لا أحسب أن صفة أسمر وسمراء لها وجود أو مقابل دقيق في اللغات الأوروبية الحديثة، بل ولا حتى في اللغات الكلاسية مثل الإغريقية واللاتينية، وإلا لاستعارتها اللغات الأوروبية الحديثة التي تطورت عن تلك اللغات الكلاسية. ثمة صفة «بُنّي وبُنّية» وهما أقرب إلى صفة أسود وسوداء وفي الإسبانية توجد صفة «مورينو/ مورينا» مأخوذة من الاسم «مورو» من ما يطلق على أهل أفريقيا الشمالية على الخصوص. وفي بعض شعر الغزل الإسباني الحديث نقرأ: «لوس أوخوس دي لا مورينا مي إنكانتان» عيون السمراء تسحرني. وقد اشتق الفرنسيون كلمة «برونيت» أي الفتاة ذات اللون البني المختلف، أي المزيج بين الأسود والأبيض. ولكن لا توجد هذه الصفة للمذكر. لذا لا نجد لوصف البشر سوى الأبيض والأسود في اللغات الأوروبية الحديثة. بينما في اللغة العربية نجد الرجل الأسمر والفتاة السمراء وهما من صفات الجمال في شعر الغزل. وثمة الكثير من الأمثلة على ذلك في الشعر العربي التراثي، امتدادا إلى غزليات نزار قباني: «قالت لي السمراء».
وإذا كانت صفة السواد عندما تطلق على الإنسان تكون إهانة في اللغات الأوروبية فهي ليست كذلك في اللغة العربية، لأنها لم تطلق على الإنسان إلاّ في حالات أقل من القليل، كما في هجاء المتنبي لكافور الإخشيدي: من علّم الأسودَ المثقوبُ مِشفَرُهُ/ أقومُه البيضُ أم آباؤه ُالصِيدُ؟ وقد حرّك ذلك القليل بعض الكِرام الكاتبين، في عصرٍ لاحق، فاتّهموا المتنبي بالعنصرية وكراهية السود! ولكن «الذكاء الأمريكي» المعاصر قد إحتاط لتجنّب مثل تلك التُهمة، محتملة الوقوع، فابتدعوا لوصف الأمريكي الأسود إسم
«آفريكان أميريكان» فصار بعض «الظرفاء» يتحرّجون من طلب قهوة سوداء، أي بلا حليب، في المطعم، فصاروا يطلبون «آفريكان اميريكان كوفي»!!!
وصفة السواد في العربية قد تطلق للتحبّب، كما في القصيدة «اليتيمة» الشهيرة، التي يصف فيها الشاعر غادةً نجديةً لم يرَها قَط:
فالوجهُ مثلُ الصبح مُبيَضُّ/والشَعرُ مثلُ الليل مُسوَدُّ. ضِدّان لما استُجمِعا حَسُنا/ والضِدُّ يُظهر حُسنَه الضِدُّ.
والعراق يوصف في كتب التراث باسم «أرض السواد» لكثرة النخيل فيه. أما الفارس الشاعر عنترة ابن شداد وحبيبته عبلة فلم يكن سواد البشرة فيهما منقَصةً أو مذمَّة. وهذا هو النقيض في استعمال صفة السواد بين ثقافتين.
وقبول الإنسان أسود البَشَرة، بل أسمَرُها، في التراث العربي، لا مقابلَ له في «الحضارة الأوروبية». بل إننا نجد أمثلة من التعصّب الأعمى ضد أصحاب البشَرة السمراء في أوروبا وأمريكا، على امتداد العصور. لكن في أواسط القرن العشرين ظهرت في فرنسا حركات تدعو إلى إنصاف أصحاب البشَرة السوداء أو السمراء، أهمها حركة «الزنوجة» بزعامة الشاعر سانكَور الذي أسّس مجلة «الطالب الأسود» التي تسعى إلى إبراز القيَم الاقتصادية، والثقافية، والفكرية، والأخلاقية، والفنية، والاجتماعية، لشعوب أفريقيا، والأقلّيات السوداء في أمريكا وآسيا. وقد برز من الشعراء إلى جانب سانكَور الشاعر نوكان شارل من «ساحل العاج» الذي يقول:
«لم أعُد أُغنّي/ لم أعُد أغنّي، أنا أصرخ./ فحين يموت الأطفال جوعاً ،/لا يهمّني أن أعرف كم هو البدرُ جميل،/ ولا كم هو ساحرٌ عطرُ الزهور؛/ فأنا لم أعُد أُغنّي:/ إني أطلق صرخاتٍ ثائرة».
عندما يقرأ الإنسان الحسّاس هذه القصيدة لا يتوقف للتساؤل هل هذا الشاعر أبيض البشرة أم أسمرها، لأن استجابة الأحاسيس لا لون لها.
وعندنا في الشعر العربي المعاصر أمثلةٌ من الشعراء سُمر البشرة، مثل محمد الفيتوري، تاج السرّ حسن، محي الدين فارس، ولهم مجموعات طيبة من الشعر مثل:
«نار من رماد الأشياء» و«عرياناَ يرقص في الشمس» و«أغاني أفريقيا» و«عاشق من أفريقيا» و«أذكريني يا أفريقيا»… وفي هذه جميعاً أمثلة من الشعر الرائق. فهل نتنكّر لها لأن الشاعر غير أبيض البشرة؟
هذا مثال من شعر محمد الفيتوري (1936- 2015) يستذكر مشاعر حركة الزنوجة في فرنسا، ولكن باللغة العربية الأقرب إلينا صوراً ومشاعر:
«جَبهةُ العبِد… ونَعلُ السّيدِ/ وأنينُ الأسوَدِ المُضطَهدِ. تلك مأساة قرونٍ غَبرت/ لم أعُد أقبَلُها… لم أعُدِ».
ومثال آخر في الشوق:
«في حضرةِ من أهوى عَبَثَتْ بيَ الأشواق/ حدّقتُ بلا وَجهٍ ورقصتُ بلا ساق./ وزحَمتُ براياتي وطبولي الآفاق./ عشقي يُفني عشقي وفنائي استغراق. /مملوككَ لكنّي سلطان العشاق».
ومن شعر محي الدين فارس، المولود عام 1936 نقرأ هذه الصرخه من شاعر ملتزم بالإنسان دون التزامه بأي مذهب سياسي:
«أنا لستُ رعديداً يُكبِّلُ خَطوَه ثِقَلُ الحديد/ وهناك أسراب الضحايا الكادحون/ العائدون مع الظلام من المصانع والحقول/ ملأوا الطريق/ عيونُهم مجروحةُ الأغوار ذابلةُ البريق / يتهامسون/ وسياطُ جلاّدٍ تسوق خُطاهُم وما تصنعون/ يُجَلجلُ الصوتُ الرهيبُ كأنه القدَرُ اللعين/ تظل تفغر في الدجى المشؤوم أفواهُ السجون/ فيغمغمون/ نحن الشعوب الكادحون/ وهناك قافِلةٌ تُوَلوِلُ في متاهات الزمان/ وبلا دليل/ عمياءُ فاقدة المصير…/ وغداً نعود /حتماً نعود/ للقريةِ الغنّاء للكوخ الموشّح بالورود/ نسير فوق جماجم الأسيادِ مرفوعي البنود/… لا لن نحيد عن الكفاح/ ستعود أفريقيا لنا وتعود أنغامُ الصباح/».
وهذا مثال من الشاعر السوداني الدكتور تاج السرّ الحسن (1935- 2013) من قصيده بعنوان «آسيا وأفريقيا» يتضح فيها التوجّه إلى العالم الأوسع حول الشاعر دون الانحصار في حدود وطن الشاعر:
«عندما أعزفُ يا قلبي الأناشيد القديمة/ ويُطلُّ الفجرُ في قلبي على أجنُحِ غَيمَه/ سأغنّي آخر المقطع للأرض الحميمة/ للظلال الزُرق في غابات كينيا والملايو/ لرفاقي في البلاد الآسيَوية/ للملايو ولبانْدونجَ الفتيّة/ لليالي الفرح الخضراء في الصين الجديدة/ والتي أعزف في قلبي لها ألف قصيدة/ يا صحابي صانعي المجد لشعبي/ يا شموعاً ضوؤها الأخضرُ قلبي…/ سوف نَجتثُّ من الوادي الأعادي/ فلقد مُدَّت لنا الأيدي الصديقة/ وَجه ُغاندي وصدى الهند العميقة/ صوت طاغور المغني/ بجناحين من الشعر على رَوضَةِ فنِّ/يا دمشقُ… كلنا في الفجر والآمال شرقُ…».
ولا أجدُ بأساً من العودة إلى شعر محمد الفيتوري لما في شعره من بساطة وعذوبة «تدخل إلى القلب بدون استئذان» كما قيل عن شاعر عربي تراثي كبير. يقول الفيتوري في قصيدة بعنوان «كلمات مقاتلة» من مجموعة «عاشق من أفريقيا»:
«صناعتي الكلام/ سيفي قلمي/ وكلُّ ثروتي شعورٌ ونَغم/ وحينما غنّيتُ… غنَّيتُ لعينيك/ ومسّت شفتي في وَلَهٍ رموشَها/ حينئذٍ رأيت فيهما توهّج الألَم/ رأيت فيهما العذابَ والشموخ َوالشمَم/ صناعتي الكلام/ لا وسام لا وِشاح لا ذهب/ لا رايةٌ تُظِلّني… ولا لقب/ فلتغفري لي أنني أجيء في نهار عيدكِ الكبير/ أجيء والشمس على صدرك ماسَةً زرقاء تأتَلِق/ صدرك يا رائعةَ الجراح قُبّةَ الأفُق/ وعرشُك الرياحُ والجبالُ والسحب».
في تراث الشعر العربي، كما في الشعر العربي المعاصر، وباللهجة العامية على الخصوص، ما يزال الموقف الجمالي من الأسمر والسمراء قائما، وبشكل واضح جدا في الزجل اللبناني، وأغاني فيروز. وما زلتُ أذكُر أني في خريف 1952 سمعتُ للمرة الأولى أغنية فيروز الأولى من «محطة الشرق الأدنى للإذاعة العربية»: «سوقي القطيعَ إلى المراعي/ وامضَي إلى خُضُر البقاع/ ملأ الضُحى عينيكِ بالأطياف من رقص الشعاع… سمراء يا أنشودة الغابات، يا حُلُم المراعي…».
هل بعد هذه الرقّة من رقّةٍ وعذوبة يا آذان البشَر في الغرب المتحضر؟