لندن ـ «القدس العربي»: كما كان متوقعاً، ضرب مانشستر سيتي موعدا مع ريال مدريد في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، بعد خروجه سالما من ملحمة «آليانز آرينا» بتعادل إيجابي بهدف لمثله في القمة الختامية لإياب الدور ربع النهائي، وسبقه بـ24 ساعة، مارس مازنغر الأبطال هوايته المفضلة، مستعرضا قواه البيضاء الجبارة في «ستامفورد بريدج»، بانتصار تقليدي في أرض الإنكليز بثنائية البرازيلي رودريغو، وأيضا بنفس القسوة والغلظة في اغتيال المنافس وتحطيم معنوياته في ذروة الهجوم على حامي العرين تيبو كورتوا. بينما في الجهة الأخرى، سيلتقي ميلان بالجار العدو الإنتر، بذكريات الحروب الأوروبية القديمة بينهما في بداية الألفية.
قانون مدريد
«ريال مدريد عاقبنا لأن كرة القدم تدور حول استغلال الفرص، ونحن لا نتمتع بالعامل الحاسم في الوقت الراهن. دفعنا اللاعبين إلى الأمام وتمكن ريال مدريد من إلحاق الضرر بنا مرتين»، بهذه الكلمات البسيطة، أعطى لاعب تشلسي كونر غالاغر، شرحا مبسطا لأسباب سقوط فريقه أمام ريال مدريد بنفس نتيجة ذهاب «سانتياغو بيرنابيو»، رغم التحسن الملحوظ في الأداء الجماعي، مقارنة بأول ثلاث هزائم تحت إمرة مدربه المؤقت فرانك لامبارد، بما فيها مباراة الريال الأولى، ولو أن أصغر مشجع للبلوز قبل شيوخ النقد والتحليل، كان ينتظر ويتوقع ظهور الفريق بنسخة أكثر إقناعا مما كان عليها في العاصمة الإسبانية، كأقل رد فعل بعد الهزيمة، بجانب التسلح بحناجر أكثر من 40 ألف مشجع، يُقال عنهم «يحركون الصخر»، وتجلى ذلك في الأفضلية الزرقاء في الشوط الأول، والتي لم يُحسن الفريق اللندني استغلالها كما ينبغي، وفي أوقات فارقة في أحداث المباراة، تماما كما تفنن جواو فيليكس، في إهدار الانفراد الصريح مع الحارس البلجيكي، وفرصة ماسون ماونت الضائعة في آخر لحظات الوقت المحتسب بدلا من الضائع في الذهاب. الفارق هذه المرة، أن رجل الشوط الأول نغولو كانتي، هو من تكفل بإضاعة فرصة العودة إلى المباراة والحياة، بتسديدة يفوح منها المعنى الحرفي لكلمة «الرعونة»، على الرغم أنه سدد الكرة بأريحية وبدون ضغط وهو على بعد خطوات من منطقة الست ياردات، فيما أناب ماركو كوكوريا عن ماونت، في اللقطة المفصلية في المباراة، والتي كان بطلها كالعادة كورتوا، بتصد من كوكب آخر، مسترجعا لحظاته الخارقة أمام تشلسي والخصوم الإنكليز في حملة الرابعة عشرة، وهذا ما جعلنا نشعر في بعض اللحظات، وكأننا نشاهد مباراة العام الماضي وليست مباراة على الهواء مباشرة، إلى أن وضح الفارق، بتبادل الأدوار بين كريم بنزيمة، صاحب الهاتريك الشهير بينهما في رمضان الماضي على نفس الملعب، وبين الساحر البرازيلي رودريغو غوش، الذي على ما يبدو، بدأ يجني ثمار بركة وسحر أسطورة بلاده رونالدو دي ليما، منذ لقطة التبارك بساق الظاهرة في كأس العالم قطر 2022.
الهدوء والاندفاع
الشيء الثابت، أن سوبر فرانك خاض معركة الميرينغي، وهو في وضع لا يُحسد عليه، دعك من مسألة التأخر بهدفين نظيفين في المباراة الأولى، بل فتش عن صداع عدم الاستقرار وتوابع التخبط الإداري والطاقة السلبية المسيطرة على غرفة خلع الملابس وباقي التفاصيل التي نعرفها جميعا، ومع ذلك، يُحسب للمدرب نجاحه في لملمة اللاعبين، كما شاهدنا في تحررهم داخل الملعب، استجابتهم المقبولة لإستراتيجيته، التي ترتكز على فكرة اللعب بثلاثة مدافعين، وأمامهم خمسة بأدوار متبادلة مع ثنائي الهجوم الوهمي، وكان له ما أراد من الناحية المعنوية، على الأقل بكسب احترام الجماهير، برؤية ولمس الروح القتالية التي كان عليها البلوز، خاصة في أول نصف ساعة، رافعا شعار «اللعب الكل في الكل»، بتضحية بدنية هائلة، ظهرت في فورة اللاعبين وحماستهم في الدقائق الأولى، على أمل أن تسير الخطة كما رسمها المدرب، بأخذ الأسبقية بأي ثمن قبل الذهاب إلى غرفة خلع الملابس بين الشوطين، لتبقى الأمور معلقة وقابلة لكل الاحتمالات حتى إطلاق صافرة النهاية، وشاهدنا كيف بالغ تشلسي في عملية الضغط المتقدم على الريال، لدرجة تحرير الظهيرين الطائرين ريس جيمس وكوكوريا، بتعليمات واضحة وضوح الشمس في ظهيرة الصيف، بالتقدم على طول الخط إلى الأمام لمعاونة ثلاثي الوسط إنزو فرنانديز وماتيو كوفاسيتش ونغولو كانتي في عملية الضغط المتقدم، لحرمان منظومة كارلو أنشيلوتي، من مصدر قوتها بالتدرج السليم بالكرة من أحد الظهيرين أو محوري الدفاع إلى توني كروس أو لوكا مودريتش، لكن بمجرد أن خارت قواهم، انكشفت الفوارق الفردية وما يميز الكبير المدريدي عن باقي منافسيه في الكأس ذات الأذنين، وهو ذاك الإبداع والابتكار الذي يُحاكى الذكاء الاصطناعي في وسط الملعب، مدعوما بالنكهة البرازيلية، التي يحلم بها أي مدرب في العالم، متمثلة في بيبيتو وروماريو العصر الحديث، فينيسيوس جونيور ورودريغو غوش، اللذين يجمعان بين مدرسة العشوائية والاستعراض الفردي، أو بعبارة أخرى، كرة الشوارع والحواري، وبين الانضباط والالتزام التكتيكي داخل الملعب، بتطويع الموهبة لخدمة الفريق والمنظومة الجماعية، بالمثل الذي ضربه رودريغو في لقطة هدفه الأول، الذي وضع حجر أساسه بمجهود فردي لا يُصدق، بضربة مزدوجة من على خط وسط الملعب، انتهت بمراوغة على طريقة رقصة السامبا، وانطلاقة عنترية نحو مربع العمليات، أكملها بتمريرة حريرية للقائد كريم بنزيمة، بيد أن الجزائري الأصل، لم يكن في أفضل حالاته، ربما أصابته عين الحسود، بعد توهجه في شهر رمضان للعام الثاني على التوالي، وربما لتأثره بالإصابة الطفيفة التي أجبرته على مغادرة الملعب، لكن في الأخير، جنى رودريغو ثمار تعبه، بهدية لا تقدر بثمن من فينيسيوس، لم يجد صعوبة في إيداعها في شباك الحارس الإسباني كيبا أريزابالاغا.
إستراتيجية جديدة
بوجه عام، اتفق أغلب النقاد والمتابعين، على أنه لم يكن بالإمكان أفضل مما كان بالنسبة لفرانك لامبارد وفريقه. ورغم الهزيمة التي كانت متوقعة مسبقا، إلا أنها لم تخف أو تقلل من الشجاعة التي أظهرها البلوز أمام «بابا البطولة»، حتى أنها قد تصنف كواحدة من أفضل مباريات الفريق هذا الموسم، وربما الأفضل على الإطلاق منذ بداية العام الجديد، الى جانب الانتصار المقنع على بوروسيا دورتموند في إياب الدور السابق. وكما أشرنا أعلاه، لولا لحظات كورتوا الخارقة والتسرع في إنهاء الهجمات، لأخذت المباراة منحنى آخر، إلى جانب تسلل اليأس والإحباط داخل اللاعبين، بعد انتهاء مفعول المخدر المدريدي، الذي يحفظه عالم كرة القدم، بترك زمام الأمور للمنافس، ثم بتثبيت الحقنة المخدرة في جسد لاعبي ومشجعي الخصم، بتلك الإيحاءات الوهمية، بأنه في طريقه لاستقبال هدف واثنين، ثم فجأة وبدون سابق إنذار، يُصيبهم بكل أنواع السكتات والذبحات الكروية، بأسلوبه الخطير على أصحاب القلوب الضعيفة، في معاقبة كبار أوروبا بوجه عام وعمالقة البريميرليغ على وجه الخصوص، بالإجهاز عليهم في أوج لحظات قوتهم وشعورهم بالاقتراب من هز شباك أفضل حارس مرمى في العالم. الأمر يكون أشبه بالضربة القاضية التي تطرح المنافس أرضا، وتجعله يعجز على الوقوف مرة أخرى، مثلما شاهدنا حسرة فوفانا ولامبارد وكيبا وكل من التقطت العدسات رد فعلهم بعد استقبال هدفي رودريغو، وقبلهم يورغن كلوب ومحمد صلاح والبقية في ليفربول، في لحظات التجرع من مرارة نفس الكأس في مباراتي ثمن النهائي، في ما يمكن اعتبارها بمثابة الإستراتيجية الجديدة التي يتبعها الميستر كارليتو في هذه الحملة، والتي ترتكز على فكرة حسم بطاقة التأهل في أوقات مبكرة، بدلا من سيناريوهات الموسم الماضي، التي كانت قائمة على «الريمونتادا» والتشويق حتى آخر لحظات الأشواط الإضافية. وفي كل الأحوال، يظل القاسم المشترك، هو سلاح الخبرة والحضور الطاغي للقميص الأبيض في مثل هذه المواعيد، حيث يكون من الصعب على أي فريق، الوقوف أمام الأدرينالين المدريدي، وفي رواية أخرى، شخصية وهيبة البطل، التي اكتسبها اللوس بلانكوس من تاريخه الأسطوري في بطولته المفضلة، وشاهدناه مساء الثلاثاء، في هدوء وبرودة فالفيردي ومودريتش وكروس وفيني وكريم وغوش، في أوقات استعراض القوة المفرطة، بما يمكن وصفه هيمنة مطلقة على الكرة، والتعامل مع المباراة، وكأنها سهرة ودية أو مباراة في دورة رمضانية. والعكس 180 درجة، بالنسبة لرباعي الدفاع كامافينغا وداني كاربخال وإيدير ميليتاو وديفيد آلابا، كمقاتلين قادمين من العصور الوسطى، هدفهم الوحيد منع الكرة من الاقتراب من منطقة الجزاء، وحتى بعد استبدال الدولي النمساوي آلابا بالألماني أنطونيو روديغر بين الشوطين، ظل الدفاع متماسكا وصامدا بنفس الصورة التي كان عليها في الشوط الأول، رغم إقحام جواو فيليكس ورحيم ستيرلنغ ومودريك في الشوط الثاني، وهذا لا يعكس سوى التقارب الكبير في مستوى وجودة المدافعين، والسؤال الذي يفرض نفسه: هل سيستمر ريال مدريد في تكرار مشاهد تفوقه على ممثلي البريميرليغ؟
نضوج سماوي
مثل قمة الريال وتشلسي، لم تسفر موقعة «آليانز آرينا» عن ريمونتادا رمضانية، وهذا كان متوقعا، ليس فقط لتفوق مانشستر سيتي على بايرن ميونيخ بثلاثية مذلة في ذهاب ملعب «الاتحاد»، بل لتفاوت منحنى كلا الفريقين، بصعود صاروخي كالعادة لفريق بيب غوارديولا في هذا التوقيت من الموسم، والنقيض بالنسبة للعملاق البافاري، الذي يعيش أتعس أوقاته منذ زمن بعيد، ضمن توابع عدم الاستقرار الفني ومشاكل اللاعبين داخل غرفة خلع الملابس، لكن المفاجأة الحقيقية، كانت في الشخصية التي بدا عليها السكاي بلوز، كفريق بنفس عقلية ومستوى أصحاب الباع والتاريخ في الكأس ذات الأذنين، وليس ذاك الفريق الهش والضعيف قاريا، الذي يخذل جماهيره بالخروج أمام منافسين صف ثاني في أوروبا، أمثال موناكو وليون، وهذا يمكن اعتباره، أشبه بثمار تعب وعمل غوارديولا الطويل الأجل في الجزء السماوي لعاصمة الشمال، إلى جانب انفتاحه على التغيير، بالتنازل الملموس عن أفكاره المقدسة، التي كانت ترتكز حتى وقت قريب، على مبدأ الهيمنة والاستحواذ والتطرف الهجومي، الذي كان يدفع ثمنه بالشوارع الفارغة في خطوطه الخلفية، بينما الآن، وتحديدا في سهرة الأربعاء أمام كبير الكرة الألمانية، شاهدنا فريقا واقعيا، لا يكترث لامتلاك الكرة أو تدويرها بالصورة المحفورة في الأذهان عن فرق غوارديولا، بل يطبق مقولة كوكب الشرق «واثق الخطى يمشي ملكا»، معتمدا على ثلاثة مدافعين بخصائص ووظائف قلب الدفاع، وأمامهم جوني ستونز، في دور لاعب الوسط المساند لرودري على الدائرة، ومدافع رابع في أوج لحظات الضغط البافاري، تقريبا نفس الفكرة التي طبقها في مباراة الذهاب، لكن الفارق هذه المرة، أنه أضاف بعض التعديلات، لغلق كل الطرق أمام ليروي ساني وجمال موسيالا وكينغسلي كومان وبقية أسلحة البايرن، بإعطاء تعليمات للألماني إلكاي غندوغان، بالبقاء على مسافة قريبة من ستونز وبالمثل كيفن دي بروين في الوسط السماوي، حتى هالاند كنا نشاهده على خط الدائرة، لاستغلال سرعته في الهجمات المرتدة، وحالة الارتباك التي كان عليها مراقبه أوباميكانو، الذي خاض واحدة من أسوأ مبارياته في مسيرته الاحترافية، بكم أخطاء وهفوات من النوع الساذج يصعب هضمها في مباراة 90 دقيقة، منها التسبب في ركلة جزاء، والسقوط من الخوف والذعر أمام السفاح النرويجي في لقطة الهدف، كأنه كان يقوم بدور اللاعب رقم 12 في الفريق الإنكليزي.
وبدرجة أقل، يتحمل ساني ورفاقه المهاجمين جزءا من مسؤولية الخروج، بعد فشله في استغلال أكثر من فرصة كانت كفيلة بإحياء آمال الفريق في الصعود قبل استقبال هدف هالاند، منها انفراد صريح وجها لوجه مع الحارس إيدرسون في بداية المباراة، ربما كان أسهل من الانفراد الآخر الذي أهدره في بداية الشوط الثاني في مباراة الذهاب، وهذه ما تعرف بالتفاصيل البسيطة، التي تصنع الفارق في إقصائيات الأبطال، وفي رواية أخرى، مفاتيح أو شفرة التعامل مع الأميرة الأوروبية، التي تسلح بها ميلان في معركته الشعواء مع نابولي في ثلاثاء ملعب «دييغو أرماندو مارادونا»، تلك المباراة التي انتهت بنفس نتيجة صدام «آليانز آرينا»، بهدف في كل شبكة، وكانت شاهدة على قيمة وأهمية عودة الحارس مايك مانيان، الذي تقمص دور كورتوا مع الريال، بفاصل من التصديات المذهلة، بما في ذلك ركلة جزاء من كفاراتسخيليا، قبل أن يتمكن أوسيمين من إدراك هدف التعديل في الدقيقة 90، كأن الحارس الفرنسي عاد من إصابته في الوقت المثالي، ليقود الفريق للوصول لنصف النهائي للمرة الأولى منذ زمن باولو مالديني ونيستا وريكاردو كاكا وكارلو أنشيلوتي في العام 2007، لتضمن إيطاليا مقعدا في المباراة النهائية لدوري الأبطال، منذ هزيمة يوفنتوس أمام الريال في نهائي نسخة 2017، بعد هروب أفاعي الإنتر من كمين بنفيكا، بانتهاء مباراة إياب «جوسيبي مياتزا»، بالتعادل الإيجابي بثلاثة أهداف في كل شبكة، ليجدد النيراتزوري اللقاء مع شريك الملعب، للمرة الثالثة في هذه البطولة، بعد تفوق الروزونيري في المرتين السابقتين، الأولى وهي الأشهر في نصف نهائي 2003، والتي انتهت بالصورة الأرشيفية لكوستا كورتا وماتيرادزي، وهما يناظران النيران تلتهم في مدرجات الملعب، والثانية في ربع نهائي 2005، وحسمها زعيم البلاد على المستوى القاري، بفوز اقتصادي بثنائية نظيفة في الذهاب وبثلاثية بلا هوادة في العودة، فمن يا ترى سينتزع بطاقة مقارعة الفائز من ريال مدريد ومانشستر سيتي في نهائي ملعب «أتاتورك»؟ هذا ما سنعرفه في منتصف الشهر المقبل.