الفيلم الوثائقي «بغداد تثور» للمخرج العراقي كرار العزاوي: جرأة تقنيات السرد في رؤية الواقع وتوثيق اللحظة التاريخية

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

صانع الفيلم الوثائقي ما هو إلاّ سارد لحكاية أو موضوع، ولابد من أن تتوفر في شخصيته خبرة تقنية للوصول إلى الكيفية الفنية التي ينبغي أن تُقرأ فيها المادة الخام الواقعية، ولن يتحقق ذلك إلاَّ عبر انحيازه إلى رؤية سردية تتكثف فيها لوحات زاخرة بالحياة الواقعية، وهذا يعني أن المخرج هو صاحب الخيار الأول في انتقاء الموضوع واختيار شكل المعالجة التي ينتظم فيها سياق السرد المونتاجي.
وتُشير الأكاديمية باتريشيا أوفدر هايدي مؤلفة كتاب «الفيلم الوثائقي» الصادر عن مؤسسة هنداوي في المملكة المتحدة عام 2017 إلى أن «مصطلح الفيلم الوثائقي ولِد من رحم الممارسة المبكرة، وكانت ولادةٌ صاحَبَها الارتباك، فحين بدأ رواد الأفلام أواخر القرن التاسع عشر لأول مرة في تسجيل أفلام لأحداث من واقع الحياة، أطلق البعض على ما كانوا يصنعونه اسم أفلام وثائقية، بيد أن المصطلح ظل غير ثابت لعقود. وأطلق آخرون على أفلامهم تسميات مثل «تعليمية» و«واقعية» و«تشويقية». والمحصلة النهائية لهذا الارتباك في تحديد التسمية، أن اتفق الجميع بأن الفيلم الوثائقي «التجسيد الفني للواقع». واستطاع هذا المفهوم أن يرسخ حضوره الاصطلاحي في إطار النقد المنهجي، نظرا لصياغته اللغوية التي تحمل مرونة في التوصيف».
يسرد لنا الفيلم الوثائقي «بغداد تثور» إنتاج عام 2023 للمخرج العراقي كرار العزاوي المقيم في النرويج، حكاية تظاهرات انطلقت من ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد في الأول من تشرين الأول/أكتوبر عام 2019 وكان الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم العشرينات يمثلون قاعدتها الأساسية، رغم مشاركة آخرين فيها من أجيال مختلفة، وقد استمرت على مدى عام كامل، حيث اعتصم الشباب من الجنسين في الساحة بعد أن نصبوا فيها خياما أصبحت بمثابة مدينة كاملة، توفرت على كل ما قد يساهم في استمرارها، فكانت هناك خيم لتقديم إسعافات أولية لمعالجة المصابين والجرحى، وخيمة لبث برامج وحوارات إذاعية لتوجيه المعتصمين والمتظاهرين، كما أصدروا صحيفة ورقية خاصة، أيضا شهدت الخيام أمسيات لقراءة النصوص الشعرية وندوات ثقافية وعروضا للأفلام، إضافة إلى خيم كانت تقدم الطعام للشباب تبرع في تمويلها مواطنون تضامنوا مع المتظاهرين، ولعل أبرز ما شهدته التظاهرات ذلك التعاضد الكبير من قبل سائقي عربات الـ «تك توك» الصغيرة، ومعظمهم من سكنة الأحياء الفقيرة في ضواحي بغداد، حيث تطوع العشرات منهم لنقل المصابين والقتلى من الشباب بعد أن ينال منهم الرصاص والغاز المسيّل للدموع، فالقوات الأمنية وعناصر أخرى مسلحة لجأت إلى استخدام العنف المفرط والرصاص الحي، خاصة من قِبل مجموعة من القناصين الملثمين لم تعرف هويتهم، كانوا قد اتخذوا مواقع لهم على أسطح أبنية مرتفعة تقع على مقربة من ساحة الاعتصام وجسر الجمهورية الذي شهد أكثر المواجهات شراسة بين الطرفين.

إحصائيات العنف

تشير إحصائيات مجموعة من المنظمات المعنية بحقوق الإنسان إلى أن عدد قتلى المتظاهرين بلغ أكثر من 1000 شخص، وأُصيب أكثر من 17 ألفا بجروح، من بينهم 3 آلاف إعاقة جسدية، إضافة إلى اعتقال العديد من المحتجين، وتشير المصادر إلى أن هذه الاضطرابات تعد الأكثر فتكاً في العراق منذ انتهاء الحرب على تنظيم داعش الإرهابي في كانون الأول/ديسمبر2017.
اعتمد الفيلم في بناء حكايته على قصة شابة عراقية اسمها طيبة فاضل لم تتجاوز السادسة عشر من عمرها حملت في داخلها بذور الثورة على الواقع، بعد أن قررت الانفصال عن زوجها الذي ارتبطت به نزولا عند رغبة أهلها عندما كانت في الرابعة عشر من عمرها، إذ اكتشفت بعد مرور بضعة أشهر على زواجها أنها فقدت حياتها وحريتها، مع زوج لا ترتبط معه بأيّة مشاعر، وأنَّ سلوكه معها إتسم بالهمجية، حسب ما ورد على لسانها في بداية سردها لقصتها، وإلى جانب طيبة الشخصية المحورية والساردة للأحداث، يقدم لنا الفيلم مجموعة صغيرة من الشباب والفتيات تعرفت عليهم حال وصولها إلى ساحة التحرير، في مقدمتهم يوسف ستار الشاب النحيل الذي كرَّس جهده في توثيق يوميات المتظاهرين عبر كاميرته، إضافة إلى عمله ضمن مجموعة المسعفين، فنشأت بينهما علاقة وثيقة كان من الممكن أن تصبح علاقة عاطفية في لو التقيا في ظرف آخر، وهناك أيضا زميلهم الثالث قادر طه.
تتحرك طيبة بحيوية عالية بين خيم المعتصمين، تجمع الأغطية والطعام لمجموعة من الشباب اختاروا أن يعسكروا بخيامهم على ضفة نهر دجلة بمواجهة القوات الأمنية التي كانت تبعد عنهم بضعة أمتار متحصنة بأسلحتها خلف متاريس كونكريتية أقامتها فوق جسر الجمهورية، كما تشارك في الحوارات التي تدور بين الشباب خلال الفترات التي تشهد توقفا مؤقتا للمواجهات الشرسة التي كانت تدور بين طرفي الصراع، ويمكن اعتبارها نموذجا للجيل الجديد الذي شهد العراق ولادته بعد احتلال بغداد في التاسع من نيسان/ابريل 2003 ومن خلال نقاشاتهم يبدو واضحا أنهم يحلمون بوطن خال من آفة الطائفية التي كرستها القوى السياسية المشاركة في النظام التي استلمت السلطة من الأمريكان، وأن ما يجمعهم هي فكرة العيش بأمان في بلدهم بعد أن أغرقته السلطة بالعنف والفساد.

