في مسلسل «النار بالنار» إنتاج مشترك سوري لبناني 2023 تأليف رامي كوسا وإخراج محمد عبد العزيز، تتحرك موضوعته في منطقة ملغمة تتعلق بما انتهت إليه طبيعة العلاقة المعقدة بين الشعب السوري واللبناني بعد أن فرضت عليها السياسة سطوتها خلال الخمسين عاما الماضية، فتركت عليها آثارا وجروحا عميقة ليس من السهل تجاوزها ونسيانها، بدأت منذ منتصف سبعينات القرن الماضي عند بداية الحرب الأهلية في لبنان وما شهدته من تورط أطراف عربية في مستنقعها، وكان للدور السوري نصيب كبير بما شهدته من تطورات مؤلمة لم تنته أوجاعها حتى هذه اللحظة، تأتي في مقدمتها قضية عشرات اللبنانيين الذين تم اختطافهم عند الحواجز العسكرية أثناء وبعد الحرب اللبنانية، وربما أشدّها كانت خلال فترة سيطرة قوات الردع العربية /السورية على لبنان. جدير بالإشارة أن هذه القوات أنشئت عام 1976 بناء على قرارات اتخذت في مؤتمر قمة الرياض باعتبارها قوات حفظ سلام عربية لكنها تحولت مع تدهور الأوضاع إلى قوات سورية، مما يعني أنها دخلت بشكل أو بآخر طرفا في الصراع الدائر. إلاّ أن الزمن السردي لأحداث المسلسل تجري في الزمن الراهن، خلال الأشهر التي أعقبت انفجار مرفأ بيروت في الرابع من شهر آب (فبراير) 2020 لتكون بالتالي على تماس مما يجري اليوم في لبنان وما يعصف به من أزمات خانقة اقتصادية وسياسية ومجتمعية.
إذا ما نظرنا إلى مسار تطور الإنتاج الدرامي التلفزيوني السوري منذ مطلع سبعينات القرن الماضي وصولا إلى ما وصل إليه اليوم، لابد لنا من أن نلاحظ أن الخط البياني يميل إلى النمو والنضج في كافة تفاصيل الإنتاج، ويكاد أن ينفلت في العديد من نتاجاته عن نمطية ما يتم تقديمه في البلدان العربية وفي مقدمتها مصر، رغم أن الإنتاج المصري يتباين في مستوياته بما يقدمه من مسلسلات خلال مسيرته الطويلة والرائدة في المنطقة العربية التي كانت قد بدأت مطلع ستينات القرن الماضي متزامنة مع بداية البث التلفزيون في مصر، والتباين يبدو موزعا بين أعمال كبيرة ومهمة وأخرى متواضعة، وهذه الحالة تبدو طبيعية ولا تنتقص منه إزاء الكم الكبير الذي تضخه ماكنة الإنتاج سنويا، والتي تتفوق فيها على بقية البلدان العربية، وبكل الأحوال يبقى الإنتاج المصري يبعث دائما على التفاؤل طالما هو قادر على أن يقدم لنا دائما طاقات جديدة في كافة الاختصاصات الفنية من كتاب إلى مخرجين وتقنيين.
ما يجد الإشارة إليه في مسلسل «النار بالنار» أن معظم أحداثه تمحورت في حي شعبي صغير يقع ضمن شارع فرعي ضيق، توزعت على جانبيه دكاكين صغيرة يكافح أصحابها من أجل البقاء على قيد الحياة، وفوق الدكاكين تقبع شقق صغيرة وكأنها علب سردين تكاد أن تضيق على من يسكنها، وفي زواياها تعيش شخصيات المسلسل، منها ما ترزح تحت ثقل أحلام ثورية مكسورة مثل شخصية الصحافي الشيوعي جميل (طارق تميم) الذي يصاحبه الفشل في حياته الزوجية وفي مهنته فيعجز حتى عن تأمين لقمة عيشه، وهذا ما يدفعه دائما إلى أن يجرب حظه في لعبة اللوتو والاستدانة من أصدقائه ومن عمران المرابي، والقابلة العجوز دكتورة تفيدة (هدى شعراوي) التي حولت شقتها إلى مكان يلتقي فيه لاعبو القمار، ومريم (كاريس بشار) اللاجئة السورية التي فقدت أي أثر لزوجها بعد أن تم اعتقاله من قبل النظام خلال انفجار التظاهرات في سوريا عام 2011 فلجأت بشكل غير رسمي إلى لبنان على أمل أن تهاجر إلى ألمانيا عن طريق الأمم المتحدة، وعزيز (جورج خباز) معلم الموسيقى الذي لا يشغله أي شيء في الحياة سوى العثور على والده الموسيقي الذي تم خطفه عند أحد الحواجز السورية خلال الحرب اللبنانية قبل ثلاثين عاما، حتى أنه يتخلى عن حياته العاطفية ولم يعد يعير أهمية لسارة (زينة مكي) التي تكن له حبا جارفا وتحاول بكل طريقة أن يبادلها هذا الحب، وزكريا (طوني عيسى) المتطرف اللبناني الذي ينتمي لخلية سرية إسلاموية والمكلف من قبلها بصنع عبوات وألغام ناسفة، والحلاق العجوز الذي خصص جانبا من صالونه ليمارس مسؤولية مختار الحي لأنه توارث هذه المسؤولية عن ابائه وأجداده.
ملامح الإنتاج الدرامي السوري
تبدو الدراما السورية كما لو أنها تدور في فلك لوحدها، بما فيها من إشارات ذكية في الحلقات الرئيسة للإنتاج، ما يدفع المراقب إلى أن يتابعها وفي داخله اطمئنان على أنها تملك صياغتها الخاصة بها، ونكهة جميلة لها حضورها اللافت، ابتداء من الموضوعات التي تطرحها، والرؤى الفنية التي تقدم من خلالها، وبشكل عام في هذا الخصوص يمكن القول إنها تتسم بالجرأة على مستوى الشكل والمضامين، قد لا تكون من حيث الكم قادرة على أن تتفوق على الإنتاج المصري، وهذا يعود إلى أسباب مرتبطة بطبيعة الأوضاع السياسية المضطربة التي مرت عليها خلال العشر سنوات الماضية، لكنها تمكنت من أن تدخل معه في منافسة شديدة من حيث المستوى الفني ومساحة الاستقبال الكبيرة التي تحظى بها لدى المتلقي، ليس في شهر رمضان فقط حيث يشتد السباق والتنافس بين الأعمال الدرامية، بل طيلة أشهر السنة، فحقيبة الإنتاج السوري غالبا ما تفاجئنا سنويا بعدد من الأعمال الدرامية التي تتمرد على القوالب الجاهزة في الشكل والمحتوى، وتترك لدى المتلقي إحساسا بقوة الفن وقدرته على أن يخاطب الوجدان بلغة قريبة منه ومن الواقع الذي يعيشه وهي بذلك تؤكد على ضرورة الفن للحياة طالما ينهض على فكرة مواجهة ما يبدو معقدا وعلى درجة من الحساسية كما هو الحال في مسلسل «النار بالنار».
في حبكة هذا العمل جاءت إحالة رمزية الحكاية الدرامية على الواقع في لبنان بشقيها الذاتي والاجتماعي، على قدر كبير من الموفقية، بالشكل الذي منح المتلقي فرصة أن يتابع قلقَ الشخصيات وهي تبحث عن منفذ للخلاص من أزماتها الشخصية، ما عزز من واقعية العلاقات المحبوكة بينها في إطار واضح وعميق، لم يخرج عما يدور في الواقع اللبناني من إشكالات يعاني منها، في ظل ما يشهده هذا البلد من انهيار عام من أعلى قمة الهرم إلى قاع المجتمع.
جاءت حكاية العمل لتقدم لنا عيِّنات مما يعيشه المجتمع اللبناني من دوامة خانقة، عبر حبكة درامية تحاكي الواقع بما ينعكس عليه من قهر وفساد وصراعات، وهذا ما يضع المسلسل من حيث موضوعته، في مواجهة الواقع، انسجاما مع وظيفة الدراما الأساسية. أما من حيث الحبكة فإن السيناريو قد فرش مساحة واسعة من التفاصيل، ووزع عليها مجموعة كبيرة من الشخصيات تشتبك مع بعضها بعلاقات متقاطعة، وهذه السعة رغم صعوبة الإمساك بخيوطها والحفاظ على نمو إيقاع صراعاتها، إلاَّ أنها جاءت في صياغة محبوكة بتناغم وسلاسة كما أنها خلت من الترهل في بنائها، ما يستدعي الإشادة بالمخرج السوري محمد عبد العزيز، لأنه تمكن من خلق ميزان جمالي وهو ينسج دائرة من العلاقات الدرامية بين جميع الشخصيات، سواء الرئيسية أو المساندة والثانوية أيضا، وهذا يشير إلى أن هناك جهدا كبيرا في جلسات القراءة والتحضير لتحليل الشخصيات والاشتغال على بنائها قبل فترة طويلة من بدء التصوير، انعكس على ما قدمه جميع الممثلين من أداء احترافي اتسم بالعمق والبساطة، بدءا من كاريس بشار وعابد فهد وجورج خباز وجمال العلي وطارق تميم وهدى شعراوي وساشا دحدوح وبقية الممثلين.
اختار المؤلف كوسا أن تدور تفاصيل حكايته في حي شعبي لبناني فقير يقيم فيه سوريون لجأوا إليه بعد أن تدهوت الأحوال في بلدهم إلى جانب سكانه اللبنانيين، بينهم من ولد في لبنان فاكتسب الجنسية اللبنانية إلى جانب الجنسية السورية، مثلما هي شخصية المرابي عمران (عابد فهد) الذي يكاد أن يُسيطر على الحي بأكمله، نتيجة علاقات التخادم التي تجمعه مع أمراء حرب سابقين وشخصيات متنفذة في المؤسسات الأمنية، يساعده على ذلك ظرف اقتصادي بائس يحيط بسكان الحي، وهذا ما أتاح له فرصة أن يمارس دور المرابي مقتربا بذلك من شخصية شايلوك المرابي في مسرحية «تاجر البندقية» لوليم شكسبير، حتى أنه لم يتردد في أن يمارس القتل والتزوير وتهريب البشر والنفط لأجل أن يعوض ما عاناه من شقاء في طفولته وشبابه. وبناء على هذه البنية الدرامية فقد أوجد السيناريو بيئة مكانية واقعية، كشف من خلالها طبيعة ما يواجهه السوريون من تفرقة واضطهاد عنصري، نتيجة لِما خلفته الحرب اللبنانية من تركة ثقيلة ما زالت تلقي بظلالها القاتمة على العلاقة بين السوريين واللبنانيين من سكان الحي، رغم أن الاثنين كانا ضحية من أشعلها وأدام نيرانها.
نحن أمام عمل درامي كبير، نجح في تعرية ما وصلت إليه محنة الإنسان في مجتمع نخره فساد السلطة وغاب عنه الأمن والأمان وارتفعت فيه وتيرة العنف والكراهية والعنصرية، فبدا المجتمع بشرائحه المتوسطة والفقيرة حائرا وعاجزا عن الوصول إلى سفينة خلاص تأخذه إلى بر الأمان.