لندن ـ «القدس العربي»: تأجل حسم المقعد الذهبي الأول في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا، بعد خروج بطل ومتصدر الدوري الإنكليزي الممتاز مانشستر سيتي من قلعة «سانتياغو بيرنابيو»، بأقل الخسائر، بتعادله الإيجابي مع ملك القارة ريال مدريد بهدف لكل فريق، لتبقى الأمور معلقة وقابلة لكل الاحتمالات والتوقعات في معركة الإياب، التي سيحتضنها ملعب «الاتحاد» في مدينة مانشستر في آخر ساعات يوم الأربعاء المقبل، على عكس مؤشرات مباراة نصف النهائي الأخرى، التي قتلت إكلينيكيا، بسقوط ميلان أمام غريم المدينة الإنتر بثنائية نظيفة في ذهاب «سان سيرو».
كش ملك
كان الاعتقاد، أننا سنشاهد مباراة مفتوحة على مصراعيها من كلا الطرفين، تكرارا لدراما لقاء الذهاب في النسخة الماضية، الذي شهد سبعة أهداف، بواقع أربعة باللون السماوي وثلاثة بالأبيض الملكي، لكن على أرض الواقع، كانت قصة مختلفة تماما، فكانت موقعة تكتيكية من الطراز الأول، حاول خلالها كل مدرب الاستفادة من نقاط ضعف الآخر، مع تحضير وقراءة موفقة للأحداث وسيناريو الـ90 دقيقة من قبل المدربين بيب غوارديولا وكارلو أنشيلوتي، وشاهدنا كيف تفوق كل فريق في التضييق على نقاط قوة ومفاتيح لعب الآخر، باستثناء الربع ساعة الأول، الذي شهد أفضلية واضحة للفريق الضيف السماوي، تجلت في الاختبارات التي تعرض لها حامي عرين أصحاب الأرض تيبو كورتوا، منها تسديدة قوية من لاعب الوسط رودري، أبعدها العملاق البلجيكي بأطراف أصابعه إلى ركلة ركنية، وشبه انفراد لإيرلنغ هالاند، ما أعطى إيحاء للمشاهد العادي، الذي لا يعرف ثقافة وإرث اللوس بلانكوس في بطولته المفضلة، أنها ستكون مباراة من طرف واحد، في ظل معاناة توني كروس وفيد فالفيردي ولوكا مودريتش، في مواجهة الموج السماوي العالي، بالزيادة التي أوجدها المدرب الكتالوني في وسط الملعب، باعتماده على خطة 3-6-1 في الحالة الهجومية، حيث يتحول المدافع جون ستونز إلى لاعب وسط ارتكاز، لضمان التغطية العكسية مع كايل ووكر في الجانب الأيمن ومانويل أكانجي في الجهة الأخرى، وهذا ما أحبط مخطط الميستر كارليتو في البداية، بإفساد كل محاولات الهجوم المعاكس، بمنع السهم الخارق فينيسيوس جونيور من رفاهية أخذ الكرة في موقف لاعب ضد لاعب على مشارف مربع العمليات، ونفس الأمر بالنسبة لمواطنه رودريغو غوس، الذي قضى ليلة عصيبة مع أكانجي في الرواق الأيمن. لكن مع الوقت، أو بالأحرى بعد فشل الغارة المانشستراوية في تحقيق الهدف المنشود، بأخذ الأسبقية وإرباك نادي القرن الماضي أمام مشجعيه، جاء العقاب المدريدي المعتاد في هكذا سهرات، بهدف جاء على عكس أحداث سير المباراة، بما هو أشبه بالهجمة المرتدة، بدأت بانطلاقة أولمبية للفرنسي ادواردو كامافينغا، مستغلا ابتعاد رودري عنه بأكثر من 20 متراً، ليقطع طول الملعب في طرفة عين، وفي الأخير وضع الكرة على طبق من ذهب عيار 24 أمام ظاهرة العصر فينيسيوس جونيور، ليستخرج هو الآخر الجديد من مستودع موهبته، باستعراض تطوره في مهارة إطلاق الصواريخ بعيدة المدى، بقذيفة من زمن العمالقة، حاول منعها زميله في صفوف المنتخب إيدرسون، لكن من دون جدوى، ولنا أن نتخيل، أن الهدف جاء من أول محاولة بيضاء بين القائمين والعارضة عند الدقيقة 36.
النجاة من الفخ
لاحظنا انفجار الأدرينالين الأبيض في كل متر في الملعب، بعد هدف فيني الصاروخي. لكن في المقابل، بدا وكأن فريق بيب غوارديولا، قد وقع في الفخ المدريدي، بحالة من الاسترخاء والاستسلام في آخر دقائق الحصة الأولى، على غرار ما حدث مع حدث مع ليفربول وتشلسي في لحظات ضعفهم أمام كتيبة كارلو أنشيلوتي، ليأتي دور الأصلع الكتالوني بين الشوطين، كما وضح في الـ45 دقيقة الثانية، وشاهدنا تحرر اللاعبين وعودة النسخة والكرة المعروفة عن أقوى وأشرس فريق أوروبي في الوقت الراهن، مع استغلال مثالي لثغرات اللوس بلانكوس، أبرزها استغلال المساحة التي يتركها كامافينغا في غزواته العنترية في الجهة اليسرى، رغم انه صحيح أن اليافع الفرنسي بصم على واحدة من أفضل مبارياته في مركز الظهير الأيسر، لكن عانى الأمرين في بعض المواقف الدفاعية في الشوط الثاني، ونفس الأمر بالنسبة للظهير الأيمن داني كاربخال، في مباراته الخاصة المعقدة مع جاك غريليش، هذا ولم نتحدث عن ضعف التغطية في الحلقة الفارغة بين رباعي دفاع الميرينغي وثلاثي الوسط، بسبب التركيز على مراقبة كبير الجلادين إيرلنغ براوت هالاند، وعزله عن كيفن دي بروين وباقي أفراد عصابة السيتي. وأيضا كانت هناك علامات استفهام كثيرة على تمركز توني كروس وفيد فالفيردي، الذي أعطى رودري والأشقر البلجيكي وإلكاي غندوغان، العديد من الفرص للتسديد بأريحية من على حدود منطقة الجزاء، وكما نقول دائما، لولا يقظة الاخطبوط كورتوا، وتصدياته شبه الإعجازية، لما انتهت المباراة على نتيجة التعادل الإيجابي، وتكفي مراجعة حركته وتكنيكه في مشهد انفراده الصريح مع نجم الشوط الثاني دي بروين، والأهم التركيز على رد فعله بقبضة يده اليمنى، في لقطة أعادت إلى الأذهان تصدي مانويل نوير الخارق أمام كريستيانو رونالدو، باستعراض قبضة يده الحديدية لإيقاف تصويبه بنفس القوة من داخل منطقة الجزاء، قبل أن تأتي اللحظة الكاشفة، باستسلامه أمام مدفعية زميله في منتخب الشياطين الحمر البلجيكي، ومن نفس المنطقة المستباحة في الصحراء الجرداء بين رباعي الدفاعي وتوني كروس وفالفيردي ومودريتش. واللافت، أن الهدف السماوي، جاء بالأسلوب العقابي المدريدي، في الوقت الذي كان الجميع في «البيرنابيو» ينتظر لقطة الهدف الثاني، تماما كما خطف فينيسيوس هدف الأسبقية في وقت فورة المان سيتي في الشوط الأول.
اختفاء العلامات الفارقة
يبقى العنوان الرئيسي لقمة ذهاب الريال والسيتي، هو اختفاء العلامات الفارقة هنا وهناك، والحديث عن القائد والهداف المدريدي كريم بن زيمة، وفي الجانب الآخر هالاند، ولم نشاهد الاثنين إلا في لقطات نادرة، نتذكر منها رأسية الجزائري الأصل التي تصدى لها الحارس البرازيلي بثبات، والتسديدة السهلة التي أهدرها النرويجي من داخل صندوق العمليات، وهذا ليس تقصيرا منهما، بل نتيجة المبارزة التكتيكية الخالصة بين بيب والميستر الإيطالي، بتعاملهما الواقعي مع المباراة، لتجنب خسارة البطاقة قبل رحلة ملعب «الاتحاد»، والدليل على ذلك، أننا شاهدنا مباراة شبه مغلقة تماما، وفيها هامش أخطاء لا يزيد على 1%، وكان الحل الوحيد لكلا الفريقين هو الاعتماد على التصويب من خارج منطقة الجزاء، بما في ذلك هدفا الملحمة، من دون أن نبخس حق مدافعي الفريقين، بتفوق كاسح لديفيد آلابا وأنطونيو روديغر على هالاند، ونفس الأمر بالنسبة لروبن دياز وجون ستونز مع الدولي الفرنسي السابق بن زيمة، باستثناء ومضات على فترات متباعدة لفينيسيوس جونيور، الذي يُثبت من مباراة لأخرى، أنه النسخة الكربونية لابن جلدته نيمار جونيور، في أعظم لحظاته في موسمه الأخير مع ناديه السابق، عندما اقترب من منافسة كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي على «البالون دور»، بنسخته المخيفة للمدافعين بحيله المتنوعة في المراوغة وبعثرة المنافسين كرويا، مع حدة وقسوة في الثلث الأخير من الملعب. هذا تقريبا ما يفعله فينيسيوس مع أنشيلوتي في الوقت الراهن، بالجمع بين فوضى ومهارة أبناء حواري وشواطئ البرازيل وبين أعلى مستوى من الانضباط التكتيكي والجماعية لمصلحة الفريق. وفي المقابل، كانت ومضات رجل الشوط الثاني دي بروين، كلمة السر في صحوة السيتي في النصف الثاني من المباراة، بتواجده في كل مكان في وسط الملعب الأبيض، ونشاطه الملحوظ في المناطق المحظورة في الدفاع المدريدي، وهذا في حد ذاته، جعل بيرناردو سيلفا وجاك غريليش أكثر حيوية، مع ارتفاع إيقاع رودري وغندوغان في نفس الشوط، والمثير بحق ومن الصعب رؤيته مع مدرب آخر، أن هذا التحسن والتحول الكبير في أداء السيتي، حدث بنفس الـ11 لاعباً، من دون إجراء أي تبديل حتى إطلاق صافرة النهاية، رغم أن بجانبه على مقاعد البدلاء أسماء بحجم رياض محرز وفل فودن وخوليان ألفاريز.
الرابح الأكبر
صحيح بلغة الأرقام ووفقا للتعديلات الجديدة بإلغاء قاعدة احتساب الهدف خارج القواعد باثنين، يبدو الأمر وكأن مباراة «سانتياغو بيرنابيو» لم تُلعب من الأساس، لكن من الناحية النفسية والاستعداد الذهني، يمكن القول، إن بيب غوارديولا، حصل على ما أراده من زيارته الصعبة لقلعة جحيم كبار أوروبا وإنكلترا، والأمر لا يتعلق باقتناص نتيجة التعادل المريحة قبل الحصول على الدعم الجماهيري في سهرة الأربعاء المقبل، بل لنجاحه في تفادي مصير العمالقة الذين ينهارون بعد دخول ريال مدريد في أجواء المباراة، بمن فيهم هو شخصيا، بانهيار فريقه في آخر لحظات الوقت الأصلي لمباراة إياب الموسم الماضي، رغم التقدم بهدف رياض محرز المباغت في الشوط الثاني، بجانب الرسائل الجريئة التي تعمد إيصالها منذ اللحظة الأولى، بأخذ المبادرة الهجومية والوقوف على الكرة، وكأن السيتي يخوض المواجهة على أرضه ووسط جماهيره، والأكثر قلقا بالنسبة لعشاق النادي المدريدي، أن تفوق السيتي لم يكن في النواحي الهجومية فحسب، بل أيضا على المستوى الدفاعي، بعدما أظهروا قدرتهم على تحمل الضغط والغارات المكثفة، في دقائق هجوم الريال الكاسح في آخر 10 دقائق، بعد مشاركة ماركو أسينسيو وأوريليان تشواميني في تلك الدقائق على حساب غير الموفق رودريغو وتوني كروس، حتى أن تصريحات غوارديولا بعد اللقاء، كشفت عن ارتياحه بالتخلص من كابوس «البيرنابيو»بأقل الخسائر، والعكس تماما بالنسبة لأنشيلوتي، الذي بدا غاضبا أكثر من أي وقت مضى في حديثه مع الصحافيين، وهذا ظاهريا لاعتراضه على قرار الحكم، بعدم مراجعة غرفة تقنية الفيديو (الفار)، للتأكد من صحة هدف دي بروين، لوجود شكوك حول خروج الكرة عن خط التماس بكامل محيطها، قبل أن يفتكها برناردو سيلفا، لكن واقعيا، لحزن أنشيلوتي على ضياع الفوز وأخذ الأفضلية قبل إياب «الاتحاد»، إلا إذا أصرت الكأس ذات الأذنين، على اختيار فارسها الأول في كل العصور، وهذا يحتاج الى استنساخ واحدة من ليالي الميرينغي الكبيرة في معقل وطن كرة القدم، وما أكثرها سواء هذا الموسم أو الماضي على وجه التحديد، ليبقى سؤال المليون دولار: هل سيستفيد غوارديولا وفريقه من النتيجة والأفضلية والنفسية والمعنوية؟ وبالتبعية يأخذ بثأر ريمونتادا نصف نهائي الموسم الماضي وثأر ليفربول وتشلسي، أم ستحضر شخصية البطل ويكون لها مفعول السحر كما اعتاد جمهور الفرق المنافسة قبل عشاق النادي في حقبة الرئيس فلورنتينو بيريز وهذا الجيل المتمرس على رفع أمجد بطولات القارة العجوز.
نزهة أم ريمونتادا
في عالم مواز، استفرد الإنتر بالجار العدو ميلان أمام أكثرية لمشجعي الروزونيري في «سان سيرو»، ملحقا أول هزيمة لميلان في دوري الأبطال أمام فريق إيطالي، وأول انتصار للأفاعي على غريم عاصمة الموضة الإيطالية، بعد 4 انتكاسات سابقة في مراحل خروج المغلوب في هذه البطولة، وهذا حدث بفضل ما يمكن وصفه بصدمة البداية، والتي أسفرت عن استيقاظ المدرب ستيفانو بيولي ورجاله على استقبال هدفين في أول ربع ساعة، منهما هدف مجاني سجله العملاق إيدين دجيكو من هفوة غريبة في مراقبته أثناء تنفيذ ركلة ركنية من الجهة اليسرى، وتبعه بدقائق قليلة الهدف الثاني، الذي جاء بهجمة منظمة سريعة في غياب ساندرو تونالي ولاعبي الوسط، انتهت بدخول هنريخ مخيتاريان بالكرة داخل منطقة الجزاء، ومغالطة الحارس المغلوب على أمره مايك مانيان بتسديدة يصعب التصدي لها، وسط عجز الميلانيستا، حيث تجلى في فشل أصدقاء أوليفيه جيرو، في تسديد ولو كرة واحدة بين القائمين والعارضة، ليس فقط على مدار الشوط الأول، بل حتى الدقيقة 90، من دون احتساب المحاولات الاجتهادية التي قام بها إبراهيم دياز ومرت كلها بمحاذاة القائم، على عكس فريق المدرب سيموني إنزاغي، الذي قدم مباراة تلامس الكمال الكروي في الواقعية والإيقاع المطلوب في هكذا مناسبة (نصف نهائي دوري الأبطال)، بضغط هائل من كل مكان في الملعب، أسفر عن ذاك المد الهجومي، الذي بث كل معاني الذعر الكروي داخل قلوب مشجعي ميلان، خاصة في الشوط الأول، الذي استمات فيه الحارس مانيان للخروج بأقل عدد من الأهداف في شباكه، بخلاف تراجع الحكم عن احتساب ركلة جزاء لمصلحة لاوتارو مارتينيز، بعد مراجعة الاحتكاك في تقنية الفيديو (الفار). بينما في الشوط الثاني، تعامل الفريق الضيف بطريقة اقتصادية، لشعور المدرب بأن المهمة قد حُسمت، وفي المقابل، اكتفى رجال بيولي ببعض المحاولات الخجولة، لحفظ ماء وجههم أمام الجماهير المكتئبة، ليصبح عنوان موقعة إياب «جوسيبي مياتزا»، إما أن تكون بمثابة نزهة مسائية للإنتر يوم بعد غد الثلاثاء، وإما ريمونتادا تاريخية لميلان وإيصال رسائل شديدة اللهجة الى الريال والسيتي قبل 24 ساعة من موقعة «الاتحاد»، وهذا ما سنعرفه جميعا بعد 48 ساعة من الآن. مشاهدة ممتعة لعشاق كرة القدم الحقيقية.