أنسي الحاج - حميد المطبعي
أشير في مستهل هذا المقال إلى أنّ «الغُنغوريّة» أسلوب أدبيّ يُنسب إلى الشاعر الاسباني لويس دو غنغورا «القرطبي» (1561 -1627 ) الذي اشتهر بغموض نصّه؛ وهو غموض كان يتعمده ويتقصده.
كان صاحب سيرة شعرية غريبة في تاريخ الآداب الإسبانية، أدار قصائده على الحرية المطلقة حريّة الروح، تلك التي تبلغ حدّ «الفجور الروحي» على قلق العبارة؛ أو ما يسمى «الزندقة» أو «الهرطقة» لكن في مجال الكتابة. وهو الذي عهدت إليه الكنيسة بمهام في غرناطة ومدريد وكوينكا وسالامانكا، بل عيّن عام 1617 ، كاهنا، ثمّ قسيسا فخريا للملك فيليب الرابع. لكنه كان ينفق كل ما يكسبه. وكلّ همه تأليف الروايات الرومانسية «الموريسكية» للجمهور المعجب، من غرناطة، والأسرى والجنود؛ وتأليف الأغاني الدينية والدنيوية والحماسية والجنائزية. وسيان عنده أن يكتب القصائد الهزلية والقصص الجادّة في الآن ذاته، وأن لا يتردد في كتابة قصائد بشكل سيئ، خالية عمدا من المعنى؛ لكنّها مصنوعة من كلمات مرتبة بدقة داخل عالمها الخاص.
وظلّ مع ذلك يحتفظ بحنين إلى طفولته وعالمه الأول، ويكتب قصص الحب والسونيتات، ويمرّن قلمه على التراكيب والصور الدينيّة؛ ويسخر من الشعراء ومن تحذلقهم؛ حتى أنّ البعض يرى أن بيكاسو الأندلسي كان صورة منه في سخريته من الرسامين «الفنانين». ولا غرابة فقد كان يسخر من كلّ شيء، من نفسه ومن الخطباء، ولا يكترث بالأسلوب، والأفكار والمشاعر. قضى جلّ وقته في أوكار المقامرة، وفي حبّ الخيول ومصارعة الثيران. ويقول دارسوه إنه حوّل هذا الشغف حروفا، أو إلى نوع من المقامرة بالكلمات، والتهكّم والمحاكاة الساخرة. كانت له روح مرحة وسلاطة لسان، من غير أن يكون لديه أدنى همّ روحي.
مع أنّه غيّر بمفرده مسار الأدب الإسباني، حتّى أنّ أكثر الذين آخذوه على أسلوب يتخطى كل أسلوب استسلموا تدريجيا لسحره.
على أنّ ما جعلني أسِمُ المقال بـ»الغنغوريّة» هو كتاب صغير الحجم (75 صفحة) لكنّه جليل الفائدة، كان أهدانيه في أواخر الثمانينيات الناقد العراقي الراحل طراد الكبيسي «محاولات التجديد في الشعر العربي، بغداد 1989». وفيه يعالج بلغة رصينة موجزة مكثّفة قضايا الشعر المرسل والشعر الحرّ والشعر المنثور وقصيدة النثر. وممّا استوقفني فيه مقارنته بين نصّين لأنسي الحاج والعراقي حميد المطبعي؛ وهو ما ذكّرني بالإسباني غنغورا. يقول الحاج في قصيدته «البقاء للمولى» من ديوانه «لن»: «كلّ محاولاتي للقبض على المولى وزجّه في جيبي، فأنا حرّ أفجّر رئتي بهواء الصنوبر وأحتقر شفافيّة المدينة المعفّنة. عيناي فوق الجبال. أسلخ أظافر (أظافير) الكبار وأقذفها من شبابيكي العريضة. المولى يقطع المواصلات ولا أحد يجده، إنّه في الصحن. كلّ من معه سيول نعمه. إنّه صحيح يدكّ الجثث بسماد القمر. كنت سأقبض عليه لو لم أرَ بعينيّ هاتين الكاهن الذي عرّفني ينتحر». ويقول المطبعي في قصيدته «كان عليّ أن أحترق لو أنّني الفريسة» مترسّما أثر الحاج، أو «ناسخا» بعض صوره كما يقول الكبيسي: «اعذروني فقد نسيت أنّني المتّهم وحتّى لا يفصلوا بين الشاهد والفريسة. وقفت أتحسّس شفرة الأسماء المغلفة، وأشرطة مدبوغة من دوائر الأمن، فقط كانت أشباحهم تحاصرهم، سادة أو مجنّدين تلامذة. الشفرة بين المولى، بين الذين يحنّطون أسماءهم. الشفرة هذا الكاهن المقيّد بتعاليم الشارع. قد نزعوا منه الكتاب، قرأوا له: (في آخر الثورة يفتح الأطفال صناديق المولى). هذا الكاهن الفرحان، النائم في عينيه نهر يتجمّد».
الحقّ أنّ الأسئلة التي يطرحها الكبيسي لم تنقطع، بل هي نفسها التي تتردّد حتى اليوم في السجال الدائر حول «قصيدة النثر». من ذلك إشارته إلى خصائص هذه القصيدة كما ينصّ عليها الحاج في مقدّمة «لن» وهي «الإيجاز والتوهّج والمجّانيّة» وقد لا يخفى أنّها تكاد تكون منقولة عن سوزان برناد في مصنّفها الشهير «قصيدة النثر من بودلير إلى أيّامنا»؛ Gratuité على الرغم من أنّ كلمة «مجانية» ليست بالترجمة الدقيقة للكلمة الفرنسية، فـ»المجّان» لغة هو الباطل وعطيّة الشيء بلا منّة ولا ثمن وبلا بدل، والمقصود عند برنارد هو»الاعتباط» أو ما هو سائح منساح لا منطق له، وكأنّه يرد «عفو الخاطر» ولا هو يسرد حكاية أو ينقل معلومة؛ وإنّما غرضه إحداث أثر شعريّ أو «الانفعال» لا غير، والمزاوجة بين قوّة الفوضى وقوّة التنظيم. والقصيدتان لا تحقّقان هذا في تقدير الكبيسي، فلا توهّج ولا إيجاز، فشعراء قصيدة النثر العرب «ينطحون برؤوسهم غلاف اللغة، ظانّين أنّهم يفجّرونها ويستخرجون لبابها، بينما هم يهشّمون رؤوسهم على تروس اللغة؛ لأنّ للغة بكارة لن يغتصبها إلاّ من عرف أسراره بالوعي والحكمة والمهارة والمناورة والموهبة وطول المعاناة».
الكلمة صورة تنطوي على صورة، سواء انبنت لعلامة بين الكلمة والصّوت على قانون المشابهة والمطابقة والرمزية، أو على ترابط المجاورة والاستبدال الكنائيّ. فالكلمة في هذه الحال أو في تلك طقس سحريّ أو «سحر تعاطفيّ « سواء اتّخذ هيئة «التعاطف المثلي «القائم على المشابهة أو هيئة «السحر التجاوري» القائم على المجاورة.
وواضح أنّ الكبيسي يحيل هنا على بيت أبي تمّام «والشعر فرْج ليست خصيصته طول الليالي إلاّ لمفترعهْ». على أنّ السؤال الذي تثيره قصيدة النثر: هل هناك نظام لغة شعري مناسب أو ما يسمّيه العرب «النسج على المنوال»؟ أي ما الذي يحدث للغة عندما يُنتهك نظامها ويُفكّك، ويُستهان بقوانينها وأعرافها وطقوسها؟ وقد لا تتسنّى الإجابة إلاّ بالعودة إلى الدرس اللغوي الذي يعلّمنا أنّ الكلمة لا تنضوي إلى نظام لأشياء الطبيعيّ، لتكون دالّ هذا الشيء أو ذاك، وأنّ المقصود بـ»اعتباطيّ» أنّ الدالّ محدّد بصورة تواضعيّة اصطلاحيّة، أو هي عارضة طارئة، دون أن يسوق ذلك إلى القول بحرية المتكلّم في اختيار الدوال، أو ترك المبادرة له في استبدالها. فنحن نلج بالعلامة وفيها عالم من المواثيق التي تضفي على المعنى مزيّة الإبلاغ، وهو إبلاغ يتحصّل باستخدام القوانين التي نجريها على قراءة العلامة أو سماعها. ويفترض في العلامة، لكي تنهض بوظيفة الإبلاغ المنوطة بها، توافر شرطين: أوّلهما أن يستدعي الدّال المدلول ذاته (المعنى) في ذهن كلّ من المتكلّم والمستمع أو المرسل والمرسل إليه، فإن لم يكن المعنى نفسه فالأقرب إليه. وينبغي أن نتنبّه إلى أنّ كلّ شيء يجري في الاستعمال اللّغويّ العاديّ كما لو أنّ العلامة التي ما انفكّ اللسانيون يشدّدون على اعتباطيتها، هي الشّيء نفسه. وممّا يؤكّد هذا اللّبس الحاصل بين الكلمات والأشياء، تحاشي المتكلّم عامة التصريح ببعض الأسماء كما لو أنّها تخلّ بعرف أو تسفّ بمعتقد. وهذا مظهر من «المضمر الإراديّ» الذي له موقعه من الشعر. وثانيهما أن تجري الكلمة في سياق تمتح منه مادّتها. وفي حيّز الشرط الأّول يتدخّل مفهوم القانون، إذ يمتنع دونه الجمع بين الشيء وبديله (العلامة). فـ»نظام العلامة يتوقّف على وجود قانون». وفي غيابه يبطل تواطؤ المتكلّمين، وتنعدم القدرة على الفهم والإدراك. على أنّ القانون يمكن أن يكون مقدّرا، فيفضي بالمتقبل إلى تواصل، أو تعامل مع الكلام مختلف. ولعلّ هذا القانون الذي يموه عليه ويحجب أن يتدارك العلامة التي تنشد تسميتها في ما هو تواطؤ واعتباط.
أمّا الشرط الثاني وهو الذي يحكم حقيقة الإبلاغ، فنلامس فيه مسألة المعنى في ذاته، ونقف على قيمته الباطنة أي القيمة التي يستمدّها الشّيء من طبيعته الخاصّة وليس من حيث هو إشارة إلى شيء آخر. وهذه المسألة غالبا ما تتّخذ بعدين: معجميا وشعريا. ولعلّ متغيّرات العلامة المكتوبة أن تتجلّى فيها أكثر من غيرها. فالمعجم «يؤمّن» معنى الكلمة، و»يحفظ» لها نوعا من الثّبات الدّلاليّ. وهو يضمن في الآن ذاته تناسبا ما في استعمال العبارة، وحدّا من الترابط المنطقي في التبادل اللّغوي. والحقّ أنّ هذا الرأيّ يحتاج فحصا دقيقا إذ غالبا ما نلتقي النظريّة التي تنقضه: فكلمة ما ليس لها حقّ من معنى ما لم ينتظمها سياق. وفضلا عن ذلك فإنّ نظام التّرتيب في المعجم يستند إلى إجراء انتقائيّ يجرّد الكلمة من خصائصها ومزاياها الفريدة، ويحصر معناها ويقيدّه في حدود العرف الشائع. وكلما أغرقنا في التجريد تصرّمت الروابط بالواقع، واضمحلّ المدلول والشيء، وتعطّل الفهم.
وهذا الأداء نادرا ما يستجيب لطلب الفهم والإبلاغ، بل ربّما أفضى إلى «تأويل الواقع» بواسطة اللغة، حتى ليصبح الواقع من فرط التأويل خلقا لغويا كما هو الشّأن في أكثر قصائد النثر عندنا، أو عند صاحبنا غنغورا. ومن ثمّة كانت نصوصهم أقرب إلى السريالية، أو هي تنسخها و»تعربها» من غير أيّ مرجعية شعرية عربية.
وربّما كان من السائغ أن نقول بناء على ما تقدّم، إنّ الكلمة صورة تنطوي على صورة، سواء انبنت لعلامة بين الكلمة والصّوت على قانون المشابهة والمطابقة والرمزية، أو على ترابط المجاورة والاستبدال الكنائيّ. فالكلمة في هذه الحال أو في تلك طقس سحريّ أو «سحر تعاطفيّ « سواء اتّخذ هيئة «التعاطف المثلي «القائم على المشابهة أو هيئة «السحر التجاوري» القائم على المجاورة.
كاتب وشاعر تونسي