أسئلة تشكيل الصورة

قد يطرح سؤال: أين تكمن الفرادة في هذا الشريط الوثائقي؟ من الممكن أن تتوفر لنا عشرات الأشرطة الوثائقية التي سجلتها عدسات القنوات الإخبارية عن تظاهرات تشرين منذ انطلاقتها وحتى ساعة القضاء عليها، ومن الوارد جدا أنها تمكنت من تغطية الكثير مما شهدته من أحداث ومواجهات، لكن غالبية هذه الأشرطة لم تستطع أن تتوغل في أعماق من شارك فيها وتقترب من هواجسهم وأحلامهم ومخاوفهم وعوالمهم الداخلية. بمعنى أنها عجزت عن ملامسة حقيقتهم الجوهرية، وبقيت معالجاتها أفقية لأنها تعاملت مع ما يظهر على سطح الأحداث، وهي بذلك لم تخرج عن الوظيفة الإخبارية للقنوات والوسائط الإعلامية. إلاَّ أن السردية التي قدمها لنا هذا الفيلم من خلال طيبة وزميلها يوسف وبقية من كانوا معهما من الشباب، جعلتنا كمتلقين نتأمل الصورة/الحدث من زاوية قريبة جدا، يعجز الإعلام الخبري عن التقاط دلالاته، وفي هذه المسألة يبدو الفيلم قد نجح في إعادة تشكيل تفاصيل الحقيقة التي عملت ماكنة السلطة الإعلامية على تزييفها وتغييبها.
بدا واضحا أن المخرج بقدر ما كان يهدف إلى توثيق التفاصيل الواقعية، كان ساعيا إلى أن يعيد تركيب الحكاية وصياغتها بعيدا عن السردية الخبرية للإعلام وعن تحريف المؤرخ الرسمي. وبناء على ذلك فإن الفيلم قد اكتسب خاصيته في إثارته للجدل حول مصداقية الحكاية، وقدم للمتلقي مادة وثائقية جديرة بالتأمل والقراءة، توفرت فيها عناصر جمالية واقعية، بما يعني أن خيارات المخرج الفنية في السرد قد ابتعد فيها عن مسارات الرؤى النمطية، فكان للشكل الجمالي حضوره البيِّن في إيصال قناعاته فيما هو يحاول إيجاد الكيفية التي يجسد فيها الواقع، ويقترب من حقائقه المطوية خلف ظاهر الصورة، فالعناصر الفنية التي استند عليها البناء المونتاجي، خلت من أيّة مؤثرات خارجية، ولكي يحقق المصداقية لرؤيته، لم يعتمد على توجيه وتحريك الشخصيات الأساسية، ولم يطلب منهم إعادة تصوير بعض المشاهد والأحداث، مثلما يلجأ بعض صناع الأفلام الوثائقية، بل اكتفى بأن ترافقهم كاميرته، إضافة إلى استعانته بما سجلته كاميرات هواتفهم الشخصية من أحداث، وهذا بالتالي جاء لصالح تأكيد رؤيته وفي أنه لم يكن يسعى إلى خلق بِنية تخيليية، لذا بدا الواقع عاريا والحقيقة خالية من أية رتوش فنية.
وعادة ما يلجأ مخرجو الأفلام الوثائقية إلى توظيف بعض تقنيات السرد في الفيلم الروائي، طالما أنهم بصدد بناء قصة لها بداية ووسط ونهاية، لأجل أن يستغرق المتلقي عاطفيا مع شخصيات الفيلم وأحداثه، وهذا ما تحقق في هذا الفيلم عندما تابع رحلة شخصياته الرئيسية وانخراطهم في يوميات التظاهرات، مرورا بما عاشوه من لحظات وتفاصيل تأرجحت بين الفرح والخوف، وانتهاء بسقوط يوسف المصور على إسفلت الشارع مضرجا بدمائه بعد أن تلقى رصاصة قاتلة في رأسه، وما أعقب ذلك من صدمة وحزن زميلته طيبة وبقية الشباب الذين كانوا يبيتون معا في نفس الخيمة.
هذا الشريط الذي تحققت في بنيته العناصر الجمالية للفيلم السينمائي الوثائقي، أتاح لنا ما لم يكن باستطاعتنا رؤيته عن حكاية انتفاضة تشرين وحقيقتها الإنسانية المُغيَّبة، بالشكل الذي تجاوز فيه رؤية السلطة السياسية عنها، لذا يعد وثيقة مهمة، كما انطوى أسلوب الفيلم على حبكة واقعية في سرد الأحداث، اعتمد فيها على شخوص وعناصر كانت جزءا من الحدث لحظة وقوعه أثناء تصوير الفيلم، فما من راوٍ خارجي استعان به المخرج ليخبرنا بما حدث، وهنا تكمن جاذبيته.
تشير التغطيات الصحافية إلى أن تظاهرات تشرين الأول/أكتوبر بدأت في بغداد وعدد من محافظات جنوب العراق وعلى وجه خاص محافظة ذي قار (الناصرية) احتجاجاً على تردّي الأوضاع الاقتصادية للبلد، وانتشار الفساد المالي والإداري والبطالة، ثم ارتفع سقف المطالب إلى إسقاط النظام الحاكم واستقالة حكومة رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي، وتشكيل حكومة مؤقتة وإجراء انتخابات مبكرة. كما ندّد المتظاهرون بالتدخل الأمريكي والإيراني في العراق وأحرقوا العلم الإيراني وعددا من قنصليات طهران ومقرات الأحزاب والميلشيات المتنفذة في جنوب العراق. وفي 31 تشرين الأول/أكتوبر 2020 رفعت السلطة خيام المعتصمين بعد أن تمَّت السيطرة عليها من قبل الأجهزة الأمنية، بذلك طويت صفحة ساخنة من تظاهرات تشرين، إلا أن فيلم كرار العزاوي مثلما ابتدأ بمشهد طيبة وهي تهتف مع المتظاهرين انتهى أيضا بنفس المشهد، في إشارة إلى أن روح الثورة لم تخمد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية