رصاصة أولى «مجهولة» تطلق المواجهة المؤجلة بين الجيش السوداني والدعم السريع

عمر الفاروق
حجم الخط
0

كان إطلاق رصاصة أولى «مجهولة» في العاصمة السودانية الخرطوم صباح السبت الخامس عشر من نيسان/أبريل والتي أشعلت حرباً تدخل الأحد يومها التاسع في البلد الذي عاش طوال تاريخه الحديث داخل دورات دموية من الحروب الأهلية والتمردات المسلحة، تتويجاً لتوترات مركبة بين الجيش وقوات الدعم السريع من ناحية، وبين قائديه عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو «حميدتي» من ناحية أخرى.
على غير عادة الحروب الأهلية المتطاولة في البلاد، مثلت الخرطوم مسرحاً لها، كان هذا الأمر شديد الوقع على حوالي 10 ملايين شخص يقطنون في العاصمة المكونة من ثلاث مدن يعيش فيها جميع السودانيين، باختلاف انتماءاتهم.
ومع ذلك، ورغم ارتفاع حدة التوترات العسكرية والأمنية والسياسية في الأسابيع والأيام الأخيرة التي سبقت اندلاع الحرب، بما في ذلك الخلافات السياسية وحشد القوات العسكرية من الطرفين، كان اندلاع الحرب في الخرطوم في قلب المقار الاستراتيجية للدولة التي ظلت محصنة تاريخياً، مفاجئاً وصادماً للملايين من سكان العاصمة الذين كان يعمل معظمهم على تأمين حاجيات العيد، في خضم غلاء طاحن وظروف اقتصادية بالغة التدهور، لكنهم مع اندلاع شرارة الحرب، أصبحوا يبحثون عن ملاذ آمن يقيهم الموت.
نعم، لم يستبعد أولئك اللصيقون بديناميات الصراع المركب في السودان، وبناء على المعطيات الماثلة، نشوب حرب بين الجيش والدعم السريع، لكنهم مع ذلك قبضوا على أمل متخيل بداخلهم قد يحول دون ساعة صفر لحرب جديدة، كانت رجاءآتهم مبنية على حراك دبلوماسي كبير واجتماع مزمع يوم اندلاع الحرب نفسها بين القائدين المتنافسين على السلطة، لكن شرارة الحرب كانت أقوى.
منذ إطاحة الرئيس المخلوع عمر البشير، عام 2019 في أعقاب ثورة شعبية واستيلاء الجيش على السلطة بمساعدة الدعم السريع، كان يتحدث مراقبون عن معركة حتمية بين الطرفين، عززها على مدى السنوات الأربع الماضية، سباق حميدتي مع الزمن في جعل قوات الدعم السريع جيشاً موازياً لجيش البلاد التاريخي، وهو ما أثار حفيظة قادة الجيش بشكل كبير وصل تحفظهم إلى ذروته من خلال محاولة انقلابية قادها سلاح المدرعات في 21 أيلول/سبتمبر عام 2021 سرعان ما قدم قادتها إلى محاكمة عسكرية كشفت بشكل جلي عداوتهم المستحكمة مع قوات الدعم السريع.

عقود تسليح

مثلت علاقات «حميدتي» الخارجية والعسكرية والأمنية المستقلة عن الدولة، وانخراطه في عقود تسليح لقواته وتقويتها، وتنامي نفوذه السياسي والاستقلال بإمبراطورية اقتصادية هائلة من خلال سيطرته على قطاع الذهب، أسباب اشتعال فتيل الأزمة الرئيسي والذي انفجر في الخامس عشر من نيسان./ابريل الجاري.
ومن بين الأسباب القوية لاندلاع الحرب فيما يبدو أيضاً، تلك الموارد المالية الضخمة والإمبراطورية الاقتصادية الهائلة التي تمكن حميدتي من تشييدها على مدى سنوات معدودة، التي تقوم على الذهب والتي أثارت مخاوف الجيش وحتى الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصاً أنها ارتبطت مع الروس، ومكنته من أن يصبح دولة داخل الدولة من ناحية أخرى.
وبينما كان يطالب المحتجون السلميون في الشوارع، طيلة السنوات الأربع الماضية، حتى في أعقاب انقلاب 25 تشرين الأول/اكتوبر 2021 بحل قوات الدعم السريع وعودة الجيش إلى ثكناته، لإفساح المجال لنشوء حكم مدني غاب عن البلاد لعقود، بالتزامن مع تحذير القوى السياسية والمنخرطين في العمل السياسي، بخطورة تنامي دور الدعم السريع على حساب الجيش، كان قادة الأخير خصوصاً البرهان، يبثون التطمينات كون الدعم السريع هو جزء من الجيش ويعمل تحت إمرته، وكثيراً ما أكد قائد الجيش، أن من ينتظرون صداماً بين الجيش والدعم سريعاً سينتظرون طويلاً، فيما معناه سينتظرون إلى الأبد.
لكنه، اليوم، أي الجيش وقادته، كأنما يتحدثون بلسان المتظاهرين السلميين الذين قتل المئات منهم برصاص القوات الأمنية خلال احتجاجات سلمية وهم ينادون بالحكم المدني وتوحيد الجيش، في خطابهم ضد الدعم السريع، بعد اندلاع الحرب.
لم ينتظر البرهان كثيراً بعد اندلاع الحرب، حتى سارع بحل الدعم السريع، وإعلانه قوات متمردة وصار يطلق عليها اسم الميليشيا وهو اللقب الذي طالماً جر العديدين إلى المحاكم عندما كان شهر العسل بين الطرفين في أوجه.
في خضم تلك الفترة ساد اعتقاد سياسي أن البرهان وحميدتي مصيرهما واحد، وكانت الحجة في ذلك، أنهما يحتميان ببعضهما البعض مخافة الجيش والشعب، لكن الاعتقاد بدأ يتبخر في أوساط المراقبين في أعقاب انقلاب 25 تشرين الأول/اكتوبر 2021 والذي كشف على مدى 18 شهراً من عمره، حتى لحظة انفجار المواجهات المسلحة، بأن لا رابط عضوياً يجمع الجيش والدعم السريع. كما أن تلك الفترة مثلت حدة التنافس السياسي على الانفراد بالسلطة، وانفجار تضارب المصالح، واتساع الفجوة في ظل تحالفات داخلية وخارجية بدأ يصطف فيها كل طرف.

مبادرات سياسية

وبينما ذهب حميدتي إلى إقليم دارفور في حزيران/يونيو 2022 فيما بدا أنها حالة غضب من رئيسه في المجلس السيادي البرهان، أصدر الأخير قراراً في الخرطوم قضى بخروجه من العملية السياسية وتشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة، قال حميدتي إن البرهان لم يستشره في القرار.
من دارفور بدأ حميدتي يتحدث عن فشل انقلاب 25 تشرين الأول/أكتوبر وما إلى ذلك، ليعود إلى الخرطوم وينخرط في مبادرات سياسية لعلها تعيد تموضعه في المشهد السياسي والعسكري في البلاد، ومع وصول جميع الأطراف – محل الصراع، بمساعدة الآلية الثلاثية المكونة من الاتحاد الأفريقي، إيقاد والأمم المتحدة ودول الرباعية إلى توقيع اتفاق إطاري في الخامس من كانون الأول/ديسمبر الماضي، كان ذلك الاتفاق نذراً للحرب على عكس المأمول منه.
بعدها أصبحت المعركة بين الطرفين مطروحة في العلن، حيث كان الاتفاق الإطاري نفسه حجةً لظهورها إلى العلن، إذ شدد كبار قادة الجيش في المجلس السيادي، على أنهم لن يمضوا في ذلك الاتفاق بشكله الحالي، مشترطين لتنفيذه دمج الدعم السريع أولاً، في المقابل تحدى قادة الدعم السريع الجيش مشددين على أنهم سيحمون الاتفاق.
عند هذه النقطة، في الأشهر الأربعة الماضية، لم يكن ما يوحي بأن هناك مجلسا سياديا، حيث انخرط الجميع في معارك كلامية وجولات خارجية تركزت في دولة الإمارات، ثم تلا ذلك ما بدا أنه طبول الحرب تسمع على وقع استقدام الحشود العسكرية إلى عاصمة البلاد، أكدها هجوم صحافي قوي من شقيق حميدتي ونائبه في قوات الدعم السريع، عبد الرحيم دقلو على البرهان، لكن تمركز قوات الدعم السريع يوم الأربعاء، 12 نيسان/ابريل في قاعدة مروي الجوية وإصدار الجيش بياناً شديد اللهجة، كان بمثابة إعلان الحرب، وبالفعل بعد ثلاثة أيام كانت أمراً واقعاً.
بالنسبة للجيش السوداني الذي تشكلت نواته الأولى في التاريخ الحديث في عام 1925 وتمت سودنته في عام 1955 قبل عام من الاستقلال، لطالما استعان بقوات شبه عسكرية في حقب الحروب الأهلية التي تفجرت ما قبل الاستقلال وحتى الآن، يستعد للاحتفال بمرور 100 عام على تأسيسه، فيما أنشئ الدعم بشكل رسمي في عام 2017 والتي في الأصل أنشأها الجيش خلال الحرب في إقليم دارفور، حيث تمكن من سحق التمرد ما ضمن لها ذلك الصعود المتواتر ما قبل اندلاع الحرب الأخيرة.
ورغم تلقي قوات الدعم السريع تدريبات عسكرية احترافية ودرجة ما من التنوع الإثني في السنوات الأخيرة، إلا أنها ظلت محافظة على طابع قيادتها العائلي وهو الأمر الذي لم يكن يحظى بأي درجة من القبول في أوساط السودانيين.
ومع ذلك، مع دخول الحرب يومها التاسع، الأحد، وسط هدنات يتم خرقها مراراً وتكراراً، في خضم المواجهات الدامية التي خلفت مئات القتلى وآلاف الجرحى حتى الآن، ودمرت البنية التحتية المتهالكة في الأساس، يبدو واضحاً أن الجيش يبني استراتيجته على حسم الدعم السريع على الأرض بأسرع وقت ممكن، مقابل استراتيجية الدعم السريع القائمة على إطالة أمد الحرب، للخروج بمكاسب تكاد تكون منعدمة. في استراتيجيته الخاطفة للحرب، يحاول الجيش تجنب شبح التدخل الدولي بأشكاله كافة، فيما تراهن قوات الدعم السريع من خلال استراتيجيتها في إطالة أمد الحرب إلى جلب التدخل، والذي يبدو أنه سيحسم أمره في ميادين المعركة، إذا ما حقق الجيش نصراً حاسماً، أو تمكن الدعم السريع من تأخير مثل هكذا انتصار.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية