غزة ـ «القدس العربي»: فضحت حادثة إعدام الأسير خضر عدنان، الذي قضى في محبسه الإسرائيلي، جراء المرض والإعياء الشديد الذي أصابه، مع طول إضرابه المفتوح عن الطعام، والذي وصل لـ 86 يوما، سياسات دولة الاحتلال العدوانية تجاه الشعب الفلسطيني على وجه العموم، والأسرى بشكل خاص، حين تركه الاحتلال يواجه مصيره، وفق خطة للتخلص منه، شارك فيها المستويان السياسي والأمني، غير أن الحادثة في ذات الوقت، أكدت أن ملف الأسرى، يعد أحد الثوابت الأساسية، للشعب الفلسطيني، بما فيها الفصائل المقاومة، وأنه يتحكم في درجة سخونة الميدان.
86 يوما مضت على إضراب هذا الأسير، دون أن تكترث سلطات الاحتلال لمطالبه بإنهاء اعتقاله التعسفي، بما يؤكد وجود قرار إسرائيلي اتخذ من كافة المستويات سواء السياسية أو الأمنية والعسكرية للتخلص منه، وإعدامه بطريقة بطيئة، دون نصب المشانق، لكسر إرادة الأسرى الفلسطينيين الآخرين الذين اعتادوا على مواجهة ظلمهم وزجهم بالسجون، بإضرابات عن الطعام، مستخدمين فيها فقط ما يملكون من عزيمة قوية، تساعدهم فيها أمعائهم الخاوية.
هذا الإضراب الذي بدأه الأسير خضر عدنان، منذ لحظة اعتقاله فجر يوم الخامس من شباط/فبراير الماضي، يؤكد أن آخر طعام تذوقه هو ذلك الذي تناوله مع أسرته، قبل اعتقاله بساعات، ليبقى يصارع بجسده الهزيل أركان دولة الاحتلال، وقوانينها العنصرية، كاتبا بذلك صفحة جديدة في نضال الحركة الوطنية الأسيرة.
ولم يأبه الأسير عدنان، إلى لائحة الاتهام الاحتلالية التي قدمت ضده هذه المرة، لإدانته بالسجن لأربع سنوات، بعد أن ظلت طوال اعتقالاته الإدارية الأخيرة تفشل في تمرير ما تريد، حين كان يقف يواجه آلة السجان الحادة وأغلاله الحديدية وأسوار سجنه المرتفعة، بأمعائه الخاوية، ليدخل إضرابا تلو الإضراب، يحقق خلالها انتصارات بالحصول على قرارات بإطلاق سراحه، متسلحا بأن اعتقاله الإداري وقتها غير مبرر، وغير قائم على أي تهم، وباطل قانونيا من وجهة نظر القانون الدولي، حيث يعد إضرابه من أندر الإضرابات عن الطعام، إذ لم يعتد من قبل أسير قدمت ضده لائحة اتهام على الإضراب طلبا للحرية، بل انصبت سابقا إضرابات الأسرى المحكومين، أو من يتهمهم الاحتلال بتنفيذ أعمال مقاومة، على تحسين ظروف الاعتقال، وهو ما يعني أن هذا الأسير، أسس نهجا جديدا لمقاومة الأسرى في السجون.
فعلى مدار أيام الإضراب الطويلة، التي قاربت الثلاثة أشهر، لم تلتفت إدارة السجون لأنين هذا الأسير، لتظهر مدى غيظها منه، باعتباره «مفجر ثورة الإضرابات» الحديثة في سجون الاحتلال، فله يحسب أول إضراب طويل يخوضه أسير إداري طلبا للحرية، وهو الإضراب الثاني له، والذي كان في العام 2012 ودام لـ 66 يوما، انتهى بالحصول على قرار بإطلاق سراحه، غير أن ذلك الإضراب، أسس لنهج جديد، بعد أن اقتدى عشرات الأسرى بهذا الأسير الشهيد، ليخوضوا إضرابات طويلة عن الطعام، وصل بعضها لأكثر من أربعة أشهر، تمكنوا في نهايتها من انتزاع حريتهم، بمن فيهم الأسير عدنان نفسه، الذي عاد بعد معركة العام 2012 ليخوض أربعة إضرابات متتالية، نجح في ثلاثة منها، وقضى في آخرها شهيدا، بعد أن رفض أن تبقى روحه حبيسة السجون الإسرائيلية.
الأسرى قضية المقاومة
وإن كانت حادثة استشهاد هذا الأسير، فتحت إدانات دولية كبيرة، وسلطت الضوء على ما يعانيه الأسرى من ظلم كبير في سجون الاحتلال، خاصة المرضى منهم، الذين يهملون بشكل معتمد، بهدف تفشي الأمراض في أجسادهم، وقتلهم بشكل بطيء، حيث دعا ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إسرائيل لفتح تحقيق شامل في ملابسات استشهاده، وأكد أن الأمين العام يجدد دعوة إسرائيل لوقف ممارسة الاعتقال الإداري، فهي على الجانب الفلسطيني، أكدت على مدى الاهتمام الكبير بملف الأسرى، بما في ذلك المقاومة المسلحة، التي يؤكد قادتها استمرارهم في العمل، حتى تحرير كافة الأسرى من السجون.
ومع بداية الإعلان عن نبأ استشهاد الأسير عدنان، توعدت الفصائل بـ «الرد على الجريمة» حيث حمل الدكتور محمد الهندي عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي، التي ينتمي لها الأسير الشهيد، الاحتلال المسؤولية الكاملة عن جريمة اغتياله، وقال متوعدا «إن العدو سيدفع ثمن هذه الجريمة وثمن كل جرائمه بحق أسرانا وشعبنا».
حركة حماس على لسان الناطق باسمها عبد اللطيف القانوع، هددت بأن كل ساحات المقاومة «مشرعة للرد على جريمة اغتيال الشيخ خضر عدنان كما غزة» واعتبر أن استشهاده يعد «جريمة مدبرة يتحمل الاحتلال نتائجها ولن يمررها شعبنا مرور الكرام أو يقف صامتاً أمامها» واتهم الاحتلال بممارسة الإهمال الطبي بحق الأسير خضر عدنان، وكذلك رفض الإفراج عنه، وقال إن ذلك «يعكس الوجه الإرهابي والسلوك الفاشي الذي يمارسه بحق أسرانا» ودعا جماهير الشعب «الفلسطيني والشباب الثائر وأبطال المقاومة في كل مكان لتوجيه ضرباتهم للاحتلال الصهيوني رداً على هذه الجريمة النكراء».
أما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فشددت على أن «العدو الصهيوني يجب أن لا يفلت من العقاب على هذه الجريمة» وأضافت «ولن تثنينا هذه السياسات الإجرامية الاحتلالية عن مواصلة نضالنا، والاقتداء بنموذج المناضل خضر عدنان».
أما فصائل المقاومة في غزة، فدعت الفلسطينيين وتشكيلات المقاومة المسلحة إلى «تصعيد الاشتباك والمواجهة مع الاحتلال ردًا على هذه الجريمة النكراء».
ولم تكد تمضي سوى ساعات قليلة على تهديد قادة الفصائل بالرد على تلك الجريمة، حتى انطلقت عدة رشقات صاروخية من غزة مستهدفة المستوطنات الإسرائيلية المقامة على حدود قطاع غزة، معلنة بذلك بداية جولة جديدة من التصعيد عنوانها الانتقام للأسرى.
وفي تأكيد على أهمية الملف، تبنت الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة الفلسطينية في غزة، المسؤولية عن قصف مستوطنات غلاف قطاع غزة بالصواريخ، وأطلقت عدة رشقات صاروخية في اليوم الأول لاستشهاد الأسير خضر عدنان، كـ «رد أولي على هذه الجريمة النكراء» وقالت إنها ستفجر ردوداً من أبناء الشعب الفلسطيني في كافة الساحات وأماكن الاشتباك، وقالت إن ما حدث مع هذا الأسير يعد «جريمة اغتيالٍ صهيونية جديدة» خاضها «بعد معركة مشرفة من الإضراب عن الطعام خاضها بأمعائه الخاوية متحدياً السجن والسجان، ومسطراً أسمى آيات العز والفخار».
وأكدت أنها ستبقى وفية لدماء الشهداء وتضحيات الأسرى، لافتة إلى أن قضيتهم ستبقى على رأس أولويات قيادة المقاومة في كل الظروف، وحذرت العدو من أن تماديه في العدوان وارتكابه لأية جريمة أو حماقة «لن يبقى دون رد» وأعلنت أنها على أتم الجهوزية «سيفًا ودرعًا لشعبنا في كل مكان».
هجوم إسرائيلي ضعيف
وكان لافتا أن رد المقاومة المتتالي، لم يحسب أي حساب لأي هجوم إسرائيلي على القطاع، بعد أن أفقدت المقاومة جيش الاحتلال هيبته أمام شعبه، خاصة وأنه كان يتغنى دوما بقدرته على «الردع» مؤكدة بذلك استعدادها لخوض معركة طويلة تؤكد خلالها عدم رضوخها لسياسات فرض الأمر الواقع التي تنتهجها سلطات الاحتلال.
ولذلك عقد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، جلسة تقييم أمني، مع وزير الجيش يؤاف غالانت، وعدد من قادة الجيش والأمن، ليكشف عقبها أن الجيش أوصى بهجوم قوي ضد غزة.
لكن تلك الأنباء التي وردت من غرفة عمليات الاحتلال العسكرية، لم تخف المقاومة، التي تحدتها عمليا بالتقليل من شأنها، عبر إطلاق رشقات صاروخية جديدة، لتؤكد من خلالها أن ملف الأسرى كما ملف القدس والأقصى، يتحكمان في درجة التصعيد الفعلي للميدان.
كما ردت المقاومة برشقات صاروخية استهدفت المستوطنات القريبة من حدود غزة، أثناء القصف الإسرائيلي لمواقع المقاومة بغزة، ولم تتوقف هذه الرشقات، إلا باتفاق على وقف متزامن لإطلاق النار أقره الوسطاء، وبدا أن قيادة دولة الاحتلال لم تكن ترغب بتوسيع نطاق القصف، ووافقت على التهدئة، خشية من اتساع التصعيد إلى حرب، وهو ما دفع بالأحزاب اليمينية المتطرفة الشريكة في حكومة بنيامين نتنياهو، إلى توجيه الانتقادات للهجمات الإسرائيلية، ووصفتها بـ «الضعيفة» وقرر حزب الوزير المتطرف إيتمار بن غفير، مقاطعة جلسات «الكنسيت» الخاصة بالتصويت على القوانين، ولوح بالاستقالة.
ومن المحتمل أن تقييمات الأمن الإسرائيلي لحادثة استشهاد الأسير خضر عدنان، لم تكن تتوقع أن تشارك كل فصائل المقاومة بالرد على الجريمة، وأن يقتصر أمرها على حركة الجهاد الإسلامي التي ينتمي لها، متناسيا أن ملف الأسرى يهم كل الفلسطينيين على اختلاف انتماءاتهم.
ولذلك قال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، عقب انتهاء موجة التصعيد «إن المقاومة رسخت من خلال الجولة الراهنة حقيقة كونها الرصيد الاستراتيجي لشعبنا وأسرانا ومقدساتنا من خلال أدائها الموحد والذي كان جاهزًا لكل الاحتمالات في مواجهة العدو».
وأشاد بالشعب الفلسطيني والمقاومة «التي كانت وفيةً للشيخ الشهيد خضر عدنان وللحركة الأسيرة» لافتا إلى أنها «لم تتوانَ عن القيام بواجبها على امتداد ساحة المعركة مع الاحتلال وخاصة في غزة الأبية».
وأضاف «إننا إذ نجدد موقفنا الحازم من جريمة القتل المتعمد، نشدد وكما أبلغنا جميع الوسطاء الذين تدخلوا، على ضرورة تسليم جثمان الشهيد خضر عدنان لعائلته الصابرة ليحظى بما يليق بالشهداء الأبطال من التكريم والتبجيل».
وفي هذا السياق، قال عضو قيادة حركة حماس في قطاع غزة زكريا أبو معمر، إن الغرفة المشتركة أثبتت وفاءها لشعبها، وعبرت عن موقف الإجماع الوطني الذي لا يقبل الاستفراد بأي مكون من الشعب الفلسطيني، أو التلاعب بحياة أبنائه ومجاهديه ورموزه، ولا يقبل كذلك المساس بمقدساته.
أما نافذ عزام، عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي، فقال إن «رد قوى المقاومة على جريمة اغتيال الشيخ خضر عدنان، يؤكد أن شعبنا كله مُجمع على خيار المواجهة والاشتباك، ولن يسمح للعدو بالاستفراد فينا» وأضاف «لن يستطيع الاحتلال أن يُغير المعادلات التي ثبتتها المقاومة» مشددا على أن تهديدات الاحتلال لن تخيف الفلسطينيين.