الثنائي الفلسطيني مجد وفرج يتحدثان عن عملهما الجديد “جبنا للولد بيانو”

زهرة مرعي
حجم الخط
1

بيروت ـ «القدس العربي»: بحالة ملحمية يبدأ الألبوم الجديد للثنائي الفلسطيني الكاتب مجد كيّال والملحن والمؤدي فرج سليمان وهو «جبنا للولد بيانو». 11 تراكاً ميزتها الغنى والسحر والسخرية السياسية، إلى التنويع اللحني والتوزيع الموسيقي الجذّاب.

«الملكة» وبها قرر الثنائي بدء جديدهما، أغنية ذات امتداد شعري وسحر. وكأن مجد كيّال أرادها دراما، تجمع بين القصة والتاريخ والجغرافيا والسياسة. حكاية يدركها كل مولود فلسطيني جديد، عندما يسأل جدته أو والدته عن حاله كلاجئ في وطنه، أو في الشتات. «الإنكليز اعطوا بلدنا لليهود» جملة يحفظها أطفال اللجوء كما يعرفون أسماء قراهم ومدنهم.
قصيدة «الملكة» بالعامية تبدأ من والدة مجد وتقفل معها. حمّل النص أسماء من السلالة البريطانية جميعها بدءاً من بلفور وصولاً إلى جونسون، وأنزل بهم دعاوى كالمطر. بدوره أبحر فرج سليمان بموسيقاه معتمداً تلوينات لحنية عدّة، بينها الكنسي وجملة من رفع الأذان، إلى الأوبرالي، والأداء الفردي، ودور للكورال.
فلسطين حاضرة في التراكات العشر الأخرى بما فيها أغنية «بيخطرلي اشتقلك». فالحب في هذا الشعر وتلك الموسيقى منبعه وطني وسياسي وينشد الحرية «راح تبني مملكتك لما نفك الخيمة» كما جاء في أغنية «لو بقدر».
في كلمات مجد وألحان فرج بهجة موسيقية، وأهازيج، واقتراب مدروس من المسائل البيئية، والسياسية كما «عرب إسرائيل».
بين بيروت وحيفا جرى اللقاء الثاني مع فرج ومجد، بعد لقاء أول بمناسبة ألبومهما الأول «أحلى من برلين» قبل سنتين. التفاصيل:
○ ماذا تبدّل فيكما منذ سنتين إلى الآن؟
•فرج: بعض الشيب نبت في ذقني أنزعه كل صباح.
•مجد: «نصحان» زاد وزني.
○ وهل تزوّج أحد منكما؟
•معاً: والحمد لله لا.
○ لنبدأ مع الكاتب بالسؤال عن المخزون السياسي والتهكمي والغضب الذي أنزلته على «الملكة»؟
•مجد: قياساً لغيره من النصوص ولدت «الملكة» بسلاسة. كافة العوالم التي تشغلنا حجزت لذاتها مكاناً ضمنها. الألبوم بكليته يهتم بالعائلة وبالعلاقات فيما بينها، وبالتاريخ السياسي للمنطقة ومشاعرنا حياله، والصدمات والأحقاد والمخاوف التي تعيش معنا والتي شكلت حياتنا على مدار عقود. عندما نفكر بعلاقات العائلة بفلسطين لن تكون بمعزل عن شكل قرانا وبيوتنا وكيف نبنيها. في الوصف نلمس وكأن فجوة قائمة بين الحياة الاجتماعية والإنسانية والسياسية، في حين أن «الملكة» تبدأ من المنزل لتشكل تالياً تأريخا لكافة مصائبنا المتواصلة فصولاً.
○ تقول إن الفلسطيني يشعر بالاحتلال في بيته ومدرسته وجامعته؟
•مجد: كما أنتم في لبنان تعيشون تشابكاً بين الماء والكهرباء والدولار. وهي أزمات تدخل بين الرجل وزوجته، وبين الأم وابنها نحن كذلك تعيش الحالة عينها مع الاحتلال.
