الكوميديا الإلهيّة وسياسة الانتظار

كان كثير أو قليل من العرب ينتظرون من «الثورات» التي حدثت في بعض دول العالم العربي (تونس ومصر وليبيا وسوريا) لا سقوط الأنظمة التي توسم بالدكتاتوريّة والاستبداد فحسب، على ضرورة تنسيب هذا الحكم؛ وإنّما أيضا قيام بديل ديمقراطيّ حقّ، وتداول سلميّ على السلطة. ولكنّ الانهيار المفاجئ أو غير المتوقّع للأنظمة التي كانت تلوح قويّة متماسكة، باغت الجميع عربا وأجانب؛ بل حلّ محلّه خوف أو خشية من أن تؤدّي هذه «الثورات» إلى استبداد جديد من النوع الثيوقراطي، وبخاصّة عندما تنامى خطر الظاهرة أو الشموليّة الدينيّة السلفيّة. وهو خوف له مسوّغاته، وأظهرها غياب التقاليد الديمقراطية في بلدان العالم العربي، وإخفاق مجتمعاتها في شقّ طريق الحرية والحداثة.
وعلى أساس من هذا الطرح أو هذا التفسير، جاز ما يقوله البعض من أنّ «الربيع العربي» سريعا ما تحوّل إلى «شتاء قاسٍ، دون أن يكون هناك صيف وخريف».
ولعلّ هذا من مبذول القول، فقد شهدت كلّ الثورات التاريخيّة المعروفة، وعلى رأسها الثورة الفرنسيّة التي لم تنقطع ارتداداتها، فترات من الشكّ والريبة وعدم اليقين؛ بل الفوضى، وقيام ما يسمّى بـ«الثورات المضادّة». ومع ذلك لم ينقطع رجاء البعض، من الذين كانوا ينتظرون ولا يزالون، دعم المثقّفين الأوروبيّين والرأي العامّ الأوروبي، من أجل الحفاظ على «الأمل القادم من الجنوب» كما يقول الباحث الإيطالي فاليريو فيتوريني صاحب الأطروحة المتميّزة «صورة العالم العربي في الأدب الإيطالي والأدب الفرنسي، في القرن التاسع عشر». غير أنّ الثورات العربيّة بيّنت دون لبس تدنّي معرفة هؤلاء بالعالم العربي، تلك التي كان يمتلكها المستشرقون الأوروبيّون عامّة.
فمنذ الاستقلال السياسي في منتصف الخمسينات، قطع مثقّفو الشمال صلتهم بجنوب البحر الأبيض المتوسّط ​ الذي يتحوّل اليوم إلى صورة من «الكوميديا الإلهيّة» حيث الجنوب هو «الجحيم» والبحر هو «المطهر» والشمال هو «الفردوس»؛ بل قد تكون «كوميديا معكوسة» أو «مقلوبة»، بل قد تكون بعد أن أقرّت حكومة إيطاليا قانون «حالة الطوارئ» الذي يجيز إرجاع المهاجرين «الحارقين» إلى بلدانهم، رحلة من «جحيم الشمال» إلى «جحيم الجنوب» ثانية؛ ولا أحد من مثقّفي الشمال يدافع اليوم عن هؤلاء الذين تقطّعت بهم سبل العيش.
وهم المثقّفون الذين كان أسلافهم، أثناء حرب التحرير الجزائريّة، يواكبون حال مجتمعاتنا، من أمثال ريموند آرون وبيير بورديو، وبيير نورا الذي كان كتابه عن الجزائر باكورة أعماله، إلى جان بول سارتر وجان دانيال … بل وقف بعضهم موقفا مشرّفا في مساندة ثوّار الجزائر، الأمر الذي «أربك» القوميّة الفرنسيّة «الشوفينيّة» نفسها؛ إذ تصدّى بعض هؤلاء لتاريخ الاستعمار وطرق إنهائه، وكانت تحدوهم رغبة حقيقيّة في معرفتنا؛ وكانت القوميّة العربيّة وقتها في أوجها. ولكنّ هذه «العناية» بدأت تنحسر خلال السبعينات، كما يقول بنجمان ستورا. وللقارئ أن يعود إلى كتاب ادوارد سعيد، الاستثنائي «الاستشراق»، فلم يكن صدوره عام 1978 محض صدفة.
أمّا اليوم فقد حلّت محلّهم حركات يمينيّة متطرّفة في الدنمارك والنمسا وهولاندا والنرويج وإيطاليا وفرنسا؛ ولا جامع بينها سوى «رهاب الإسلام» الذي يجسّد في زعمهم التعصّب، وعدم التسامح، والإرث الرجعي في مواجهة الغرب الديمقراطي. بل جعلوه يتهدّد أوروبّا في عقر دارها، وكأنّها بقبولها المهاجرين «تحفر قبرها بنفسها».
ثمّة اليوم «جهل» مستفحل بالعالم العربي، بل إنّ «الصورة النمطيّة» القديمة تترسّخ باستمرار؛ وكأنّ هذا العالم جماعة من الناس أمرها واحد، أو هم يلزمون المذهب نفسه والطريق نفسها، وبخاصّة في الغلوّ في الدين، أو أنّ «الاستبداد» متأصّل فينا مشارقة ومغاربة، أو هو جزء من تركيبة عقولنا.
لم تختف هذه «الصورة» من المخيال الأوروبّي، بل ربّما حلّ محلّها بعد ثورات «الربيع العربي» يأس المثقّفين الأوروبيّين من إمكان حدوث تطوّر ديمقراطيّ حقيقيّ في العالم العربي؛ أو أنّ ذلك سيظلّ شأن أفراد من المستنيرين العرب، أو «شباب الفيسبوك» ووسائل الاتّصال الاجتماعيّة الجديدة. على أنّ هذا الشباب ليس «متجانسا» كما قد يقع في الظنّ، وأكثرهم لا يدرك لضعف محصوله المعرفي والدّيني أنّ إسلام اليوم هو غير إسلام الأمس؛ بل لا يتنبّه إلى «خطّة» المستبدّين، من أجل ترسيخ الثقافة المحافظة وتقوية دور الدين، بمعزل يكاد يكون تامّا عن منجز حركات الإصلاح. وهل من «الإصلاح» انتشار حصص البثّ الدينيّ في القنوات التلفزيونيّة والإذاعيّة الرسميّة؟ بل هناك من اعتبر هذا المنحى تحصينا للمجتمع من «الإسلامويّة» وقد جعلوا منها شبحا مخيفا وكابوسا مرعبا.
بل إنّ الدبلوماسيّين الأوروبيّين لم «يدركوا» في الإبّان أنّ ما حدث في تونس كان بداية ثورة، وأنّ «هروب» الرئيس بن علي كان حقيقة؛ وقد كتبت شخصيّا أنّ للثورة التونسيّة 17/ 14 وجهين اثنين: «ثورة المحروق» [محمّد بوعزيزي] الذي أحرق نفسه يأسا من وضعه المتردّي، وكان «شهيدا حتف أنفه» كما كتبت في «القدس العربي»، و«ثورة الحارق» [بن علي الذي هرب وأفراد أسرته]. وباختزال مخلّ لا ريب، فإنّ ثورات «الربيع العربي» لم تكن مؤامرة كما يروّج لها البعض اليوم؛ فقد فاجأت الحكومات الغربيّة مثلما فاجأت المثقّفين والرأي العامّ.
ما الذي ننتظره اليوم من مفكّرينا نحن ومثقّفينا؟ أيمكن أن يستعيدوا مصطلح «الإصلاح» وأن يتعهّدوه ثانية بما استجدّ من «ثورات» و«ثورات مضادّة»؟ هذا المصطلح الذي شاع في كتابات المصلحين العرب منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين خاصة، ثمّ تحجّر بريقه في فترة ما، بعد أن حلّت محلّه مصطلحات أخرى مثل «الحداثة» و«الحداثية» و«ما بعد الحداثة» التي يمكن النظر إليها على أنّها ردّة فعل على إصلاح لم يُؤت بعض أُكله إلا في بعض البلاد العربية، وبخاصّة ما تعلّق منها بحقوق الفرد عامّة والمرأة تحديدا؛ كما هو الشأن في تونس.
اليوم قد يكون من المفيد لنا أن يُعاد الاعتبار ثانية إلى هذا المصطلح «الإصلاح» الذي يختلف العرب بشأنه، وأن يخشاه من يخشاه منّا؛ بدل أن ننتظر «المغيث الأوروبي» المشغول بمعاناة «تداعيات» ما يحدث على حدوده الجنوبيّة؛ وليس بوضع مفاهيم جديدة عن العالم العربي، من شأنها أن تقطع الصلة بالتمثّلات القديمة التي عفا عليها الزمن، كما يبيّن فيتوريني عن حقّ. وهل ثمّة أكثر خطورة من شبح «الخوف» من «الآخر»، الذي يغذّيه القديم على نحو ما يعذّيه المجهول الجديد، في تقديرهم المتحيّز؟
ما الذي ينتظره إذن هؤلاء التونسيّون الذين يطمحون بأبصارهم إلى «جحيم دانتي» وهم يرون طوابير آبائهم وأمّهاتهم ينتظرون أمام البنوك ومؤسّسات البريد وصناديق الضمان الاجتماعي؟ هم يدركون بنسبة أو بأخرى، ما يقوله أهل الذكر من رجالات السياسة والاقتصاد في تونس، من أنّ المنوال الاقتصادي المستوحى من الليبرالية الجديدة المتّبعة طوال ستّين سنة؛ أفضى إلى تحوّل عميق الغور في الطبقات الاجتماعيّة، وإلى «ضياع» الطبقة الوسطى، وارتفاع نسبة الفقر، والجريمة النوعيّة، وازدياد عدد نزلاء السجون، وحشود العاطلين وأكثرهم من خرّيجي الجامعات وحملة الشهادات العليا… ماذا ينتظرون من السلطة، وهم يدركون أنّها تكذب، ولكن ليس من حقّها أن تكذب عليهم هم بالذات؛ وهي مفارقة عجيبة. والحقّ في الكذب موضوع لا يخلو من طرافة، غير أنّ مجال «العيش معا» قائم على جملة مبادئ هي عهود ومواثيق، وفي عدم الإيفاء بها، يتصرّم النسيج الاجتماعي لا شكّ، وتتقوّض معه المثل الأخلاقيّة. وعندها لن نجد أيّة وسيلة لحماية أنفسنا من كذب الآخرين، بل سنكون من جملة ضحايا الكذب نحن أيضا.
ما يقوله خافيير أويرو عالم الاجتماع الأرجنتيني عن الانتظار من حيث هو الهيمنة وتعزيز السلطة، هو عين الحقيقة؛ وهو العالم العارف بـ «محنة الفقراء» في المناطق الحضريّة، في أمريكا الشماليّة والجنوبيّة، والتي تكاد لا تختلف عن «محنة فقرائنا» في تونس أو لبنان أو سوريا أو اليمن… حيث هم مجبرون دائما على انتظار «ما لا يأتي»؛ وليس ساعات طوالا فقط من أجل منحة أو مساعدة لا تغني ولا تسمن. ولعلّ الغريب حقّا هو امتثال هؤلاء، وصبرهم الذي دونه صبر أيوب؛ حتى أنّني لا أتردّد في استحضار «الصبر» بمعناه الأقدم الذي طوته المعاجم في ما طوت من كلمات تحوّلت إلى شواهد قبور في جبّانة لسان العرب، وأقصد الصبر بمعنى نَصْب الإنسان للقتل، فهو «مصْبور» وكأنّه صورة من الطائر الذي يُمسك، ثمّ يُصْبر حيّا، ثمّ يُرمى بشيء حتى يُقتل. لا أحد منهم، وأكثرهم من المرضى وكبار السنّ يحتجّ علانية. بل لقد تعلّموا أنّ الحاجة أمّ الانتظار.
ورحم الله أبا تمّام: بَصُرتَ بالراحة الكبرى فلمْ ترَها / تُنالُ إلاّ على جسرٍ من التعبِ.
على أنّ هؤلاء لم ينالوا لا راحة كبرى ولا صغرى.
*كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية