عندما أنهى سامر مصاروة الثانوية شعر بأنه ضائع. “وجدت نفسي وحيداً بدون يد موجهة”، قال. “جزء كبير من أصدقائي بدأوا في العمل، وأردت القليل من المال لأشعر بأنني مستقل ولو قليلاً. لكني لم أنجح في إيجاد عمل. والأعمال التي حصلت عليها لم أجد نفسي فيها”.
معظم أصدقاء مصاروة (20 سنة) من الطيبة، يعملون في أعمال يدوية صعبة، مثل البناء والترميم والحدائق. هو نفسه لا يعمل. “لا أحد من هذا الجيل يصمد في الأعمال الجسدية. وجدت أعمالاً جسدية ولم نحصل على مقابل بسبب صغر عمرنا. بعد ذلك، عملت في سوبرماركت عبر شركة مقاولات، لكن الأجر كان متدنياً، ولذلك تركت. لا أعرف أي جمعية أو أي جهة تساعد في توجيه الشباب في المجتمع العربي، لا أحد ساعدني أو ساعد أصدقائي”.
تقرير مراقب الدولة الذي نشر أمس، كشف أن مصاروة جزء من ظاهرة متصاعدة لشباب عرب يعتبرون “عاطلين عن العمل”، أي أنهم لا يعملون ولا يتعلمون. وحسب التقرير، فإن نحو ثلث الشباب العرب في أعمار 18 – 24 (29 في المئة) هم في حالة بطالة، أي ضعف متوسط النسبة في الدول المتقدمة. الحديث يدور عن 57 ألف شاب، 22 ألفاً من الذكور و35 ألفاً من الإناث.
لقد كان لعدي جرادات (22 سنة) من الشمال خطط للتعليم. ولكنه مؤخراً أوقف تعليمه في مجال الحصول على رخصة مقاولة، رغم العلامات الجيدة التي حصل عليها. “في البداية، عملت وتعلمت، لكن كان من الصعب علي القيام بالأمرين معاً. في حينه توقفت عن التعلم، وبعد ذلك بدأت في التبطل، لأنه لم يكن هناك ما يلزمني وتوقفت عن العمل”، قال.
لم يكن امام جرادات فرص كثيرة، حسب قوله. هو عمل في عدة أعمال عارضة، لكن لم يجد عملاً منتظماً. “بحثت كثيراً. وفي مرات كثيرة لم يقبلوني. في مرحلة معينة عملت في التنظيف في سوبرماركت كعامل مقاولة، عمل جسدي بظروف سيئة مقابل 26 شيكل للساعة. شعرت أنني لا أحصل على مقابل وأنهم يستغلونني. الكثير من الأماكن تفضل خريجي الجيش فقط. يريدون أشخاصاً مهنيين أو ذوي تجربة، حتى في المبيعات أو خدمة الزبائن. ولكن إذا أنهيت الثانوية وبدأت تبحث عن عمل فمن أين ستأتي الخبرة؟”.
شبيهاً بمصاروة، يشعر جرادات أنه لم يكن لديه من يوجهه بعد إنهائه للثانوية. “كان يجب أن أعمل. نحن ستة أخوة في البيت، بعضهم قاصرون، والوالدان لا يمكنهما تمويلي بعد المدرسة”، قال. “أردت الحصول على رخصة سياقة، وعندها وجدت عملاً مؤقتاً. بعد الحصول على الرخصة، توقفت عن العمل لفترة طويلة، وبعد ذلك وجدت عمل آخر، ثم توقفت عن العمل”.
البطالة في إسرائيل
ظاهرة البطالة في أوساط الشباب اليهود أقل بكثير؛ 14 في المئة في أوساط الذكور و17 في المئة في أوساط الإناث، هذا حتى العام 2021. أشار التقرير إلى أن الفجوة بين السكان تنبع من أن لخريجي جهاز التعليم اليهودي مساراً طبيعياً وملزماً، يتوقع اندماجهم فيه بعد إنهاء الثانوية في إطار عسكري أو خدمة مدنية أو التعلم في مدرسة توراتية. في المجتمع العربي يفتقر إلى مثل هذا المسار، فإن نسبة البطالة في أوساط الشباب أعلى، 25 في المئة في أوساط الذكور و34 في المئة في أوساط الإناث. التقرير يفسر كيف أن الفجوة في نسبة البطالة بين الشباب العرب الذكور مقارنة بالشباب اليهود الذكور، تتسع مع مرور الوقت، من 6 في المئة في بداية 2015 إلى 11 في المئة في نهاية 2021.
جرادات، الذي لا يتعلم ولا يعمل الآن، يؤمن بأنه لو كان له دعم عائلي أو مؤسساتي لكان وضعه مختلفاً. “لو وجدت من يوجهني، لحزت مهنة الآن. ولا أتهم عائلتي؛ يكفيهم ما هم فيه. الكثير من أصدقائي لا يعملون أو يعملون في أعمال عارضة مثلي. أعرف أن البعض منهم يعملون الآن في الجريمة لأنهم لم يجدوا ما يفعلونه بعد إنهاء المدرسة. الطريق إلى الجريمة ممهدة لهذا الجيل، خاصة إذا لم يكن للشخص مكان عمل أو مصدر رزق جيد”، قال.
في تقرير المراقب، كتب أن نسبة الجريمة في أوساط الشباب العرب ارتفعت 50 في المئة بين عامي 2015 و2021، من 0.1 ملف جنائي لكل فرد إلى 0.15 ملف في 2021. وهذا ارتفاع 6 آلاف ملف جنائي. وازدادت أيضاً عمليات القتل وأحداث إطلاق النار. بعد عملية القتل أمس لبراء مصاروة وولديها في الطيبة، ارتفع عدد القتلى إلى 64 شخصاً منذ بداية السنة.
أشار التقرير إلى أن هناك أبحاثاً عززت وجود علاقة إيجابية بين البطالة والجريمة. وثمة تفسيرات محتملة لذلك، وهي الشعور المتدني في مجال الانتماء في أوساط الشباب العرب، الذي يزيد وضع العجز، والانضمام لمنظمات الجريمة يمكن أن يحسن، وكذلك العلاقة بين العجز والفقر التي تشجع على التوجه إلى الجريمة التي تعتبر احتمالية سهلة للحصول على المال.
تقرير مراقب الدولة
“هناك علاقة وثيقة بين البطالة في أوساط الشباب وارتفاع معدل الجريمة في المجتمع العربي، لا سيما في مشاركة الشباب العرب في الأحداث الجنائية”، قالت نسرين حداد حاج يحيى، الشريكة في صندوق “بورت لاند” وفي شركة الأبحاث والاستشارة “ناس”. “منظمات الجريمة تجند الشباب لدينا لعوالم ظلامية. علينا أن ندرك بأن الشباب يجدون أنفسهم في عالم الجريمة رغم أنفهم، لا آفاق أخرى لديهم. وبدلاً من التحدث عن إحلال النظام في النقب، يجب التحدث عن إيجاد أفق للشباب في المجتمع العربي، لأنهم يعتبرون ذخراً وليس عبئاً، شريحة من السكان يجب على الدولة أن تساعدها على تجسيد الإمكانيات الكامنة لديها والاندماج بشكل أفضل. هذا لا يعني أن تكون مصلحة للمجتمع العربي، وإلا فسندفع جميعاً ثمناً باهظاً على هذا الإهمال”.
ويتطرق تقرير مراقب الدولة إلى هذا الثمن بشكل صريح. فالضرر المحتمل من ظاهرة البطالة في أوساط الشباب العرب تم تقديره بنحو مليار شيكل في كل سنة. ولكن من بين الـ 34 مليار شيكل تم تخصيصها للخطة السنوية وبرنامج معالجة الجريمة والعنف في المجتمع العربي، أقل من نصف مليار (أكثر بقليل من 1 في المئة)، تم تخصيصها كميزانية محددة لمعالجة مشكلة الشباب العاطلين عن العمل. “الأموال الأكبر لمعالجة الموضوع لم تصل بعد إلى الهدف”، قالت حداد حاج يحيى. “تباطؤ الحكومة في ضخ الموارد سيزيد الظاهرة ويعمق الفجوة بين العرب واليهود”.
الخيارات قليلة جداً
“خُطبت في سن 18 على الفور بعد إنهاء المرحلة الثانوية، ولم أستطع العمل لأنني كنت متزوجة بعمر 19 سنة”، قالت ل.، من قلنسوة (الاسم الكامل في هيئة التحرير). حسب قولها، فإن الزواج المبكر يمنع الكثير من الشابات في المجتمع العربي من التعليم العالي أو الاندماج في سوق العمل. عدد كبير من صديقاتها في الثانوية، كما قالت، تزوجن في جيل 17 – 20 سنة.
من رفض السماح لها بالعمل هو زوجها الذي يعمل ويكسب جيداً نسبياً. “والداي أيضاً لم يرغبا في أن أعمل في سن صغيرة، لكنهما وافقا مبدئياً على عملي في ظروف عمل تكون داخل المدينة نفسها”.
خلال فترة معينة، بحثت ل. عن عمل مناسب ولكنها لم تنجح، بسبب أجرة متدنية لساعة العمل. “أرسلت السيرة الذاتية إلى أماكن كثيرة، ولكن لم أحصل على رد. الكثير من أماكن العمل يفضلون الشباب أو النساء اللواتي لديهن خبرة أو مهنة. المكان الوحيد الذي وجدته في المدينة هو بائعة في محل للملابس بثلاثة آلاف شيكل في الشهر. وإذا وجدت عملاً جيداً يمكنني من كسب الرزق بكرامة بعد موافقة زوجي فسأعمل. آمل أن أجد عملاً لأنني أرغب في العمل، لكن الخيارات قليلة. الأجرة متدنية جداً في معظم أماكن العمل، وهذا الأمر يقلل الدافعية”.
مشكلة فرص العمل الضئيلة طرحت مرة أخرى في نقاشات مع جميع الذين قابلناهم. تقرير سلطة الشباب ومعهد الديمقراطية الذي فحص توزيع الشباب العرب حسب فرع الاقتصاد، أظهر بأن الشباب العرب يتم تشغيلهم بدرجة أقل في أعمال إدارية وأكاديمية مقابل الشباب اليهود، وهكذا أيضاً في أعمال السكرتاريا والبيع. وحسب هذا التقرير، عمل 36 في المئة من الشباب العرب في 2021 في الأعمال الإدارية والأكاديمية، الحرة والتقنية، مقابل 57 في المئة في أوساط اليهود. 22 في المئة عملوا في السكرتاريا والبيع والخدمات مقابل 26.6 في المئة في أوساط اليهود. وعندما يصل الأمر إلى الأعمال اليدوية، تنقلب النسبة وتتسع الفجوة. في حين يتم تشغيل 8.4 في المئة فقط في أوساط الشباب اليهود كعمال مهنيين و2.7 في المئة تم تشغيلهم كعمال غير مهنيين، فإن 29.5 في المئة من الشباب العرب تم تشغيلهم كعمال مهنيين و7.1 في المئة كعمال غير مهنيين.
حسب تقرير المراقب، فإن الحلول التي تعطيها الدولة في محاولة لتقليص البطالة ليست بالضرورة ناجعة، وهي في كل الحالات بعيدة عن أن تكون كافية. هذه الحلول تشمل ضمن أمور أخرى، مراكز “الريان” لتوجيه التشغيل في المجتمع العربي، أو البرامج التي تقترح “سنة انتقالية” تشبه نموذج سنة الخدمة والمدارس التحضيرية في المجتمع اليهودي.
“هناك أهمية لجلب الشباب إلى برامج مثل برنامج “اجيك” (سنة انتقالية)”، قالت سيما منصور، المديرة في مراكز “الريان”. “لكن برنامجاً واحداً لن يعالج نسبة العاطلين عن العمل الكبيرة. يجب العمل على ضخ الميزانيات التي خصصت لهذا الأمر وإخراج البرامج إلى حيز التنفيذ”.
حسب تقرير المراقب، ربما تعطي برامج السنة الانتقالية الأولى الرد على 3 في المئة فقط من إجمالي العاطلين في أوساط الشباب العرب. والتكلفة المرتفعة (25 ألف شيكل من ميزانية الدولة لكل مشارك) لا تسمح بتوسيع البرامج.
عائق اللغة العبرية
أحد العوائق الكبيرة التي تقف أمام الشباب العرب، حسب التقرير، هو عدم اتقان اللغة العبرية. هذه المشكلة تمنع الشباب العرب من اجتياز امتحانات العتبة باللغة العبرية والقبول للتعلم في الجامعات.
عائق اللغة كان الأهم لدى زياد عوايضة، وهو من منطقة الشمال. “أنهيت الثانوية دون أن أعرف التحدث بالعبرية”، قال. “لا أخجل من ذلك. فهذه كانت مشكلة في المدرسة. لم يستثمروا في تعليمنا العبرية الدارجة. بعد إنهاء الدراسة فجأة، وجدت نفسي في وضع عليّ فيه أن أتعلم وأعمل، ولكن لا يمكنني إجراء محادثة بالعبرية. هذا أدخل في نفسي الكثير من التخوفات”.
بقي عوايضة في القرية التي ولد فيها، واكتفى بالأعمال التي وجدها هناك. الأموال التي حصل عليها، حسب قوله، لم تكن كافية حتى لشراء السجائر. “لم يكن هناك من يهتم بنا بعد إنهاء الدراسة ويوجهنا مهنياً. لا أحد فحص ما إذا كنت أعرف العبرية أم لا. كطالب في المدرسة، ليست لك أدنى فكرة كم هو مهم معرفة اللغة العبرية من أجل التعلم والعمل فيما بعد”، قال.
كثير من الشباب العرب يجدون أنفسهم في الجامعات خارج إسرائيل. حسب تقرير المراقب في العام 2018 التحق نحو 15 ألف طالب عربي إسرائيلي بالخارج، و8 آلاف لدى السلطة الفلسطينية، و6 آلاف في جنين، قال عوايضة. “هذه كانت حالة ابن عمي الذي اضطره عائق اللغة للتعلم في جنين. ولكن فرص ابن عمي رغم ذلك ليست كبيرة. لديه شهادة، ولكن حتى الآن لا يتكلم العبرية بطلاقة. لذا لا يستطيع العثور على عمل جيد في إسرائيل”، قال. “أشعر بأن الوضع يأخذني إلى الخلف، سنتان دون عمل، وأعيش على حساب والدي. ولم أتقدم متراً واحداً في الحياة”.
ضياء الحاج يحيى
هآرتس 3/5/2023