أحلام أطفال غزة مزقتها الصواريخ وفستان الزفاف استبدل بكفن أبيض

أشرف الهور
حجم الخط
1

خلت شوارع غزة من المارة، وأوصدت المحال التجارية أبوابها، وبات المشهد أشبه بمدن الأشباح لتيقن الجميع بمدى تعطش دولة الاحتلال إلى إراقة الدماء.

غزة ـ «القدس العربي»: لم تكن تنتهي غزة من معايشة تصعيد عسكري الأسبوع قبل الماضي، حين استشهد الأسير خضر عدنان، حتى عاشت بعد أسبوع هجوما عسكريا إسرائيليا خطيرا، أعاد للذكريات تلك الأيام الصعبة والحزينة التي كانت تعيشها وقت الحروب السابقة، والتي تتعمد فيها إسرائيل تحويل الأفراح إلى أتراح، وتقتل فيه أحلام السكان بواقع أجمل.

وفي خضم حالة الهدوء، وليل غزة الساكن، خرجت أكثر من 40 طائرة حربية إسرائيلية بينها النفاذة والمروحية، والمسيرة، لتتسلل في جنح الظلام، وتغطي سماء غزة، التي غط سكانها في نوم عميق، مستندين إلى قرار وقف إطلاق النار الذي أرسي بتدخل الوسطاء، حتى تبدد السكون وتفجرت كتل اللهب لتحول الليل إلى نهار، وتزهق الصواريخ الإسرائيلية التي أطلقتها المقاتلات الحربية في الضربة الأولى 13 فلسطينيا، هم ثلاثة من قادة حركة الجهاد الإسلامي، ونسائهم وأطفالهم وجيرانهم.
المعركة التي فرضتها دولة الاحتلال التي تقودها حكومة يمينية متطرفة، على قطاع غزة، جاءت لإرضاء الأقطاب المتشددة في هذه الحكومة، وفي مقدمتهم الوزير المتطرف إيتمار بن غفير، الذي سبق وأن اعترض على ما وصفه بـ «الرد الضعيف» على التصعيد السابق، حين استشهد الأسير خضر عدنان، وهدد وقتها بالانسحاب من الائتلاف الحاكم الذي يقوده بنيامين نتنياهو، ما يعني للأخير أن ائتلافه سينهار، وسيتجه نحو انتخابات مبكرة، تفيد استطلاعات الرأي بخسارته فيها بشكل لا يعيده مجددا للحكم.
ولذلك اختار نتنياهو بقاء حكومته على حساب دماء الفلسطينيين والأطفال العزل، وليمارس هوايته المفضلة في غزة، وهي القتل والدمار وقصف المنازل وتخويف المدنيين، وهو ما ظهر جليا حين أيد المتطرف بن غفير على عجل عمليات نتنياهو في غزة، لينهي بذلك خروجه من الحكومة.
وكشفت تقارير عبرية، أن تخطيط هذه العملية كان مبيتا، واتخذ رسميا الثلاثاء قبل الماضي، بعد انتهاء جولة التصعيد السابقة، أي اليوم الذي علق فيه بن غفير مشاركته في الحكومة، وامتنع أعضاء حزبه الستة حضور جلسات التصويت في «الكنيست» لصالح قوانين يريد حزب «الليكود» الحاكم تمريرها، فيما جرت المصادقة على الاغتيالات رسميا من قبل نتنياهو، يوم الجمعة قبل الماضية، خلال اجتماع أمني شارك فيه وزير الجيش وقادة الأمن في مقر جهاز الأمن العام «الشاباك» ليعطي الضوء الأخضر لتلك الطائرات الحربية، بإطلاق صواريخ فتاكة، كان يعلم وقادة جيشه أنها لن تقتل المطلوبين وحدهم، وستمزق أجساد أطفالهم أيضا.
ما كان مؤلما على غزة، أن العملية العسكرية هذه والتي أطلق عليها جيش الاحتلال اسم «الدرع والسهم» في عبارة تدل على أنها ترتكز للدفاع والهجوم في آن واحد، أنها ترافقت مع الذكرى الثانية للحرب الأخيرة على غزة في أيار/مايو عام 2021 وهي الحرب التي لا يزال سكان القطاع يعايشون تفاصيلها الدقيقة.
فعوائل شهداء تلك الحرب لم تنس ما حل بها من دمار وقتل، والتي هدمت منازلها كثير منها لم تعد بناءها، فيما لا تزال عوائل أخرى تشيد منازلها، وتستذكر الذين قضوا تحت الركام، متأثرين بالقصف الإسرائيلي العنيف.
كما تسبب الهجوم الحربي الإسرائيلي الجديد، في مآس جديدة، فقد دمرت الغارات عشرات المنازل بشكل كلي وجزئي، وأحدث حالة من الرعب والخوف في صفوف المدنيين لا سيما الأطفال والنساء.
وتعمدت قوات الاحتلال خلال العدوان تدمير نحو 20 وحدة بشكل كامل، كما تضررت 532 وحدة منها 37 غير صالحة للسكن و495 جزئي وبليغ.

الصواريخ قتلت أحلام الأطفال

وهنا لا بد من التذكير، أن الهجوم الإسرائيلي «الدرع والسهم» ركز على المدنيين ليوقع في صفوفهم الخسائر الكبيرة، رغم مزاعم الاحتلال أن الهدف منه هو تصفية قيادة المقاومة، إذ لم ترحم الصواريخ الإسرائيلية المزارعين في حقولهم، فحولت أجسادهم إلى أشلاء كما حصل مع المزارع محمد أبو طعيمة، ومن قبل لم ترحم الصواريخ الإسرائيلية أطفال غزة، حيث استهلت قوات الاحتلال هجومها العسكري الجديد، بقتل أربعة أطفال، وهم الطفلان علي وميار، نجلا الشهيد طارق عز الدين أحد المستهدفين في الغارات، وكلاهما قضيا ليلتهما يحلمان برحلة المدرسة الترفيهية في اليوم التالي، دون أن يعرفا أنهما سيرحلان عن الدنيا بلا رجعة، وهو أمر نبهت إليه مدرسة الطفل علي، الذي نعته بكلمات يعتصرها الألم.
وكذلك قضت الطفلة هاجر البهتيمي، ابنة الشهيد خليل البهتيمي، والطفلة إيمان عدس، والتي قضت في القصف، وهي تحتضن دميتها، وقضت إيمان ليلتها الأخيرة، وهي تحلم في اليوم التالي للذهاب إلى الجامعة برفقة شقيقتها دانية التي قضت أيضا في القصف، لترى ذلك الصرح الذي حلمت بأن تدرس فيه الطب.
وقصة هؤلاء الأطفال تشابه قصصا أخرى لأطفال فلسطينيين كانوا ضحايا الغارات الإسرائيلية، حين سقطت صواريخ الاحتلال على منازلهم، فحولتها إلى ركام، وهؤلاء عينة بسيطة من أطفال غزة الذين ترقبوا وعوائلهم الموت في أي لحظة، خاصة وأن صواريخ الطائرات الحربية الإسرائيلية ضربت في كل مكان.
ولم تكن مأساة الأطفال هي الوحيدة خلال التصعيد العسكري، فقد قتلت الصواريخ الإسرائيلية فرحة عروسين كانا يستعدان، لحفل الزفاف، وذلك بعد أن سقطت العروس دانيه عدس شقيقة الطفلة إيمان، في الغارات الجوية الأولى.
هذه الفتاة التي تبلغ من العمر (19 عاما) كانت تستعد مع خطيبها محمد سعد، البدء في التحضيرات النهائية لحفل الزفاف، وحاليا يعيش هذ الشاب حالة الصدمة، بعد أن ودع خطيبته إلى الأبد، فروحها فاضت لبارئها في القصف الجوي، ومكث في بيت العزاء، يواسيه الأقارب والأصدقاء، يحمل في قلبه ذكريات جميلة، وقد كان يحلم بذلك اليوم الذي يتلقى فيه التهاني لا التعازي، حتى أن الغارة أتت على جهاز العروس الذي حضرته تمهيدا لمراسم الزفاف، والذي اتفق سابقا أن يكون في حزيران/يونيو المقبل، وإلى جانب العريس يعيش والدها الصدمة، لفقدانه ابنته العروس دانيه، وشقيقتها الأصغر إيمان.

الثوب الأبيض بشكل آخر

الشقيقتان ارتديتا ثوب الكفن الأبيض، بدلا من «بالطو» الأطباء حيث حلمت الصغيرة، وفستان الزفاف الأبيض، الذي كانت الشقيقة الكبرى تستعد لارتدائه يوم زفافها، ويقول والد الشقيقتين «إيمان كانت متفوقة بالمدرسة، وأمنتيها أنها تدرس طب، لكن الاحتلال دمر حلمها الكبير». وفي غزة لك أن تتخيل أن الخوف والخشية من الموت يكون ظاهرا وقت التصعيد والحروب في كل المناطق، حيت شلت الهجمات الإسرائيلية الحركة بشكل كبير، وألزمت السكان منازلهم، ولم يهنأ أطفال غزة باللهو في الشوارع كعادتهم، بعد أن أوصدت عوائلهم أبواب منازلها، خشية من أن تطالهم الصواريخ في أماكن اللهو، رغم إدراكها أن جدران المنزل أيضا لا تمنع دخول الصواريخ، على غرار مجازر سابقة نفذها الاحتلال، وآخرها الضربة الجوية الأولى للعملية العسكرية.
كما خلت الكثير من شوارع غزة من المارة، وأوصدت المحال التجارية أبوابها، وبات المشهد أشبه بـ «مدن الأشباح» لتيقن الجميع بمدى تعطش دولة الاحتلال إلى إراقة الدماء، التي يعتبرها قادة حكومة تل أبيب، انتصارا في جولات القتال، حيث تدلل الهجمات الدامية المباغتة، أن دولة الاحتلال التي تتحكم في ساعة الحرب والسلم، تتعمد دوما أن تجعل السكان المحاصرين تحت سيف الحرب وتداعياتها المخيفة، تحت مسمى «الردع».
وفي غزة التي تعيش الصدمة توقفت كل مظاهر الفرح، وأجلت حجوزات الأفراح، في وقت انتشرت فيه بيوت عزاء في كافة مناطق القطاع.

مأساة إنسانية

وأكدت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» أن الخسائر في الأرواح بين المدنيين في قطاع غزة، بمن فيهم النساء والأطفال تعد «مأساة حقيقية» فيما قالت الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال إن استهداف أطفال فلسطين وقتلهم سياسة ثابتة لدى الاحتلال الإسرائيلي.
جدير ذكره أن سكان غزة يترقبون حتى في أوقات التهدئة ووقف إطلاق النار، أيام الحرب والدمار والحصار، بفعل سياسة ممنهجة لدولة الاحتلال، هدفت من خلالها إلى تحويل حياتهم إلى جحيم، فهنا قدر السكان أن يعايشوا حربا تنتهي وينتظروا أخرى قد تندلع في أي وقت، وأن يعايشوا مشاهد الموت بكل تفاصيلها الخطيرة.
ودمرت الغارات الجوية العديد من المناطق والأراضي الزراعية الواقعة في مناطق الحدود الشرقية لقطاع غزة، وعلى مدار أيام التصعيد والهجمات، حرم على المزارعين الوصول إلى أراضيهم، فيما جرى استهداف من غامر بالذهاب إليها على أمل كسب الرزق.
كما لم تكتف دولة الاحتلال بإراقة الدماء، وتعمدت إغلاق المعابر سواء التجاري كرم أبو سالم، أو المخصص للأفراد بيت حانون إيرز، وفي هذا الشأن قال سلامة معروف رئيس المكتب الإعلامي الحكومي، إن الاحتلال لم يكتف بجريمة الاغتيال والقصف، بل عمد إلى إغلاق المعابر المؤدية لقطاع غزة؛ ليزيد من تفاقم الأوضاع الإنسانية داخل القطاع المحاصر، وينذر بأزمة إنسانية.
وبسبب إغلاق المعابر، قالت وزارة الصحة، إن الأمر يحرم عشرات المرضى الذين يعانون من أمراض خطيرة من الحصول على العلاج في مشافي الضفة والقدس ومناطق 48 غالبيتهم مرضى أورام، وقالت إن هناك حالات انقاذ حياة، حرمت من المغادرة للعلاج في تلك المستشفيات، علاوة عن منعها دخول الأدوية للقطاع، لعلاج المصابين، بسبب إغلاق المعبر التجاري، الذي تمر منه الشاحنات، في الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال أيضا احتجاز الأجهزة الطبية التشخيصية لأكثر من 18 شهراً.
واستنكر مركز الميزان لحقوق الإنسان العدوان المفاجئ، وتشديد الحصار على قطاع غزة وإغلاق المعابر، وحذر من تفاقم الأوضاع الإنسانية والمعيشية لأكثر من مليوني إنسان، وطالب المجتمع الدولي بتدخل فاعل وإعمال المحاسبة عن جرائم الحرب المرتكبة، أما جمعية الهلال الأحمر الفلسطينية، فقد أكدت أن حصار غزة، ينذر بأزمة إنسانية في ظل الشح الكبير في المستلزمات والمواد الطبية التي تعاني منه المنظومة الصحية، وأكدت أن القانون الدولي الإنساني يوجب على سلطات الاحتلال، أن تسمح بعمليات الإغاثة لمصلحة سكان الأرض المحتلة، وأن تسهل مرورها.
والجدير ذكره أن رغم المجازر التي اقترفتها قوات الاحتلال، وتشديد الحصار حتى على المرضى، إلا إنها لم تلاق التنديد الدولي المطلوب، وهو أمر يؤكد الفلسطينيون أنه يشجعها على الاستمرار في ارتكاب المجازر وعمليات القتل، ولذلك نددت وزارة الخارجية الفلسطينية بـ «تدني» مستوى الردود الدولية على جريمة الاحتلال في غزة، واعتبرت ذلك الموقف «انعكاساً لازدواجية المعايير الدولية في التعامل مع القانون الدولي وقضايا ومبادئ حقوق الإنسان».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية