تحتاج الأمة أحياناً إلى كارهيها كي تكتشف بالمرآة حقائق ومفاهيم أساسية: المخرب الذي أصاب أمس، قبل لحظة من صافرة يوم الذكرى، خمسة مارة في القدس لم يعمل ضد “الديمقراطية” الإسرائيلية، بل ضد اليهود بصفتهم يهوداً. آلاف ضاربي السكاكين، الداهسين ومطلقي النار، في آلاف العمليات التي ألمت بنا هنا في العقود الأخيرة، عملوا في إطار حرب الإبادة التي أعلنتها علينا منظمات الإرهاب وعلى مدى سنوات طويلة الدول العربية أيضاً.
آلاف المضحين في معارك إسرائيل لم يضحوا بحياتهم من أجل الديمقراطية الإسرائيلية مع أن الديمقراطية قيمة مهمة (وقيمة يهودية أيضاً) بل لأجل الدفاع عن البيت الشخصي والبيت القومي، لنا ولهم؛ عن دولة اليهود، كي تواصل دولة إسرائيل الوجود.
من التافه الجدال مع عائلات قتلى قررت التغيب اليوم عن المقابر لأن ابنها أو ابنتها ضحى بحياتهما لـ “حماية الديمقراطية” المهددة، لكن احداً ما من مطارح الاحتجاج حرص على أن يصدح بهذا التعبير البائس، قبل يوم الذكرى، على أمل أن يتعاظم الاحتجاج أكثر فأكثر.
قد يكون المرء مع الإصلاح، وقد يكون ضده؛ ويمكن أن يؤمن بأن الديمقراطية في خطر، ومسموح أيضاً التفكير (مثلي) انها ليست عرضة لأي خطر، وأساساً حتى يتذكر بأن الديمقراطية وسيلة معدة لوجود مجتمع أفضل وأحسن. لكن أن يقال إن الشهداء ضحوا بحياتهم من أجل الديمقراطية؟
حرب الاستقلال والحروب التي جاءت بعدها نشبت لأن العرب أرادوا إبادة دولة إسرائيل، دولة الشعب اليهودي. آلاف عمليات الإرهاب خرجت إلى حيز التنفيذ على مدى السنين والآلاف قتلوا في هذه العمليات على أيدي قتلة قرروا المس باليهود بصفتهم يهوداً.
أروني كتاباً أو منتجاً لشهيد أو شهيدة أو ضحية إرهاب، كانت الديمقراطية الإسرائيلية قصته المركزية. أروني منتجاً واحداً إبداعياً لشاعر، مفكر، كاتب أو فنان ربط أمام العربة الأخيرة بين الثمن الذي تدفعه إسرائيل منذ سنين بالضحايا (جنوداً ومدنيين) وبين ديمقراطيين.
لا تنجروا إلى الخلاف. ليست هذه هي القصة، ومحظور الصمت أمام من يحاول جر شهداء الجيش ومغدوري الإرهاب إلى الخلاف الذي يمزقنا اليوم. فحماة حارة اليهود في 1948، ومحررو القدس في حرب الأيام الستة، والشهداء في خط الاستحكامات في القناة، في حرب يوم الغفران وكذا أولئك الذين دافعوا عن الشمال من الكاتيوشا – كلهم قاتلوا كي تتمكن الدولة اليهودية من العيش بأمن وسلام؛ كلهم قاتلوا وبعضهم ضحوا بحياتهم كي يمنعوا العرب والفلسطينيين من أن يفعلوا لنا جميعاً ما فعله للأبطال الذين هرعوا لنجدة “غوش عصيون” المحاصرة في 1948 وليمنعوا عن أعدائنا أن يفعلوا لنا جميعاً ما فعله الإرهاب للمواطنين الذين احتفلوا في ليل الفصح في فندق بارك في نتانيا قبل نحو 20 سنة.
لو كان لأعدائنا فرصة– وقد سمعنا منهم هذا مئات المرات على مدى السنين– لما بقي أحد منا هنا. لقد ضحى هؤلاء بحياتهم كي لا تكون لهم فرصة كهذه. وليس “من أجل الديمقراطية”.
نداف شرغاي
إسرائيل اليوم 25/4/2023