معرضا «الصمت» و «في بيت الدُمى»: حالات مختلفة من السريالية

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: بالمصادفة تزامنت إقامة معرضين تشكيليين لفنانين مصريين من جيل مختلف وتجربة أشد اختلافاً، لكن السمة الأساسية لهما تكمن في الحِس السريالي، سواء في شكل صريح ومباشر كما في معرض (بيت الدُمى) للفنان الراحل سمير صبحي (1938 ــ 2020) أو في شكل خافت وكامن كما في تجربة الفنان كريم حلمي، في معرضه المعنون بـ(الصمت).

أطفال مرعبون

أقام غاليري مشربية معرض الفنان سمير صبحي، مستعرضاً فترة السبعينيات والثمانينيات، حيث كانت الروح السريالية تسيطر على تجربة الفنان آنذاك، مع ملاحظة أنه لم يتفرغ كلية للفن، فكان عمله كدبلوماسي بالأساس يشغل الكثير من وقته. وتبدو رؤية الفنان من خلال لوحاته في أن فكرة (الدُمية) نفسها تحمل الكثير من روح الإنسان ووعيه، فهو صانعها، وهو الذي يُعيد تشكيلها ـ كطفل ـ وفق هواه، لتتحول هذه الدُمى والألعاب الطفولية إلى مخلوقات شائهة، تثير الخوف والرعب، ولتبدو حالة الإنجاز والهدوء على الطفل اللاهي، وقد أعاد تشكيل اللعبة، أو بمعنى أدق هكذا ترسمها مخيلته. وهنا يعود الفنان إلى عالم الطفولة هذا، لكن ليس في شكل حالم هادئ سعيد، لكن في أقسى صورة يمكن تخيلها، خاصة وهي التي توحي من البداية أنها مجرد لعبة طفل.
هذا التناقض بدوره هو الذي تكشفه هذه اللوحات، ما بين الوجه البريء للأطفال، وما تحمله نفوس البعض منهم من تصورات مخيفة. من ناحية أخرى تتماهى هذه التصورات، التي يتم تحققها من خلال تشويه الدُمى، إلى ما هو أكثر دلالة، فاللوحات تمثل ضحايا أفعال شريرة، أشبه بقتلى الحروب، هنا يتمثل الإنسان هذه الدُمى، ويصبح مجرد (لعبة) في يد أصحاب الخيال المريض. فكرة حرية اللعب هنا لا تأتي إلا من خلال سُلطة لها مُطلق الحرية في إعادة وصياغة وتشكيل هذه الأجساد وفق هواها، بقرار بسيط، دون تحمّل أي معاناة أو إحساس بالذنب. كذلك فإن اللوحات تنفي تماماً فكرة النجاة من هذا الجحيم، حتى الجسد المُكتمل الذي يفر مبتعداً في عمق إحدى اللوحات، يبدو أنه لن يخرج عن إطارها، فهو مُحاصر لا محالة، ويؤكد ذلك جسد الطفل في مقدمة اللوحة، وهو يحدّق في المُشاهد/المُتلقي، وبقايا عظام جمجمته إلى جواره، مع ملاحظة أن اللونين الأساسيين في اللوحات هما الأصفر والرمادي، كما الصحراء والسماء الغائمة، وكلها أجواء تنذر بالخوف.

من أعمال الفنان كريم حلمي

عالم العزلة

ونأتي إلى معرض (الصمت) للفنان كريم حلمي، الذي أقيم في غاليري مصر. هذه الفكرة التي عبّر عنها الفنان من خلال مجموعة من النساء بمصاحبة آلات موسيقية مختلفة.. كالكمان، الدف، التشيللو، والناي. وبالضرورة سيبدو الصوت من العناصر الأساسية في اللوحة ـ صوت الموسيقى بالأساس ـ جرّاء وجود مثل هذه الآلات، التي توحي بأصواتها المعروفة على الأقل، لكن هؤلاء النسوة المتوحدات مع آلاتهن لا يستطعن العزف، فأغلبهن أيديهن وأذرعهن مبتورة، أو ربما يد واحدة تُمسك بآلة من الآلات، بينما الأخرى مبتورة، وبالتبعية لا يمكن العزف على الآلة، وبالتالي ستظل أجواء الصمت هي التي تسطر حكايات هؤلاء. وما بين حالة البهجة أو الوجود الذي تخلّفه الموسيقى، إلا أنهن لا يتواصلن مع ما يشعرن به، أو يُردن التعبير عنه.
ويسيطر اللون الأحمر بتدرجاته على أغلب اللوحات، هذا اللون الذي تتشكل منه خلفية اللوحة من جهة، أو أن يصبح لون رداء الشخصية المرسومة من جهة أخرى، أو أن يتمادى الأمر فيحمل وجه الشخصية هذا اللون بدرجة أو بأخرى، فلا تنفصل عن الخلفية التي تحيط بها، وهو ما يؤكد حالة هذه العزلة، فالتوحد اللوني هنا لا يوحي بعالم متناغم بين الشخصية وما يحيطها، بل على العكس، وكأنه عالم لن تستطيع الشخصية تجاوزه، مهما تحايلت ـ وهي ستفشل في محاولاتها ـ ولو أوحت بعكس ذلك.

ما بين السبعينيات والآن

لعل اللافت في الأمر هو المقارنة التي لا بد منها ـ بغض النظر عن الرؤية والأسلوب ـ بين أعمال فنان يجسد وجهة النظر السريالية في صورة مباشرة، ومتأثرة بالسريالية الغربية، فهي ليست سريالية (عبد الهادي الجزار) أو (حامد ندا) على سبيل المثال، وبين فنان آخر يقيم معرضاً عام 2023 يحاول صياغة عالم فوق واقعي يجسد من خلاله حالة تشعر بها شخوصه، وبالتالي يشعر بها ويعبّر عنها. فهنا نجد كل مفردات اللوحة التي تحتلها أجساد النساء توحي بهذه العزلة، مع ملاحظة قصدية عدم وجود عمق في تكوين اللوحات، وكأن الشخصيات سجينات عالمهن هذا، ولا أمل في الفرار منه، رغم فشل محاولات التحايل في التواصل. وهي حالة يعيشها الكثيرون الآن، رغم ما يبدو على العالم من التقارب والتواصل، من خلال مُنجزات التقدم التكنولوجي، الذي يبدو أنه تقدم وهمي يزيد من حالات العزلة والوحدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية