«كاينة ظروف» حبكة محكمة وأداء انسيابي من اخرج مسحراتية تونس… ومن أضرم النار في العيساوي؟

لاقى مسلسل «كاينة ظروف»، الذي يعرض على القناة الأولى، اهتمام المشاهد المغربي، واعتبر من أكثر الدراما الرمضانية مشاهدة على اليوتيوب، حيث أعطى المسلسل انطباعا قويا عن الدراما الهادفة، وما تقدمه للمجتمع، خارج زخم الجدل، الذي حصل في مسلسلات مغاربية أخرى، وخارج نمطية الدراما الرمضانية التي تقوقعت حول العنف، من قتل وتعاطي للمخدرات وآفات صوّرت بطريقة فجة وفظة. وفي تصريح مخرج المسلسل إدريس الروخ لـ»مدار 21» قال إن «هذا العمل يحكي قصة ثلاث نساء قضين فترة سجن لظروف سيكتشفها المشاهد خلال عرضه، ويحاولن بعد مغادرتهن السجن العودة إلى الحياة الاجتماعية من جديد والسعي إلى التأقلم معها، لكن تعترض طرقهن العديد من المشاكل». تنشأ علاقة قوية بين «فوزية»، الدور الذي قامت بأدائه «راوية» واسمها الحقيقي فاطمة هراندي» ودور «نادية»، الذي أدته «سامية اقريو» و»حنان» الدور الذي أدته «ابتسام لعروسي». ومع الأيام يدركن أن الخروج من السجن لا يعني أنهن دفعن الثمن وانتهى الأمر، بل وجدن أنفسهن في سجن كبير بلا أسوار وتلاحقهن تبعات التهمة و»الشبهة» والظلم والرغبة في الانتقام.
ومن المتابعين لتطور أحداث المسلسل الناقد السينمائي فؤاد زويريق، من خلال منشوراته على حسابه على فايسبوك، أرجع نجاح المسلسل «للسيناريو ومكامن القوة فيه الكتابة، أي السيناريو المحكم والتشخيص القوي لأغلب الممثلين المشاركين فيه، قلما وجدت شخصيا من خلال مختلف الأعمال الدرامية المغربية التي شاهدتها، سيناريو مثل هذا الذي كتبته المبدعة «بشرى ملاك»، سيناريو يحافظ على انسجام عناصر المسلسل بهذا الشكل ويمنحها القوة والاستمرار في جذب المتلقي والتأثير عليه ببناء يوازن ويمسك بكل الخيوط الدرامية، ويفجر الأحداث بشكل سلس ومقنع لا مبالغة فيه ولا سذاجة، ويغوص العمل في المجتمع المغربي بكل تفاصيله، دون تمطيط ولا اطناب».
ويضيف دائما، مشيدا بسيناريو المسلسل «كاينة ظروف» اشتغل بقوة على الحالة النفسية لشخصياته الرئيسة الثلاث «نادية» و«حنان» و»فوزية» ورغم أنهن مررن بنفس التجربة السجنية واختلطن ببعضهن لسنوات، إلا أن لكل منهن شخصية مستقلة ومتفردة، ومشاعر وردود أفعال مختلفة بنيت أمامنا بشكل تمهيدي في السجن، ثم أطلق لها العنان خارجه». ولعل شخصية «فوزية» أخذت حصة الأسد في الاشادة بدورها في هذا المسلسل، إضافة إلى أدوارها السابقة، وإن كانت لا تعترف ولا تحب النجومية وتعتبرها «شوهة» وليس شهرة (النجومية فضيحة)، كما صرحت لمراد العشابي في برنامجه. وترى نفسها إنسانة عادية، تريد القيام بكل أعمالها لوحدها، إلا أنها نجمة بكل المقاييس، فنانة تشكل امتدادا لعمق النساء المغربيات البسيطات، فهي لا تمثل، بل تتقمص أدوار الحياة. «راوية» فنانة من العيار الثقيل، كما صرح بذلك مخرج العمل «إدريس الروخ» لقناة «أخبارنا تي في» على اليوتيوب «راوية من الممثلات الكبيرات القديرات على أن تخلق المفاجأة في التعبير والإحساس الصادق، في أي لحظة من اللحظات، وأنها لا تمل ولا تتعب وأنها قوية من الداخل رغم أن لديها ما يكفي من مشاكل عائلية».
كذلك تعرض الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي لحياة «راوية» الشخصية وأنها منذ سنوات ترعى والدتها واختها المقعدتين، لذلك لا تظهر في الأماكن العامة، ولا في السهرات الفنية، أي لا تعيش نجوميتها. الفن والشخصيات، التي تؤديها في الدراما تعتبر كسفر بالنسبة لها. لم ينته المسلسل بعد، حتى نكتشف خبايا حياة «فوزية»، ولماذا قتلت رجلا ودخلت السجن، ومن ابنها الذي تريد أن تجده ولا تريد حتى لا يعلم أنها قتلت أباه. وهل هي تعرضت لاغتصاب أم خيانة؟ يمكن التخمين ولا يمكن الحسم في مسار شخصية فوزية، التي تحمل الكثير من غموض الماضي، والذي يلاحقها برغبة أم الرجل، الذي قتلته انتقاما، وأخرى قالت إنها سبب في وفاة ابنتها. عالم «الشيخات» في المجتمع المغاربي التقليدي «سحري» تختلط فيه العوالم، التي تبدو بعيدة ـ لكن ضمن مفاجآت بين السرور والانكسار.
ودائما عن شخصية فوزية، يضيف زويريق «مغنية شعبية أو شيخة معتزلة من الزمن الكلاسيكي الجميل، تمثل تلك النوعية من الشيخات الحقيقيات اللواتي تشبعن بالقيم الحقيقية وروح الفن الأصيل، لم يغيرها السجن وبؤس الحياة، هي أطيب شخصية بين الثلاث. استقبلت زميلاتها في السجن في بيتها واحتوتهن وتقاسمت معهن كل شيء بالتساوي، وزعت بينهن حنانها وكذا صرامتها، كأنهن أبناؤها. قد يجد البعض تركيبة هذه الشخصية مبالغا فيها، لكن بعد البحث والتنقيب سيكتشف أن طبيعة الشيخات الحقيقيات اللواتي تربين في زمن مضى هي فعلا كذلك». كانت الأدوار النسائية في «كاينة ظروف» للثلاث كأنها مفصلة عليهن وكأنها امتدادات لطبيعة حيواتهن. بتلقائية وأريحية في الأداء أبدعن ثلاثتهن. ومعهن كل طاقم العمل».

مسحراتية تونس ونزار العيساوي والشديد القوي

انتقلت طبلة «المسحراتي» إلى يدي السيدة «منيرة الكيلاني»، حسب ما يتم تداوله على منصات التواصل الاجتماعي، الطبلة التي ورثتها عن والدها، والسبب، ليس كما عبر بعض النشطاء أنه تحد وكسر للنمطية، بل لتتحدى ظروفها المزرية، وإن كانت «لا تخاف من الخروج في الظلام. وأنها لم تتعرض لمضايقات، بل كانت دائما تجد المساندة من الجميع».
وحسب تقرير قناة «الحدث المغاربي» على اليوتيوب فإنها حملت «طبلة» والدها منذ 2019، وهذا المشهد غير المألوف، الذي شغل الأخبار العربية ومنصات التواصل الاجتماعي لم يوصلها إليه سوى الحاجة ولقمة العيش، حيث صرحت للقناة أنها تعيش ظروفا صعبة مع عائلتها وتقوم بالعمل من أجل إخوتها ووالدتها المريضة، وأن حالتهم المادية تحت الصفر، وتعيش بإعانات الناس، فلا تجد ما تأكل ولا تستطيع شراء حتى الخضروات! وعندما ينتهي شهر رمضان تحول وجهة كسب رزقها الزهيد بجمع القارورات البلاستيكية، حتى تتمكن من شراء أدوية فقر الدم الذي تعاني منه ولتؤمن أدوية السكر والضغط لوالدتها، لم تخرج من بيتها ولم تطبل إلا لظروفها القاهرة.
ظلم الظروف أم ظلم البشر وجشع التجار، الذي أدى باللاعب التونسي نزار العيساوي إلى حرق نفسه بعدما اتهم بـ»الارهاب»، حين ذهب للتبليغ عن سعر الموز، الذي وصل إلى 10 دنانير، بينما حدد السقف بـ 5 دنانير. نزار العيساوي حرق روحو بعدما شاف قدام عيونه عددا من محتكري مادة الموز يدفعون الرشاوى للبوليس تاع مركز الأمن. كي يشروا سكاتهم على البلاغات ضد الرفع في السعر واقدام نزار على حرق نفسه هو البهدلة التي تعرض لها في مركز الأمن والمظلمة وتلفيق قضية ذات صبغة إرهابية» (من صفحة سيف عيادي على فيسبوك). وكان قد نشر على صفحته الرسمية على فيسبوك «خايبة برشا كي تشوف حقك يتسرق قدام عينيك مرة واثنين وثلاثة باسم القانون، ماتنجمش تتكلم وتوجع برشا كي تحس روحك غريب وانت ولد بلادك». إلى أن يقول «اليوم نتكلم آخر مرة في حياتي، اليوم سوف أحكم على نفسي سوف أكون المتهم والقاضي في نفس الوقت: أنا القاضي نزار عيساوي أحكم على المتهم نزار عيساوي بالموت حرقا، وذلك لأنه كان رجلا. رفعت الجلسة»!
توفي «نزار» بعمر 35 سنة، وهو من مواليد ولاية القيروان، تاركا وراءه عائلته وأبناءه الصغار، متأثرا بالحروق، التي تعرض لها بعد أن أقدم على حرق نفسه قبل أيام بسبب ما تعرض له من ظلم وقهر، حسب قوله في فيديو شخصي مسجل له، علما وأنه في حياته، كان كل مرة يقوم بشراء أزياء وبدلات رياضية للأطفال الفقراء في مدينة «حفور»، ويعين عائلاتهم ماديا.
يذكر أن العيساوي كان قد تقمص أزياء عدة فرق على غرار الاتحاد الرياضي المنستيري وقوافل قفصة الرياضية ومستقبل قابس وجريدة توزر الرياضية، كما خاض تجربة في الدوري السعودي، رحم الله الفقيد» (من منشور كريم قادري على فيسبوك).
هكذا يحترق أبناء أوطاننا من أناس عاديين، من أهل الفن والرياضة والباعة المتجولين، ومن عانوا الظلم والإقصاء، كل لحظة تتسع فوهة المحرقة وتتأجج نيران الغضب بفعل رياح الظروف وأعاصيرها.

مريم كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية