كيف يضمن ايرلنغ هالاند أصعب «بالون دور» في التاريخ؟

عادل منصور
حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: من مباراة الى أخرى يثبت العملاق النرويجي إيرلنغ براوت هالاند، صحة ما دونته الأساطير القديمة عن جبروت وعنف محاربي الفايكنغ القدماء، كلاعب كرة قدم بجينات أصيلة لأجداده المقاتلين الأوائل، وفي رواية أخرى وحش اسكندينافي جاء من العصور الوسطى، ليعبث بتاريخ وحاضر كرة القدم، آخرها ما فعله في منتصف الأسبوع الماضي، بفض الشراكة مع آلان شيرر وأندي كول، والانفراد بالرقم القياسي كأعظم هداف للدوري الإنكليزي الممتاز منذ تسعينات القرن الماضي بمسمى «البريميرليغ» في موسم واحد، بهز شباك الخصوم 35 مرة في 31 مباراة حتى وقت كتابة هذه الكلمات.

صانع السعادة

لطالما عانى المدرب الكتالوني بيب غوارديولا، على مدار سنوات من صداع نقص الجودة والحدة في مركز المهاجم رقم (9)، حتى في زمن الهداف التاريخي للنادي سيرخيو أغويرو وبديله السابق غابرييل جيزوس، كانت الإستراتيجية الهجومية ترتكز على لحظات كيفن دي بروين الإبداعية أو بلمسة ساحرة من رياض محرز، أو ومضة من بيرناردو سيلفا أو واحد من القادمين من الخلف، ولنا أن نتذكر المباريات الفارقة، التي تحسر بعدها بيب ومن خلفه الجمهور السماوي، لعدم تسلح المشروع برأس حربة من الطراز العالمي، منها على سبيل المثال لا الحصر المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا أمام تشلسي في العام 2021، ولعلنا نتذكر كم الفرص السهلة التي أهدرها الفريق أمام الحارس السنغالي إدوارد ميندي، ناهيك عن العرضيات والجمل التكتيكية التي افتقدت للقناص القادر على ترجمتها إلى أهداف، ونفس الأمر ينطبق على مباراة إياب نصف نهائي النسخة الأخيرة أمام ريال مدريد، وغيرها من الليالي التي جعلتنا نفهم أسباب محاولات غوارديولا السابقة للتوقيع مع أمير توتنهام هاري كاين وملك كرة القدم كريستيانو رونالدو، كأن الرجل كان يبحث عن آخر قطعة نادرة في مشروعه الطويل في عاصمة الشمال، ومن يحتفظ بنسخ «القدس العربي»، أو يبحث في الشبكة العنكبوتية بتاريخ 15 مايو / آيار 2022 عن مقالنا الأسبوعي بعنوان «لماذا تعاقد غوارديولا مع هالاند؟»، قد يشك لوهلة أنها قصة حديثة أو تم تعديلها مؤخرا بعد وصوله لذروة التوحش في الربع الأخير للموسم، وبالطبع بصوت عبقري السينما أحمد زكي في فيلمه الخالد «البيضة والحجر»، «لا هو سحر ولا شعوذة»، كل ما في الأمر، كنا محظوظين بالمشاركة في حملة ترويجية لتسليط الضوء على ألمع الجواهر الأوروبية المنتظر صعودها بسرعة الصاروخ في سماء الكرة العالمية في العام 2018، وقادتنا الصدفة لمعرفة قيمة الكنز الثمين الذي كان يمتلكه مواطنه أولي غونار سولشاير في فريق مولده، قبل أن تأتي لحظة الانفصال بذهاب صاحب الوجه الطفولي إلى مانشستر يونايتد لإنقاذ الفريق بعد طرد جوزيه مورينيو، ورغم محاولاته لنقل هذا الهالاند إلى «مسرح الأحلام»، إلا أن كلها باءت بالفشل. واحدة منها بسبب اختلاف موعد اللقاء الافتراضي بين مسؤولي الناديين، ليحدث التحول الدرامي في فترة ما قبل وبعد كورونا، بتوهجه فترة قصيرة مع ريد بول سالزبورغ ثم محطة خطف الأنظار مع بوروسيا دورتموند، رغم أنه كان يملك فرصة الذهاب إلى يوفنتوس أو الاستماع إلى اليونايتد مرة أخرى، لكنه فَضل الذهاب إلى البيئة المناسبة في تلك المرحلة، حيث كان هدفه الرئيسي، اكتساب المزيد من الخبرات والنضوج في الشخصية، قبل التفكير في خطوة الانتقال لناد كبير ينافس على الألقاب الكبرى ويلعب دائما تحت الضغط الجماهيري والإعلامي.
وما أظهره هذا المخلوق الفضائي قبل وصوله إلى ملعب «الاتحاد»، كان مؤشرا الى أنه سيكون صفقة العقد، وربما القرن للمان سيتي، شريطة تطويع طاقته الفولاذية لمصلحة المنظومة الجماعية، تماما كما فعلها غوارديولا من قبل مع الجلاد الأنيق روبرت ليفاندوسكي في بايرن ميونيخ، وليس بتكرار مأساة الاسكندينافي الآخر زلاتان إبراهيموفيتش في برشلونة، والآن مع استمرار الفريق في قتاله على الثلاثية التاريخية، بقلب الطاولة على آرسنال في حملة البحث عن البريميرليغ للمرة الثالثة تواليا، وضمان مقارعة عدو المدينة في نهائي كأس الاتحاد الإنكليزي، وبعد 48 ساعة سيكون أمامه فرصة مثالية للثأر من النادي الملكي في نصف نهائي الكأس ذات الأذنين، فأقل ما يُمكن قوله، إن إيرلنغ أعطى للهجوم والمشروع برمته ما يفوق المصطلحات الكلاسيكية «إضافة» و«بعد»، بتلك العبثيات الفردية المرعبة لأعتى وأكبر مدافعي أوروبا والعالم، التي جعلته يتحول إلى «بعبع» بكل ما تحمله الكلمة من معنى بالنسبة لخصومه، والعكس لجمهور السيتي الذي يعتبره «صانع السعادة» و «الرجل المُخلّص»، والأمر لا يتعلق فقط بسجله الخرافي، بتسجيل ما مجموعه 51 هدفا حتى الآن، منها 35 على مستوى البريميرليغ و12 في دوري الأبطال، بل أيضا لروحه القتالية وغيرته على شعار النادي، وتأثيره الكبير في المنظومة الهجومية، بالجمع بين الكمال على المستوى الفردي، بمحاكاة المعدلات التهديفية، التي كنا نعتقد أنها توقفت بعد تقدم الثنائي كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي في العمر، وبين المواصفات شبه المثالية للمهاجم الذي يُعرف بوصف «محطة»، يتنفس من خلاله الحارس إيدرسون بكرة طويلة في لحظات الضغط العالي من المنافسين، للاستفادة من قدراته الخارقة في حوارات الفضاء مع المدافعين، ونموذج يُحتذي به في الجماعية وتنويع الأفكار في شن الغارات كما يريد المدرب، بذكائه الفطري في التحرك بدون كرة لخلق مساحات للأجنحة الطائرة والقادمين من الوسط، بجانب مرونته في صناعة الفرص وتقديم التمريرات الحاسمة، تحت شعار «مصلحة الجماعة أولا».

الطريق نحو البالون دور

بعيدا عن كل ما سبق، لو سألنا 10 مشجعين لأندية مختلفة في كل قارات العالم عن أفضل لاعب في العالم في الوقت الراهن، أو اللاعب الأكثر تأثيرا على المستوى الفردي هذا الموسم، فعلى الأغلب ستكون الأغلبية بفارق أكثر من 50% للمهاجم النرويجي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل من الممكن أن تكتمل الصدمة بتتويج هذه الظاهرة بجائزة «الكرة الذهبية» كأفضل لاعب في العالم من قبل مجلة «فرانس فوتبول» الفرنسية؟ صحيح الإجابة تبدو معقدة وتحتاج شرحا مفضلا، لكن واقعيا فهي ليست مستحيلة، بل بدون مبالغة ليست بعيدة المنال، رغم أنه على الورق، تبدو وكأن فرص البرغوث ليونيل ميسي أقوى من الجميع، نظير ما فعله في نهائيات كأس العالم قطر 2022، بقيادة بلاده للتتويج بالمونديال الثالث تاريخيا والمنتظر منذ معجزة الراحل دييغو أرماندو مارادونا نسخة المكسيك 1986، بتسجيل 7 أهداف والمساهمة في 3 أهداف آخرين من أصل 15 هدفا سجلها بطل العالم في الملاعب القطرية، أما بإلقاء نظرة واقعية وعادلة، سنجد أنه وفقا للمعايير الخاصة بالتصويت لاختيار صاحب جائزة «البالون دور»، أن فرص ليو تراجعت أكثر من أي وقت مضى بعد عودته من الدوحة، بعبارة أخرى بعد وصوله الى قمة الاسترخاء والاكتفاء الكروي بعد احتفالاته الصاخبة بتحقيق حلمه الكبير، بالتقاط الصور التذكارية بكأس العالم في شوارع بوينس آيرس، وانعكاس ذلك على مستواه وأرقامه المتواضعة مع باريس سان جيرمان، والتي تسببت بشكل أو بآخر في وصول علاقته بالنادي والجماهير إلى طريق مسدود، حتى أنه يُقال إنه لن يظهر مرة أخرى بقميص فريق الأحلام، ليس فقط كجزء من العقوبات الصارمة المفروضة عليه، بل لتعثر مفاوضات تأمين مستقبله في «حديقة الأمراء» إلى ما بعد يونيو / حزيران المقبل، وذلك كما أشرنا أعلاه، في الوقت الذي يمارس فيه صاحب الـ22 عاما، كل أنواع الإرهاب الكروي على المنافسين، محققا ما فاق توقعات الفيلسوف غوارديولا، بإحداث نقلة سيُكتب عنها في كتب التاريخ في هجوم المان سيتي، إذا سارت الأمور كما يخطط لها بيب الى نهاية الموسم، ويكون هالاند بمثابة الأداة أو السلاح الذي مكنه من معادلة إنجاز شيخ المدربين سير أليكس فيرغسون، عندما فاز بالثلاثية الوحيدة الإنكليزية مع اليونايتد في العام 1999، وهذا في حد ذاته، قد يقلب الموازين ويعطي هالاند أفضلية كاسحة عن باقي المنافسين على الجائزة الفردية الأهم عالميا.

المعايير الجديدة

بعض المصادر الصحافية، ما زالت تتحدث عن أفضلية ميسي على هالاند في الصراع على «البالون دور»، بحكم ما تحمله البرغوث من ضغوط في أفضل مونديال في كل العصور، لكن لو عُدنا بالذاكرة إلى أغسطس / آب الماضي، وقبل أسابيع من تتويج كريم بنزيمة بالجائزة، سنتذكر بيان إدارة المجلة الفرنسية عن التعديلات الجديدة على معايير التصويت، والتي من المفترض أن يبدأ تطبيقها على أرض الواقع بداية من نسخة 2023، أبرزها العودة إلى الأصول القديمة، بعبارة لطيفة إلى معايير ما قبل حقبة كريستيانو رونالدو وليو ميسي، بوضع المستوى الفردي وتأثير اللاعب على نتائج فريقه على حساب الإنجازات الجماعية، تماما كما عهدنا الجائزة في تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية، بذهابها دائما وأبدا لأفضل لاعب في العالم من حيث الأداء والإبداع والتأثير، على غرار لويس فيغو 2000، مايكل أوين 2001، بافل نيدفيد 2003، أندريه شيفتشينكو 2004، فقط كان الاستثناء وربما اللغز الوحيد هو الغزال الأسمر تييري هنري، الذي كان يفعل كل شيء في كرة القدم، إلا إقناع المصوتين للجائزة بأحقيته في الفوز بها ولو مرة واحدة، ما يعني أن هذه المعايير الجديدة القديمة، التي ترتكز على فكرة استمرارية توهج وتألق اللاعب على مدار الموسم وليس على مدار عام ميلادي، بالكاد لا تنطبق على لاعب آخر هذا الكون أفضل من هالاند، على الأقل حتى هذه اللحظة، كهداف منتظر للبريميرليغ وبمعدل أهداف سيدوم للمرة الأولى في تاريخ وطن كرة القدم، ونفس الأمر في دوري أبطال أوروبا، بتربعه على عرش الهدافين برصيد 12 هدفا، مبتعدا بمسافة آمنة عن أقرب مطارديه، وأغلبهم تركوا البطولة، والحديث عن محمد صلاح صاحب الثمانية أهداف، لكنه ودع البطولة مبكرا على يد دابة الريدز السوداء في ثمن النهائي، وغونسالو راموس مهاجم بنفيكا، وهو الآخر توقف عند هدفه السابع بعد الخروج من الدور ربع النهائي على يد الإنتر الإيطالي، فقط لا يتبقى سوى فينيسيوس جونيور، لكن مهمته تبقى شبه مستحيلة، لحاجته لستة أهداف لمعادلة أهداف إيرلنغ، ويتبعه القائد المدريدي بأربعة أهداف فقط، كواحد من الأسماء الثقيلة، التي تحتاج معجزة من أجل الحصول على «البالون دور»، بسبب مشاكله مع لعنة الإصابة، وتأثيرها الكبير على مردوده البدني والفني مع الفريق في أغلب أوقات الموسم، باستثناء لحظاته الإبداعية السنوية في شهر رمضان، شأنه شأن مواطنه كيليان مبابي، الذي تبخر حلمه في تحقيق حلم «الكرة الذهبية» مرتين، الأولى لحظة الإخفاق في الاحتفاظ بالمونديال للمرة الثانية، والثانية بتوابع خيبة الأمل، تارة بصداع الانتكاسات العضلية، وتارة بالصدمات الباريسية المتتالية، بسلسلة النتائج المحطمة لآمال المشجعين، حتى بعد الخروج المبكر من إقصائيات دوري الأبطال أمام بايرن ميونيخ، آخرها السقوط بالثلاثة أمام لوريان في قلب «حديقة الأمراء»، وقبلها بشهر خرج من كأس فرنسا من دور الـ16 على يد الغريم الجنوبي مارسيليا.
الشاهد وما يصعب الجدال عليه، أنه باستعراض أبرز المرشحين المحتملين للقائمة المختصرة في تصويت «فرانس فوتبول»، لن نتفاجأ بأنهم متأخرون عن هالاند بمسافات ضوئية، والحديث مثلا عن الميغا ستار المصري محمد صلاح، الذي يبصم على واحد من أقل مواسمه مع ليفربول على مستوى تسجيل الأهداف في بطولته المفضلة البريميرليغ، بعدم كسر حاجز الـ20 هدفا في الربع الأخير، وهناك كذلك برونو فيرنانديز، وروبرت ليفاندوسكي، وهاري كاين، وفينيسيوس جونيور وكيفن دي بروين، هؤلاء بالكاد من سيتصدرون المشهد في قائمة العشرة الأوائل أو الأفضل، لكن السؤال الحقيقي، من يا ترى حافظ على مستواه وترك نفس تأثير اليافع الاسكندينافي على مدار الموسم؟
قولا واحدا: لا أحد، ويا حبذا لو جمع بين الأداء الفردي والإنجازات الجماعية في يونيو / حزيران المقبل، بقيادة السيتي لأول ثلاثية من هذا النوع في تاريخه، وهذا يتطلب عدم التنازل عن صدارة الدوري الإنكليزي الممتاز بأي ثمن، ثم افتراس الشياطين الحمر في نهائي الكأس، والأهم على الإطلاق ومفتاح تقدمه على ميسي والآخرين في الصراع على «البالون دور»، هو تجريد بطل أوروبا من لقبه في مواجهتي نصف نهائي ذات الأذنين، ويكون ختامه مسك مع المنتصر من حرب الشمال في إيطاليا بين ميلان وغريمه الأزلي الإنتر في الناحية الأخرى، أما غير ذلك، سيبقى تحت تهديد عظمة ميسي في هكذا مواعيد، كما حدث من قبل في العام 2019، باختياره للفوز بالجائزة على حساب قلب دفاع فيرجيل فان دايك، الذي توج في نفس العام بجائزة «ذا بيست»، كأفضل لاعب في العالم من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، نظير تأثيره الكبير في حصول ليفربول على دوري أبطال أوروبا، ومثله روبرت ليفاندوسكي، الذي اكتسح الأخضر واليابس مع ناديه السابق بايرن ميونيخ في حملة 2020-2021، بإنهاء الموسم وفي جعبته 48 هدفا في مختلف المسابقات، بخلاف ألقابه مع الزعيم البافاري، في المقابل كان ليو قد أنهى موسمه الأخير مع برشلونة في المرتبة الثالثة في جدول ترتيب أندية الليغا، والفوز بكأس الملك، لكن حصوله على كوبا أميريكا مع الأرجنتين، ساعده على الظفر بالجائزة السابعة في تاريخه، فهل سيتكرر نفس المشهد ويكون هالاند هو ضحية البالون دور الثامنة لميسي؟ أم أن المعايير الجديدة ستكون فارقة هذه المرة؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية