تُمتِعنا لطفية الدليمي دائما باختياراتها للكتب التي تترجمها للقارئ العربي، وفي ترجمتها الأخيرة «الرواية المعاصرة، مقدِّمة قصيرة جدّا» لروبرت إيغلستون الصادر عن دار المدى، تأخذنا برفق إلى عالم الرواية لنفهمها جيدا ونفهم تقنياتها، خاصة أننا اليوم نشهد «تسونامي» من الإصدارات التي تنسب للرواية فيما أغلبها لا علاقة له بالرواية لا من قريب ولا من بعيد.
في مقدمة الكتاب التي خصَّصت لها الدليمي الاثنين وثلاثين صفحة الأولى من الكتاب، ذكّرتنا أولا أن الرواية ابتكار ثقافي جاء بعد عصر التنوير الأوروبي، وأنَّها صناعة غربية خالصة، باعتبار أن «رواية سيليستا لفرناندو روخاس في إسبانيا سنة 1499 تؤرّخ لولادة فن الرواية» الذي تطوّر بشكل بطيء جدا إلى أن تغيّرت متطلّبات الكتابة في القرن الثامن عشر. طبعا هذا الكلام ينسف تماما فكرة أننا كنّا سبّاقين في كتابة الرواية كما يدّعي بعض من يعتقد أن العرب في القرون الغابرة أسسوا لكل الفنون والاختراعات التي نرى نتائجها اليوم مجسّدة على أرض الواقع.
إنّ ابتكار القصص مندرج ضمن المحكيات الشفاهية عندنا، ولهذا فإن مروياتنا كثيرة وغنية، منها الشعبي والخرافي والأسطوري، كما تشهد ألف ليلة وليلة مثلا، وقصص كليلة ودمنة لابن المقفّع، والكثير مما حمله إلينا التراث عن أبطال الحروب، والعشق، والكرم، والخداع، والتطفل والبخل وغيرها، إلاّ أن «انبثاق عصر الرواية شكّل طفرة ارتقائية في أنماط السرد قاربت القطيعة المعرفية (من وجهة نظر الأنثروبولوجيا الثقافية)». بالطبع لا تنفي الدليمي – التي لها باع طويل في تقديم مراجع تخص الرواية – أن الرواية هي الوريث الشرعي للأسطورة، لكنّها تؤكِّد أنها ليست حكاية مسترسلة، بل خبرة مضغوطة، وأن «الرواية الرّصينة تهتم بالأفكار لا بالألاعيب اللغوية». علينا أن نضع خطين لأهمية هذه الجملة الأخيرة، كون الروائي العربي في الغالب ينزلق في استعراض عضلاته اللغوية مهملا بناء المادّة المحكية، دون القدرة على التعبير عن متغيرات العصر وتطوره وارتقائه لمراحل من التجديد دون إحداث قطيعة نهائية مع موروث الماضي الثقافي.
إيغلستون يرى أن الرواية تساهم بشكل جوهري في تشكيل عالمنا، ولكي نفهم ما يعنيه علينا أن نتأمّل التغيُّرات المرعبة حولنا ودور الرواية في الثبات أمامها، فهي جابهت السينما، ثم التلفزيون، ثم الألعاب الإلكترونية، ثم الهواتف الذكية، وزحفها في هذه الحرب الهادئة مستمر بوتيرة تزداد قوة.
نعم تأتي اللغة العربية في طليعة اهتمامات الروائي الجيد، لكن ليس كصنعة شعرية تنسي القارئ نوع الكتاب الذي بين يديه، فقد صادف أن قرأنا قصصا شعرية كثيرة، هي أقرب للقصائد الملحمية، وليس للفن الروائي، ومع هذا اختلط الأمر حتّى على كتّابها وناشريها وقرائها فأدرجوها تحت صنف الرواية. كما قرأنا نصوصا تشبه أدغالا لغوية يبلغ فيها كتّابها نسبة من السادية تجعلهم يجلدون قرّاءهم جلدا، فلا يفهمون جملة إلاّ وتوقفوا أمام الجملة التالية لفكّ طلاسمها. هذا الغلوّ الذي يحرم القارئ من متعة القراءة قد يكون عيبا خطيرا في بعض النصوص، لأن الرواية وفق روبرت إيغلستون: «شيء شبيه بنافذة تطلُّ منها على الناس الماكثين في الطرف الآخر» واصفا هؤلاء النّاس بالحقيقيين. وهذا شرح يبسّط مفهوم الرواية ويؤكّد أنها عمل بسيط لا يحتاج لكثير من التعقيد الذي يحوّلها إلى أحجية لغوية لا غير.
يعيدنا الكِتاب إلى بواكير الحداثة في بداية القرن العشرين، ثم إلى حقبة ما بعد الحداثة وتوجهات الكتابة المعاصرة التي جمعت بين الملاعبات والحيل وتوظيف تقنيات حداثية استخدمها كتاب مثل فرجينيا وولف وجيمس جويس، على سبيل المثال لا الحصر، ثم حقبة ما بعد ـ بعد الحداثة التي أصبحت مزيجا من الفنون. كأن تبدأ الرواية بسرد قصة ثم يتضح أن تلك القصة ليست سوى مقدمة لقصة أخرى، حيث الشخوص يدخلون ويخرجون من متن القصّة وكأنّهم كائنات حيّة ولديهم سلطة على الكاتب لا العكس.
إيغلستون يرى أن الرواية تساهم بشكل جوهري في تشكيل عالمنا، ولكي نفهم ما يعنيه علينا أن نتأمّل التغيُّرات المرعبة حولنا ودور الرواية في الثبات أمامها، فهي جابهت السينما، ثم التلفزيون، ثم الألعاب الإلكترونية، ثم الهواتف الذكية، وزحفها في هذه الحرب الهادئة مستمر بوتيرة تزداد قوة. إنّ الطريقة التي يعمل بها الأدب كأداة للتفكير ملتصقة تماما بسماتنا الإنسانية، وهذه من أقوى النظريات التي طرحها الكاتب، ليجعلنا نفهم القيمة الحقيقية للرواية التي من بين الفنون كلها تستعمل اللغة فقط لا غير، ولا تستعمل مؤثِّرات أخرى لتحقيق غاية تجارية على سبيل المثال، رغم أنّ نتائجها قد تكون غير محمودة. وغير عامل اللغة الأساسي فالرواية هي المعبر الزمني الأصدق نحو الماضي، لمعرفته، ولمعرفة أنفسنا. تقاطع الأزمنة هذا، لا تبنيه حتى السينما إلاّ على نصوص روائية حقيقية، أو مراجع تاريخية تحتاج لمحقق.
لا يمكننا حتى أن نفهم أنفسنا جيدا إن لم نقرأ المحتوى الإنساني الذي تقدمه النصوص السردية بزخم مستمر. الإنسان واحد في الحيوات كلها، الماضية منها والحاضرة والمقبلة مستقبلا، وتجاربه رغم اختلافها إلاّ أنها تلتقي في مواضع يصعب تحديدها. وحده القارئ يكتشف ذلك، فتتسع رؤية عالمه بسبب تلك القراءة. وهنا تكمن قدرة الرواية على اختراق مجال البصر والبصيرة والفضاءات الخبيئة في النفس البشرية. أمّا عن هذا الاتساع فهو الذي غيّر بعض المفاهيم حتى أصبحت الرواية نوعا فنيا وليس أدبيا فقط، أو «مؤسسة غريبة» وفق رؤية جاك دريدا، والتي يعبّر عنها إيغلستون بـ«المؤسسة الهائلة» مشيرا إلى أن المؤسسات يمكن اعتبارها ممارسات ثقافية كون جزء منها مصنوع من مجموعة أفكار.
سبعة فصول ممتعة نلتهمها في جلستين أو ثلاث جلسات على الأكثر، تفرد أمامنا نماذج روائية كثيرة، ومستويات تقنية مختلفة، مع عرضٍ جيد لمعنى القراءة وما بعد القراءة.
أمّا ماديا فهي «ميدان أعمال بعدّة مليارات من الدُّولارات ويضم أنواعا من البشر المتمايزين عن بعضهم في نسيج محكم الصِّناعة». ننبهر فعلا حين نفهم جيدا حلقة ميدان الأعمال هذا، كمؤسسة تجارية ضخمة ينخرط فيها العامل البسيط والمتعلّم والأكاديمي والمحاسب وسارد الحكايات! هذا النوع الفنّي يرتبط مباشرة بالذاكرة، إنّه ذاكرة ضخمة وعجيبة تخزّن التفاصيل على دقَّتِها وتفاهتها، فهي تنجح كلما كان السّارد حادّا في اقتناص الأحداث التي تغيّر مسار الإنسان التاريخي، وتحديد البدايات والنهايات لحقبة معينة. هي تقنية تأريخ وجدانية ومصيرية في الوقت نفسه، وإن كنّا لا نعرف مفهوما لكل هذا، فلأن الرواية مطابقة لأجزاء مفكّكة من الحياة نفسها، يصعب اختصارها في جمل مقتضبة لا تجمع معناها الفضفاض.
سبعة فصول ممتعة نلتهمها في جلستين أو ثلاث جلسات على الأكثر، تفرد أمامنا نماذج روائية كثيرة، ومستويات تقنية مختلفة، مع عرضٍ جيد لمعنى القراءة وما بعد القراءة. لنخلص في الختام إلى نوعية النّقد الذي يفرض نفسه اليوم دون التطرُّق لأدنى تفصيل في الرواية، كأن يكتب ناشر أو صحافي أو قارئ جملة واحدة على صفحته في تويتر يعبّر فيها عن حبه أو كراهيته لعمل بعينه، فتجرُّ تلك الجملة بمعناها المحمّل بمزاج كاتبها ومشاعره الخفية العشرات من قرائها، الذين قد يقبلون على قراءته أو رفضه. «هذا أيضا نقد» يقول إيغلستون، لكنه نقد أفرزته التقنيات المعاصرة، وليس الرواية كعمل سرديّ، وربّما شجعته ظاهرة غير مفهومة وليدة «كتابات نقدية تزيد الرواية المنقودة غموضا فوق غموض (بل ربما حتى إنكارها وتغييبها) عوضا عن إلقاء أضواء كاشفة عليها».
ختاما سنصل إلى المحطّة الأخيرة في هذا الكتاب النقدي الجميل الماتع، وهي أن الأدب مؤسسة تمتلك سلطة في الغرب، سلطة قول كل شيء، بسبب ارتباطها الوثيق بالفكرة الحديثة للديمقراطية. وهي تقريبا مقولة دريدا الشهيرة «الديمقراطية العتيدة المقبلة» والنابعة من حرية النقد ونقد النّقد أو ما تسميه العظيمة حنّا آرندت بالخضوع لمساءلة كاشفة معمّقة. الكتاب الممتد على مدى مئتين وثلاثين صفحة تقريبا سيجعلنا نقف أمام أنفسنا في المرآة عراة تماما، مدركين بأسف أن أغلب ما سُمِّيَ بروايات مما قرأناه ليس برواية، وأغلب النقد ليس نقدا، وأغلب الديمقراطيات عندنا ليست ديمقراطية!
شاعرة وإعلامية من البحرين