○ الملكة نص تصاعدي الوتيرة. كم عبّر اللحن عنه؟
•فرج: النص موزون ومقفّى، والشُغُل عليه سهل جداً. نص يفيض بالعوالم ويدعو الملحن كي «ينقي ويستحلي». البداية شكّلت خطاً واضحاً يجب اتخاذ القرار بشأنه، ومن ثمّ تنساب العوالم الموسيقية مع كل فقرة، تمثّل التحدي بالإمساك بنص طوله 700 كلمة، والاحتفاظ بالمستمع من بدايته إلى نهايته.
○ جمعت الملكة أنماطاً لحنية متعددة. كيف تقرأ بكل هذا؟
•فرج: النص متطلب، تتنوع حالاته. كنت مع الكورس كما الإخوة نغني معاً قصة العائلة التي كتبها مجد، الاحتفاظ بالمستمع المعاصر لربع ساعة يعني الحاجة إلى موسيقى مؤثرة ومتغيّرة.
○ رحلت الملكة قبل صدور الألبوم. لماذا لم تُصدر لها وثيقة وفاة؟
•مجد: ماتت بالتحديد حين أنجزنا الأغنية. الحدث استفزني فما العمل بعد موتها؟ وبالصدفة كنت في لندن. لاحقاً فكرنا أن تبقى الأمور على حالها، والدعاء عليها وهي ميتة فيه المزيد من الغُلّ. إرثور بلفور رحل من زمان وطلبنا رأسه «يوصل ع البلد ديليفري» وهو «إلا جاي» بالطريق.
○ ككاتب لحن ومؤدي ما الذي استفزّك بـ 12 تراكا التي كتبها مجد؟
•فرج: نص «الملكة» ليس عادياً. لحنته وبدا مقنعاً لي، وسررت بما وصلت إليه. النص مقفى وموزون، إنما اللهجة الفلسطينية تحمل تعقيدات في التلحين. أخذ اللحن بالاعتبار محاولة التشبيك بين مجموعة من العوالم بسلاسة، وهذا ما شكّل تحدياً.
○ هل ترى متاحا أداء تراك الملكة في أوروبا؟
•فرج: اكيد.
•لماذا قررت أن يكون موضوع الألبوم عائليا اجتماعيا؟
•مجد: في مرحلة متأخرة اكتشفنا أن ألبوم «أحلى من برلين» يتحدث عن حيفا. في «جبنا للولد بيانو» كانت الرؤيا واضحة بأننا سنعمل في هذا الاتجاه. الحصيلة التي بلغها الألبوم لها صلة بظروفنا العائلية وحياتنا اليومية في هذه المرحلة التي نعيشها. هذا تفكيرنا على المستوى الشخصي، وعلى المستوى القصصي حكينا عن المكان الذي نعيش فيه، والهجرة والمدينة التي جئنا إليها كطلاّب أو عمّال. فحيفا هي المدينة والمكان الذي جمع الناس من كافة القرى والمناطق، وإليها نهرب جميعنا. صحيح أني نشأت في حيفا، إنما دور سيدي وأعمامي وأخوالي جميعها في قرى الجليل، وهذا ينطبق أيضاً على فرج. نحن دائماً حيال قصة، وقصتنا هذه المرّة هنا.
○ أهل الجليل مبعدون عن قراهم هل أنتم منهم؟
•فرج: لكل قرية في فلسطين حكايتها. سنة 1948 طردوا أجدادنا من بلدة الرامة، وتوجهوا مشياً باتجاه لبنان. القصص عديدة منها أن هاتفاً تلقاه أهل البلدة يطلب العودة، وجدي من الذين عادوا بعد ثلاثة أيام من اللجوء، النظريات كثيرة، لكن المهم أننا هنا في البلاد.
•مجد: والدي من البِرْوة التي هُجّرت بالكامل، وهو مولود في قرية الجديدة البعيدة ساعة سيراً على الأقدام من قريتنا.
○ تزوران مكانكما الأساسي؟
•فرج: «آه أهلي غاد بعدِنْ».
•مجد: «مش مقطوعين عن قريتنا». المسافة ساعة من حيفا، تماماً كما ذهابك من بيروت إلى ضيعتك في قضاء جزين.
○ جبنا للولد بيانو» يتّسم بالتنويع من «قصتنا، اشتقتلك، وشارع بلا اسم» وجمع بين العاطفة والبيئة، هل أستفزتك ألحان فرج؟
•مجد: أظن أن فرج لحّن المواد التي كتبتها عبر ثلاثة أنماط، تراوحت بين صولو بيانو، والجماعية، وأخرى متميزة بمزيد من الآلات وأجواء روك، كما «شارع بلا اسم». كل ألبوم يتضمّن مواضيع عاطفية وأخرى سياسية. اعتمد فرج نمطاً لحنياً محتشداً بالثيمات، كما فيه ثلاثة أنواع من الموسيقى المتشابهة في مكان ما، وجمع تراك الملكة حالات لحنية كثيرة، وشكّل مظلة للأغنيات الـ11 الباقية.
○ بعد الانتهاء من الملكة وهي التحدي الأكبر كيف سارت الاتجاهات اللحنية فيما بعد؟
•فرج: عندما كان يصلني نص من مجد عبر الإيميل كنت أتصفحه وابدأ العمل، وكل همي التمكُّن من تعبير موسيقي حقيقي له، وصياغة صورة موجودة له في مخيلة مجد. تنوّع التوزيع الموسيقي، وكان القرار بأن تكون الأغنية الأخيرة «لو بقدر» صولو، وهي تُمثِّل أحدهم جالساً في منزله وحيداً. عُزفت هذه الأغنية على البيانو البيتي، وبمستوى متوسط من العزف والأداء، وأتى التوزيع الموسيقي مناسباً للفكرة الفنية للأغنية الخالية من الأوركسترا. بغير ذلك أتت الأمور تلقائية ودون قرارات مسبقة. هذا طبعاً باستثناء الملكة التي خضعت لحوار طويل عريض بيننا على كل مقطع منها. نعم النقاش حول الملكة بلغ أوجه، فيما انجزت التراكات الـ10 الأخرى بدون تفكير كبير بالتوزيعات.
○ في «لو بقدر» قلت «راح نبني مملكتك لمّا نفك الخيمة». جملة جميلة يا مجد.
•مجد: الله يخليكي يا رب. في هذه الأغنية كما غيرها «ريفيرنسات» كثيرة، منها قصة أطفال مهمة جداً وهي «القنديل الصغير» لغسان كنفاني. خلال كتابتها تخيلت وكأن أحدهم يغني لطفلة، وهي بالتأكيد ليست أغنية للحبيبة.
○ لماذا بُحّ نشيد «عربإسرائيل» في مطلعه؟
•فرج: إنها تنشيزة آلة المجوز. يعطي المجوز هذا الصوت في اللحظات الأولى لبث النفس داخله، والموسيقيون يقصونه عند التسجيل غالبًا، لكننّي وجدته وثيق الصلة بهذه الأغنية والنص بشكل خاص. «عربإسرائيل» مصطلح يصف بالنسبة لي مجموعة معينة من الفلسطينيين المعجبين بإسرائيل، وليس كافة الفلسطينين داخل الأراضي المحتلّة سنة 1948.
•مجد: نحن في الداخل عالقون بمعركة أسماء، العالم كلّه محتار فيما يُطلقه علينا. عربسرائيل، عرب الداخل، فلسطينيّو الداخل، عرب 48، إلى آخره… طبعًا عرب إسرائيل هو الاسم الأسوأ لأنه يفترض تبعيّة للاستعمار. من جهة ثانية، فإن معركة الأسماء من شأنها أن تغلّف الواقع وتجمّله، أن تصلّح اللغة بدلًا من إصلاح الواقع. هناك من يرفض أن يُسمّى «عرب إسرائيل» ويصر على أنه «فلسطينيّ» ولكنّه بالحقيقة غير معني بمقاومتها. شخصيًا، لا أخاف من الأسماء والمصطلحات، أخاف من الواقع. أستطيع أن أستخدم «عربإسرائيل» لأنّ هذا الاصطلاح جزء من «قصّتنا» تعبير عن استعبادنا، ولدينا الجرأة أن نفجّر المصطلح من خلال استخدامه الفج والوقح. يُشبه الأمر بعض الشيء طريقة استخدام الأمريكيين السود لمصطلح «نيغر» لمناداة بعضهم البعض-مصطلح يكثّف تاريخ استعبادهم ومعاناتهم، يحاربونه، لكنهم في الوقت ذاته يمتلكونه كجزء من القصّة والهويّة.
○ من هو الولد الذي أتيتم له ببيانو؟
•يضحك فرج ويقول: «جملة وبتنقال». في منازلنا العربية يشتري الأب بيانو لإبنه وغالباً لا يكون فاهماً لهذه الآلة، لكنه يفعل ذلك لأنه سمع من يقول له «منيح ابنك يتعلّم عالبيانو» فيفعل، وكان يجالس أصحابه في الحارة وأخبرهم «جبنا للولد بيانو».
•مجد: في النكبة انهارت البنية الاقتصاديّة وتخلخلت البنى الطبقيّة. انهارت الفلاحة وتحوّلنا سريعًا لمجتمعٍ عمّاليّ على هامش اقتصاد إسرائيل، ومنذ السبعينيّات بدأت تظهر سمات برجوازيّة جديدة. البيانو كان دائمًا رمزًا للاستثمار بالأبناء، الاستثمار بتعليمهم وإخراجهم من الدوّامة القرويّة، رمز الخروج نحو المدينة، للانتماء لبرجوازيّة متخيّلة.
○ لماذا اختيار البيت العتيق نسبياً ليكون غلافاً للألبوم؟
•مجد: هذا منزل أهل فرج.
○ لماذا أشركت منزل والديك في السي دي؟
•فرج: بصراحة اشتريت طائرة «درون» لأني أحبها كثيراً، وهي تدخل ضمن الخطة «ب» لمسار حياتي. كنت ألعب بتطيير الـ«درون» وصوّرت منزل أهلي منذ زمن، وقبل أن «نطقّ طقة» في الألبوم، اخترنا هذه الصورة.
○ منزل والديك في الرامة؟
•فرج: نعم حيث ولدت وكبرت. «وأبوي جابلي بيانو فيه».
○ لماذا كل هذه الدسامة في هذا الألبوم؟
•مجد: كنا حيال الكثير من الأسئلة والتلاطمات. خيارنا كان أن نقلب الطاولة على «أحلى من برلين» وتقديم الهموم والمشاغل التي تعيش وتتشابك في عقولنا بدون تفكير بمفهوم «النجاح» الجماهيريّ. أن نقدم أغنية مدتها ربع ساعة ليس قراراً يمكن اتخاذه بسهولة في هذا العالم، إنها تجربة افتخر فيها. الموضوع ليس أحسن أو أعطل من الألبوم الأوّل، إنما الموضوع أن تبقى وفياً لبوصلتك الفنية. قدمنا العمل وبغض النظر عن كيفية استقبال الناس له، يهمنا أننا عملنا في ذروة الاخلاص، ونحن فرحيْن به جداً.
•فرج: إضافة لما قاله مجد نحن معاً نعيش قلقاً من تكرار الذات الفنية. نبحث عن مشروع ناجح فنيًا ومُجَدِّد. سعيدان لأننا قدمنا عملاً مختلفاً كلياً وجديداً، وسجلنا خطوة مهمة. «جبنا للولد بيانو» أسم يحمل أيضًا توقّعات الأهل من أبنائهم، توقّعات «النجاح» التي على «الولد» أن يلتزم بها… ونحن شعرنا أننا نواجه هذه التوقعات، ونعبث بها بجرأة لنفعل ما نُحبه في الحياة، وليس المتوقّع أن نفعله.
○ وما هو برنامج الربيع والصيف لتقديم الألبوم؟
•فرج: نحضر لجولة كبيرة تبدأ من فلسطين، إلى الأردن وأوروبا. المواعيد لم تحدد بعد لكنها قيد البحث، والأرجح امتداد الحفلات إلى الخريف.
○ وهل يشارك مجد في هذه الحفلات؟
•فرج: «منجيبو شو بدنا نعْمَل».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية