هل يخرج الإصلاح في الجزائر من رحم الفساد؟

حجم الخط
0

في زمن الفساد السياسي والإداري الذي انكشفت عورته في الجزائر بشكل فاضح ومخز، كل من يبتغي الإصلاح سبيلا لتحقيق غايته من شهوة السلطة يرفعه شعارا، حتى أن المفسدين والمستبدين والمتواطئين مع الفساد لا يجدون حرجا في تسويق بضاعة جديدة قديمة لبقائهم واستمرارهم، وهي إصلاح ما أفسدوه هم أنفسهم خلال سنوات طوالٍ من الحكم، ولا يمكن بأي حال من الأحوال استثناء من كانت للفساد والمفسدين يد تحميهم من سلطة القضاء والقانون والمحاسبة، ولا من كان الحكم أداة طيعة بيده وفشل في التصدي للفساد أو قصر في ذلك.
والعجب أن يخرج علينا مسؤول من صنع سلطة الفساد أو فساد السلطة، ليقول إنه سيدخل إصلاحا في قطاع أو إصلاحات على منظومة كاملة، كأنما لم يكن هو ومعاونوه قد أشرفوا على شؤون الرعية ما شاء الله لهم أن يفعلوا أمدا بعيدا، مع أن الإصلاح بمفهومه الحقيقي لا يأتي به الذين عشش الفساد في منظومة حكمهم طوال فترة إمساكهم بزمام الأمور، إما بتواطئهم مع الظاهرة أو تقصيرهم في دفع شرها عن الناس، وإنما يكون الإصلاح الناجع في الغالب أمرا طارئا من خارج دائرة الفساد سياسيا كان أو اقتصاديا أو غير ذلك، ويرفع لواءه أشخاص لم يسهموا في تفشي الفساد بشكل رهيب أو تتلوث به أيديهم وألسنتهم، كما هو حاصل في الجزائر المستقلة خمسين سنة.
عندما يخرج الإصلاح المزعوم من رحم الفساد نفسه فإنه يولد ميتا أو مشوها فيكون زائفا ولا معنى له في الواقع، إذ أن المنادين بذلك الإصلاح الوهمي لا يترددون في كبح جماحه إن استشعروا واقعا لا يفرض عليهم أن يمضوا قدما، مع أنك تراهم بين الفينة والأخرى يبشرون الناس بفجر جديد وحرب ضروس تضرب الفساد بيد من حديد. وعندما تغيب ثقافة المحاسبة لأي مسؤول مهما علا شأنه في قومه، يصبح الإصلاح ضحية للمفسدين ولعبة تلوكها ألسن الساسة للضحك على ذقون الرعية، كأنما هو ذاك حظهم مع القيمين على شؤونهم حتى من أدناهم منزلة، وما نراه اليوم في الجزائر ليس سوى قمة جبل الفساد الذي ينخر البلد من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه.
إن للفساد أذرعا ما كانت لتمتد إلى عقول الناس فتقهر أنفسهم، لولا أنها تستند إلى قوة استبداد قد يكون ناعما أحيانا أو خفيا مقننا أحيانا أخرى. وما يعيق أيضا عجلة الإصلاح ويقف حائلا دون التمكين للمصلحين الصادقين من خارج دواليب السلطة القائمة، هو الرعية نفسها عندما يختار أفرادها طوعا أو كرها أن يأخذوا بالأفكار الفاسدة التي أصبحت سلعة رائجة، بفعل المفسدين الكبار أنفسهم الذين يصبحون أول من يدوس على القانون أو يحتال عليه، وقد أشهدوا العباد وخالقهم أنهم لا يبغون إلا
إصلاحا، كفكرة القبول بل الإذعان لاعتماد الرشوة سبيلا للحصول على حق هو مشروع أصلا دونها، أو فكرة التعايش مع التزوير وتبرير اللجوء إليه شعبيا، وعندها يكون العوام من الناس شركاء في قطع الطريق أمام الإصلاح والرضى بالفساد الذي لا يستثني شره منهم أحدا، فكأنما يريد المفسدون أن يجعلوا الرعية جندا لهم في تثبيت صناعة الفساد والتمكين لها في حياتهم، من أجل تحقيق هدف أكثر إلحاحا هو بقاؤهم جاثمين على صدورهم وقاهرين لعقولهم.
أما الحرب على المفسدين فلا وزن لها ما لم تصحو ضمائر الناس من سكرات الفساد الذي تعفنت به مجالات حياتهم، وحينها ينبغي للضمائر التي صحت ألا تنخدع بالمفسدين الذين ينقلبون بين عشية وضحاها إلى دعاة إصلاح زائف، يظل حبيس الأدراج حبرا على ورق أو مجرد تصريحات رنانة وشعارات براقة، كما هو حال كثير من المسؤولين الذين يحدثون الناس عن أنفسهم ويحبون أن يحمدوا على ما لم يفعلوا، وعندما تدق ساعة الحساب وتنكشف عورات الفساد، تراهم ينسلخون أمام الناس على حقيقتهم من وطنية، كثيرا ما جعلوها مطية للنيل من منتقدي سياساتهم واتهامهم بالعمالة وفساد الرأي، لينهبوا أموال الشعب ويحتالوا عليه في غمرة الأزمات التي يتفننون في تحميلها على كاهل البسطاء من الناس وعامتهم، لتبقى أعناقهم صاغرة أمام الفساد والمفسدين.

‘ صحافي جزائري مقيم في إيران

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية