأ بالقضاء على الهنود الحمر أهل البلاد الأصليين.
ومما يدعم رغبة المسلمين في اكتشاف بلاد جديدة ما يُنسب إلى القائد العربي عُقبة ابن نافع الذي فتح بلاد المغرب، فلما وصل إلى شواطئ بحر الظلمات قال: «والله لو عرفتُ أن وراء هذا البحر من أرض لذهبتُ إليها فاتحاً لنشر دين الله». ويدعم هذا التوجّه أن ملوك مالي البلد الأفريقي الإسلامي وأولهم أبو بكر قد هيّأ في عام 1311 أكثر من 200 سفينة وتوجّه غرباً قاصدا «الأرض الكبيرة».
إذا قبلنا بما ورد في هذه المصادر التاريخية من أن عرب الأندلس المسلمين قد أدخلوا الدين الإسلامي واللغة العربية إلى أهل «الأرض الكبيرة» من الهنود الحمر فهل كان لأولئك الأقوام من شعر وغناء بلغتهم الخاصة؟ لا يوجد الكثير من المصادر التي قد تجيب عن هذه التساؤلات. ولكن لدينا مرجع واحد كبير من أعمال فرانسيس دينزمور (1867- 1957) الأمريكية من ولاية منيسوتا، التي عاشت 90 سنة، وقضت السنوات من مطلع شبابها إلى نهاية عمرها تبحث وتسجل من مقابلات مباشرة وبوساطة مترجم يجيد لغة الهنود الحُمر ويُحسن نقلها إلى اللغة الانكليزية، وسجّلتها بالوسائل المتاحة في زمانها. وكانت النتيجة عددا كبيرا من الأشعار والأغاني لعدد من قبائل الهنود الحُمر في منيسوتا وبعض الولايات المجاورة. هذا واحد من أمثلة تلك الأشعار، تتميز ببساطة مفرطة في التعبير عن المشاعر الشخصية وأولها الحب، ذلك الموضوع الأزلي الذي لم يَغِب عن مشاعر جنس من البشر أشد ّقُرباً من بدئية الإنسان:

«يالهَولِ هذا الألم/ إن ألَمَك هو ألَمي/ وعيناكَ هما عيناي/ من سيُصدِّقك أنك هنا/ وأنك تؤمن أنني أمامك/ وأنني أبكي/ وإذا أنا مِتُّ ستفقدني/ ولكنك لا تريد أن يحدث ذلك/ لأنك نقيّ/….».
وبعض المقاطع من هذه القصيدة يتكرر دائما أثناء الإنشاد. والشعر غناءٌ منذ أقدم العصور. وكلمة شعر في العربية تعود في جذرها في اللغات الشرقية إلى كلمة «شير» أي غناء. ونعلم جميعاً أن الشعر العربي في العصر الجاهلي كان يُقدَّم «نشيداً» أي غناءً. ففي سوق عكاظ كان يقال: وأنشَدَ الشاعر يقول… وقد بقي هذا المعنى بهذه الكلمة عبر العصور، حتى وصلنا إلى نزار قباني الذي بدأ قصيدةً شهيرةً له في المربد ببغداد يقول فيها:

«مرحباً يا عِراق جئتُ أغنّيكَ / وبعض الغناء عندي بكاءُ».

وهذا يعود بنا إلى غناء الشعر/ البكاء عند الهنود الحمر الأقرب إلى بدء الخليقة:

«البارحة كنت أبكي/ ولم يرَني أحد/ لقد بكيتُ وحيداً/ عيناي تبكي/ قلبي يتألم /كلما تذكّرتُ الصِبا/ تذكّرت مكاننا/ مع بلوغنا السادسة عشرة/ لقد شعرتُ بالألم والمرارة / أين هو قلبي؟/ أين هما عيناي؟/ أين هما عيناي؟ إن حزنهما لا ينفكُّ عن حُزن روحي/».

وتتكرر بعض المقاطع الأشد حزناً في القصيدة/ الأغنية بين حين وآخر… إلى نهاية القصيدة.
ويرى الباحثون أن ما قدّمته فرانسيس دينزمور من شعر الهنود الحُمر وأغانيهم المترجمة إلى اللغة الانكليزية قد تكون أكمل وأكبر مجموعة من فنون الشعر والغناء عند ذلك الجنس البدئي من البشر. ويمكن مقارنة تلك القصائد ببعض ما نجده عند الشعراء الصُوَريين في الأدب الفرنسي في نهاية القرن التاسع عشر. وبهذا المعنى تكون تلك القصائد الغنائية ذات أهمية خاصة في دراسة علم الجَمال، إلى جانب أهميتها للمبتدئين من الشعراء. وأقدِّم هنا بعض العيّنات من تلك القصائد القصيرة التي تُغنّى مع تكرار بعض العبارات مرّات عديدة مما يظهر جمالها الخاص للناطقين بلغتها الأصلية:

من أغاني قبيلة ميديه: «الأرض ترتعش/ وأنا على وشك الدخول./ قلبي يخذلني/ وأنا على وشك الدخول/ إلى مخدع الروح»… «الآن ولاحقاً سوف ترتفع/ من تحت المياه/ إخوتي في القبيلة/ ثعالب الماء»…»جميلةً مثل نجمة/ مُعلقةً في السماء/ هي مخدع الروح عندنا»…»ما الذي تقوله لي؟/ انا مُنَسّقةٌ مثل الورود،/ وجميلةٌ مثلها».
السماء تصحو: «حقيقةً/ السماء تصحو/ عندما طبلُ ميديه/ يقرع /لي/ حقيقةً/ المياه رائقة/عندما طبلُ ميديه/ يقرع /لي».
(كانت ميديه مجتمعاً طبّيا).
أغنية أحلام الرعود: «أحياناً أنا / أدور مُشفِقاً/ على نفسي/ عندما تطير بي الريح/ عبر السماء».
حبيبي قد ارتحل: «طائراً غوّاصاً / حسِبتُه/ لكنه كان/ مجذافَ حبيبي/ يضرب رشاش الماء».
أُغنية حب: «لا تبكي/ أنا لا أسير إلى الموت»…» عبثاً ما تأملين/ أني أسعى إليكِ/ والسبب أنني/ قد جئتُ / لزيارة أختكِ الأصغر».
أغنية الموت: «رائحة الموت/ اتنسّم رائحة الموت/ أمام جسمي».

والملاحظ في هذه المجموعة من القصائد التي تقدّمها فرانسيس دينزمور أن الغالبية منها ترتبط بمظاهر الطبيعة والفصول والأحاسيس الشخصية. ويطلق عليها إسم قصائد تجاوزاً، لأنها قصيرةٌ جدّاً، وحتى كلمة غنائيات لا تنطبق عليها تماماً.
هذه مثلاً «أغنية الفراشة»:
«في الحرارة المُقبلة/ من النهار/ وقفتُ هناك».
وهذه «أغنية الربيع»:
«الربيع يتفتّح/ أقدر أن أشم العطور المختلفة/ للأعشاب البيضاء التي تصاحب الرقص»…
وهكذا، وهكذا، شعب مُسالم، يعيش على الطبيعة، في الطبيعة، فهل يستحق أن تنصبّ عليه لعنات الحضارة الأوروبية التي لا يعنيها سوى البحث عن جبال الذهب والفضة في تلك «الأرض الكبيرة» وراء البحار؟!!!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية