بيروت – «القدس العربي» : عرض سوداوي صادم. فهل نحن عصيون على التغيير؟
ردة فعل الجمهور على بعض المشاهد في مسرحية «حبيبة قلبي إنتِ» أتت تلقائية وحاملة لغلٍ مدفون في الصدور. تفاعل ايجابي يتطابق في مكان مع سوداوية العرض الذي أراده الكاتب والمخرج لوسيان بورجيلي. سوداوية بورجيلي منطقية على الصعيد الخاص والعام. فهو الفنان الذي انغمس في قضايا وطنه، ناشداً التغيير للخروج من المزرعة الكبيرة المقفلة علينا كمواطنين. وهو المواطن، الذي ناله نصيب من عنف السلطة الحاكمة. تجاربه الشخصية واحباطاته، وحريته غير المرهونة أفضت إلى مسرحية «حبيبة قلبي انتِ».
مسرحية «حبيبة قلبي انتِ» مُتاحة لمن هم فوق عمر 18 سنة. فلوسيان بورجيلي ضمّنها، كماً من الألفاظ الذكورية التداول بشكل عام. وأسس بنية نصه على السادية والمازوشية، ليس في حقل الخيارات والرغبات الجنسية وحسب، بل انسحب الأمر إلى العلاقة بين الحاكم المحكوم، بما يحمله من تماه. فالحاكم عندنا يتلذذ بتعذيب الشعب، وفي مكان آخر يتلذذ الشعب بهذا التعذيب. والأصعب أن بعضنا يفتقده حين يغيب.
مشهدياً يظهر في الغرفة المفتوحة، دون ستارة على المتفرجين شخص يستفيق تدريجياً من نومه ليكتشف أنه في وضعية سجين مغمض العينين، مكبل اليدين على سرير. تدخل امرأة إثر نداءات ليبدأ حوار بينهما لا يتخلى فيه الرجل عن بذيء الكلام، ولا يهضم وضعيته تلك. والمرأة تُخضعه للإستفزاز وتتحكم في حركته ولا تلين. ساعة من الزمن تتضاعف خلالها القسوة اللفظية، إلى أن تخلع المرأة قناع عينيها، وتزيح عن عيني الرجل القماش، الذي يحجب عنه الرؤية. تتبدد الرهانات والتكهنات، ويظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
ساعة من الزمن كانت فيها الممثلة فرح شاعر في ذروة الغضب الداخلي. غضب ظاهر في تقاسيم الوجه، وفي زمة الشفتين تحديداً. حضور يقول إنها امرأة ذات قضية، وليست امرأة ساعية إلى ملذّات مارقة. وعلى المقلب الأخر كان الرجل القابع مكبلاً على السرير يشي بأنه صاحب سلطة طارت من يده للحظات. لسانه دون ضوابط، والحوار يعلن بأنه يدرك تماماً من أين تؤكل الكتف، وأنه يعيش على اقتناص الفرص التي تزيد من نفوذه.
«حبيبة قلبي إنت»، حوار بين امرأة تستبد برجل معصوب العينين ومكبل اليدين، لكنه استبداد انتقامي من ظلم متمادي. حوار ترك المتفرجين يتفاعلون بصوت مرتفع ضحكاً وتعليقاً. وكأن المرأة التي تفعل ما تفعله تشكل لسان حالهم. يفرحون ملياً عندما يلبي الرجل الأوامر الصادرة من المرأة لحدود تقليد أصوات الحيوانات. وإن كانت المرأة قد نجحت في انتزاع الاعترافات من الرجل الذي تتحكم بحياته، لكن صدمة حياتها كانت من الناس. إنها ليست صدمة حياتها وحدها، بل وكأن ماء مثلجاً سقط على الحضور في الصالة. هل يُعقل أننا عصيون على التغيير؟
لوسيان بورجيلي، يحكي صدمته أو صدماته المتتالية، كما غيره من الشباب من مجتمع لبناني يتحدث عن كرهه ل»السيستام» القائم. ومن ثمّ لا يلبث بأكثريته محلقاً حوله حامياً له وللصيغة القائمة. سعى بورجيلي في «حبيبة قلبي إنت» لوضع الإصبع على الجرح. جرح مفتوح على صمت وخنوع. جرح مفتوح على قبول واستسلام.
عمل المسرحي يحكي ما يدور بين الناس، كيف يعبرون وكيف يوصِّفون معضلات حياتهم. قد يعتقدون أن للبيوت اسراراً وجدرانا سميكة، إنما عصر التكنولوجيا غير بين حسابات البيدر وحسابات الحقل. فهل يمكن أن تصبح هذه التكنولوجيا في خدمة التغيير؟ أم سنبقى في خانة تلقي الصدمات وتستمر حياتنا كالحة بلا أمل؟
حبيبة قلبي مستمرة في مسرح مونو حتى 7 الجاري، من تمثيل فرح شاعر وطارق وانّيش.