العقوبات الأمريكية-التركية على المسؤول المالي في «تحرير الشام»: سيف «التصنيف» على رقبة أبي محمد الجولاني مجددا

منهل باريش
حجم الخط
0

توقع مصدر تجاري مقرب من الهيئة قيمة الأموال المنقولة وغير المنقولة لعمر الشيخ بأكثر من 200 مليون دولار بين سوريا وتركيا.

تلقى تنظيم «تحرير الشام» صفعة قوية بسبب القرار الأمريكي-التركي بمعاقبة مسؤولها المالي وعقلها الاقتصادي أبو أحمد زكور وهو صاحب الشبكات التجارية الممتدة من إيران والصين إلى إدلب، وهو المشرف على توزيع احتكارات السلع الرئيسية في الشمال السوري ومهندس الحركة التجارية بين مناطق سيطرة الهيئة في إدلب ومناطق سيطرة النظام عبر معبر معارة النعسان غير المعلن.
وردا على عقوبات أمريكية-تركية، استنكر القيادي في «هيئة تحرير الشام» عمر الشيخ، المعروف بجهاد عيسى الشيخ، والملقب بـ «أبو أحمد زكور» ما جاء في بيان وزارة الخزانة الأمريكية من فرض عقوبات مالية عليه باعتباره ممولا لجماعات «إرهابية» في إشارة لارتباط زكور بـ «تحرير الشام» ومسؤولياته عن ملفات عدة في التنظيم من أبرزها المالي والتنسيق والتواصل مع فصائل الجيش الوطني.
وقال الشيخ في بيان أصدره يوم الأربعاء الماضي، وبعد يوم من قرار الخزانة الأمريكية، إن «الإرهاب الحقيقي هو ما يمارسه النظام المجرم والمحتل الروسي والإيراني» مفرغًا العقوبات المفروضة عليه من أي معنى، مبررا ذلك بعدم امتلاكه لأي أموال خارج سوريا، ونافيًا مسؤوليته عن الملف المالي أو الاقتصادي في تحرير الشام التي وصفها بـ«الجماعة».
وفي لهجة معاتبة لتركيا استنكر «أبو أحمد زكور» صدور القرار عما وصفها بـ «دولة حليفة» وجاء في البيان «لهو أمر محزن خصوصًا أنه صدر من دولة حليفة، لطالما أحسن الظن فيها، كما أننا كنا وما زلنا نحرص على أمنها كما نحرص على المحرر».
وتابع زكور في هذا الصدد، «هذا الحرص واجب أخلاقي لأن تركيا هي من وقف بجانبنا في هذه الثورة، وهي من فتحت أبوابها لأهلنا المشردين».
وأشار بيان زكور، إلى أنه رغم الاختلاف في بعض وجهات النظر مع تركيا إلا أن ذلك لا ينفي التقاءهم في «حلفٍ واحد».
وبالتوازي مع ذلك، هاجم البيان الولايات المتحدة الأمريكية، مستخدما لهجة شيوعية ماركسية حيث أرجع أسباب الإرهاب والتطرف لـ «الظلم والأنظمة الاستبدادية» وربط بين القضاء عليه بالقضاء على الظلم والاستبداد، مذكرًا بأن الثورة قضت على ما وصفها بـ «أصوات الغلو والإرهاب» في إشارة منه للتحولات المتعاقبة في حياة هيئة تحرير الشام «جبهة النصرة سابقًا».
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد أصدرت يوم الثلاثاء 2 أيار (مايو) من الشهر الجاري قرارًا صنف كلاً من، عمر الشيخ المعروف بجهاد عيسى الشيخ، والمعروف أيضًا بـ «أبو أحمد زكور» وشركة «كوبيلاي ساري» كميسرين ماليين لـ «جماعات إرهابية» متمركزة في سوريا، شملت «كتيبة الجهاد والتوحيد، وهيئة تحرير الشام».
وقال بريان إي نيلسون، وكيل وزارة الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية: «مع استمرار الجماعات الإرهابية في سعيها للوصول إلى النظام المالي الدولي، فإن التعاون مع شركائنا يزيد من قدرتنا على تعطيل شبكات التيسير هذه بشكل أكثر فعالية» مشددا «تظل وزارة الخزانة ملتزمة بالعمل مع تركيا وآخرين في المنطقة لتعطيل تدفق الأموال إلى الجماعات الإرهابية وتقليل قدرتها على العمل.»
ويأتي قرار العقوبات الأمريكي-التركي عقب إجراء مشترك بين البلدين في 5 كانون الثاني (يناير) من العام الجاري بهدف تعطيل شبكات التسهيلات المالية الرئيسية لتنظيم «داعش» ووفق الأمر التنفيذي 13224 بالصيغة المعدلة من الإجراء ليستهدف الجماعات الإرهابية وداعميها والأصول المرتبطة بها.
وجاء في قرار الخزانة الأمريكية «تم تصنيف عمر الشيخ لقيامه بالعمل لصالح أو نيابة عن جبهة النصرة، بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو شخص تم حظر ممتلكاته ومصالحه وفقً للقرار 13224».
من جهتها، أفادت وزارة الخزانة والمالية التركية بتجميد الأصول المالية لشخصين مرتبطين بتنظيمي «القاعدة وداعش الإرهابيين».
وقالت الوزارة في بيانٍ نشرته على موقعها الرسمي «أنه نتيجة الدراسات التي أجريت بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية جمدت الأصول المالية لشخصين تم اكتشاف أنهما يمولان الإرهاب في تركيا والولايات المتحدة.»
وأرجعت وزارة المالية والخزانة التركية قرار تجميد الأصول لكل من عمر الشيخ وقوبلاي ساري لأسباب «معقولة لارتكابهما أعمالا تندرج في إطار جريمة تمويل ودعم الإرهاب».
وكانت تركيا قد أضافت في الثالث من حزيران (يونيو) 2014 «جبهة النصرة» باعتبارها الجناح السوري لتنظيم «القاعدة» على لوائحها للمنظمات الإرهابية التي تفرض عليها بموجب ذلك عقوبات مالية.
ويشار في هذا الصدد، إلى أن مجلس الأمن الدولي أدرج في أيار (مايو) 2013 «جبهة النصرة لأهل الشام» على لائحة المنظمات «الإرهابية» حيث أعلنت لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن حينها أنها عدّلت لائحة العقوبات للأفراد والكيانات التابعة لتنظيم القاعدة بإضافة اسم جبهة النصرة إليها.
وينحدر عمر الشيخ «أبو أحمد زكور» المولود في 5 كانون الثاني (يناير) 1979 من منطقة النيرب في حلب، وينتمي لعشيرة البو عاصي، التابعة لقبيلة البكارة إحدى أكبر قبائل الشمال السوري، وتقلد ملفات ومناصب عدة في «هيئة تحرير الشام» بمسمياتها المتلاحقة بدءا من «جبهة النصرة» وحتى اليوم، حيث ذكر قرار الخزانة الأمريكية أن زكور منتمي لـ «جبهة النصرة» ومتورط مع الجماعات «المتطرفة» منذ 2003.
ومن أدواره في «تحرير الشام» قائدًا لـ «لواء عبد الرحمن» ومديرا للعلاقات العامة، ومسؤولا عن الملف الاقتصادي، فضلاً عن عضويته حتى الآن في مجلس شورى هيئة تحرير الشام، وأميرا لقطاع حلب فيها.
كما شغل زكور مطلع شباط (فبراير) 2019 منصب المسؤول المالي العام في «تحرير الشام» وفي آذار (مارس( 2022 تولى منصب الأمير الأمني في «الهيئة» وفي تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه أصبح مديرا للعلاقات العامة وملف التواصل مع القيادات العسكرية.
والمعروف عن «أبو أحمد زكور» امتلاكه لثروة مالية كبيرة يديرها من خلال مشاريع استثمارية خارج سوريا، وبشكل خاص في تركيا، من خلال شركات بأسماء وهمية.
وفي هذا السياق، توقع مصدر تجاري مقرب من الهيئة في حديث مع «القدس العربي» قيمة الأموال المنقولة وغير المنقولة لعمر الشيخ بأكثر من 200 مليون دولار بين سوريا وتركيا، داعيا إلى الانتظار لمعرفة «قيمة الأموال التي ستجمد في تركيا على خلفية القرار الأمريكي-التركي».
ولفت المصدر إلى أن القرار المشترك يؤكد «جدية الدور التركي في محاربة الإرهاب» وألمح إلى أن التطورات في شمال غرب سوريا، وطموحات «تحرير الشام» للتمدد على حساب فصائل الجيش الوطني، يمكن «اعتبارها بمثابة رسالة تحذيرية لتحرير الشام وقياداتها». وتوقع المصدر المطلع على النشاط المالي والشبكات المالية لتحرير الشام في شمال سوريا أن تطال العقوبات في مراحل لاحقة قيادات أخرى في الهيئة.
وأشار قرار الخزانة إلى أن شركة «قوبلاي ساري» تلقت أموالا من مانحين وداعمين لكتيبة «التوحيد والجهاد» لشراء أسلحة ومعدات عسكرية لصالح الكتيبة، وجاء في القرار «منذ أوائل عام 2018 تلقت شركة Kubilay Sari ومقرها إسطنبول في تركيا أموالاً من مانحين نيابة عن جامعي تبرعات لكتيبة التوحيد والجهاد لشراء أنظمة أسلحة مثل الأسلحة النارية وقذائف الهاون»
وأضاف القرار «حدد العديد من أعضاء كتيبة التوحيد والجهاد المقيمين في سوريا قوبلاي ساري وحساباته المصرفية كقناة للتحويلات المالية للعمليات الإرهابية، بما في ذلك شراء المعدات العسكرية، مثل الدراجات النارية والرؤية الليلية. كما حدد عضو في هيئة تحرير الشام قوبلاي ساري كجهة اتصال موثوقة لتحويل الأموال».
الجدير بالذكر، أن تقارير صحافية عدة أشارت إلى أن «ساري» هو اسم قيادي في «كتيبة التوحيد والجهاد» التي تضم مقاتلين من الطاجيك والأوزبك، وما يؤكد ذلك وثيقة تجميد الأموال الصادرة عن الخزانة الأمريكية التي نشرت بيانات باسم «ساري» ومواليده 22 أيار (مايو) 1991.
وتنضوي «كتيبة التوحيد والجهاد» ضمن التشكيلات العسكرية لـ «هيئة تحرير الشام» وتقاتل تحت راية «لواء أبو عبيدة بن الجراح» وهو واحد من أهم أربعة ألوية في الجناح العسكري للهيئة.
وكانت الكتيبة قد انضمت لـ «جبهة النصرة» في تشرين الأول (أكتوبر) 2015 وصنفتها واشنطن «جماعة إرهابية عالمية» في آذار (مارس) من العام الماضي، لتدرج على لوائح عقوبات مجلس الأمن الدولي المرتبطة بتنظيمي «داعش» و «القاعدة» الأمر الذي نفته «التوحيد والجهاد» حينها، واعتبرت تصنيفها على لوائح الإرهاب مجرد اتهام لا يمت للحقيقة بصلة، نافية أي علاقة تربطها بتنظيمي «القاعدة» أو «داعش».
ولا تعتبر معاقبة عمر الشيخ خارج الحسابات المتوقعة له ولأبي محمد الجولاني وأبي ماريا القحطاني والدكتور مظهر الويس. فالتنظيم المصنف على لوائح الإرهاب يحسن التعامل في قضاياها المالية ويمتلك عددا كبيرا من الشركاء المشغلين لأمواله. ومن غير المستغرب أن الرجل لا يمتلك «دولارا واحدا» كما زعم.
الخطر الذي يلاحظه أبو محمد الجولاني اليوم، ليس مسألة العقوبات على واجهته الاقتصادية، وإنما صدمته مع أبو ماريا القحطاني ومظهر الويس الذين اعتقدوا أنهم تجاوزوا مسألة التصنيف على لوائح الإرهاب، وهو ما أعربوا عنه صراحة بعد زيارات لوسطاء أمريكيين وأوروبيين لإدلب ولقائهم بالجولاني مرات متعددة كان آخرها قبل أسبوعين.
كما اعتقد الجولاني أن الوكالة الأمنية التي حصل عليها من أجل القضاء على خلايا تنظيم «الدولة الإسلامية» والقضاء على تنظيم «حراس الدين» الموالي للقاعدة وباقي الجماعات الجهادية، ستسهل شطبه من قوائم الإرهاب الدولية بمساعدة أمريكية.
وحصل الجولاني مقابل وكالته الأمنية تلك على حرية الحركة والتنقل، فبينما كانت الطائرات الثابتة الجناح الأمريكية تستهدف قادة تنظيم حراس الدين ومسؤولو خلايا تنظيم «الدولة» كان يتجول في أسواق مدينة إدلب ويعقد المهرجانات الخطابية. وفي حين كانت طائرات الأباتشي المروحية تنزل جنود القوات الخاصة الأمريكية لقتل البغدادي، وقرداش في شمال إدلب، كانت حواجزه تمنع اقتراب أي مسلح من فصائل المعارضة حتى لا يشوش على الجنود الأمريكان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية