غزة تعيش ويلات النكبة بعد مرور 75 عاما على الجرم التاريخي

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: حلت الذكرى 75 لـ «نكبة فلسطين» هذا العام، والشعب الفلسطيني لا يزال يعاني من آثار هذه الجريمة التاريخية المؤلمة، سواء المقيمين في المناطق المحتلة عام 67 أو أولئك الذين يقيمون في مخيمات الشتات واللجوء وفي المنافي، فالكل بعيد عن أرضه التي هجر منها قسرا، وفي كل مكان يواجه مصاعب كبيرة، تجعل هذا الجرح الدامي متجددا رغم مرور هذه السنوات الطويلة.

وفي الوقت الذي يعاني منه سكان الضفة من ويلات الاحتلال الذي يواصل سياسته المعهودة، من نهب للأراضي وطرد السكان من أماكن سكنهم بشكل قسري، لتوسيع مشاريع الاستيطان وتسمينها، وإحلال مستوطنين بدل السكان الأصليين، في مشهد يتكرر منذ بدء النكبة، إلى جانب عمليات الإعدام الميدانية للمواطنين على الحواجز العسكرية، وخلال الاقتحامات اليومية، يعاني أيضا سكان قطاع غزة، الذين جعلتهم آثار النكبة يقيمون في أكثر مناطق العالم اكتظاظا بالسكان، لضيق المساحة وكثرة الساكنين في هذا القطاع الساحلي، من ويلات كثيرة في مقدمتها الحصار وتوالي الحروب الدموية، التي تهدف بالأساس لدفع السكان للهجرة إلى خارج فلسطين، وفرض سياسة رادعة، على أمل أن تنهي أحلامهم في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة.
ففي الوقت الذي كان فيه الشعب الفلسطيني يستذكر المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية عام 1948 حين شنت هجماتها الدامية بدعم من حكومة بريطانيا وبعض الدول الأجنبية وفي مقدمتها أمريكا، لطرد السكان الفلسطينيين من مدنهم وقراهم واحتلالها، كان سكان قطاع غزة المحاصر، يعيشون فصولا جديدة من تلك النكبة المستمرة، بأسماء وأشكال مختلفة.
وحلت الذكرى هذا العام، بعد يومين فقط من انتهاء عملية عسكرية إسرائيلية كبيرة نفذها جيش الاحتلال ضد قطاع غزة، دامت خمسة أيام متواصلة، لم تسكت فيها أصوات الطائرات ولا المدافع والصواريخ، التي ضربت بعنف كل مناطق القطاع، فقتلت 33 فلسطينيا بينهم أطفال ونساء، ودمرت عشرات المنازل.
وهنا في غزة، يمكن ان تشاهد الصدمة بشكل واضح على وجه السكان، خاصة من نجى منهم من القصف، لقرب سكنه من المنازل المستهدفة، أو الأراضي الزراعية التي تعمد الطيران الحربي تدميرها، ليكبد ملاكها خسائر مالية كبيرة.
وعلى مدار الأيام الخمسة، استخدمت دولة الاحتلال ذات الأسلوب القديم، الذي استخدمته العصابات الصهيونية عند احتلال فلسطين، والقائم على هدم المنازل وتدمير المزارع، لتضيف فصولا جديدة لمأساة السكان الغزيين، الذين ما زالوا يعانون من آثار الحروب السابقة التي كان آخرها في ايار/مايو عام 2021 وما سبقتها من حروب عام 2014 و2012 و2008.

الخيام تتجدد

في غزة تكرر المشهد القديم الذي عاشه الأجداد منذ 75 عاما، فالذين اضطروا للفرار من المجازر الدامية التي اقترفتها العصابات الصهيونية في دير ياسين والطنطورة وفي القدس وحيفا والكثير من المناطق الفلسطينية، بعدما دمرت بشكل كامل 531 قرية، واخضعت عشرات المدن والقرى لحكمها العسكري، إلى مخيمات اللجوء للإقامة في الخيام، في مشهد يدمي القلوب، حين عرفت وقتها الخيمة بأنها عنوان يدلل على اللاجئ، يمكن أن يلاحظ المشهد من جديد في هذا الوقت، حين ترى تلك هذه الخيام بأشكال جديدة، قائمة على أنقاض عشرات المنازل التي دمرت في الهجوم الأخير على غزة، بعدما أقامها أصحاب تلك الأطلال، يتدبرون أمورهم لحين الحصول على مسكن جديد لا يعرف المدة التي سيقضونها فيه، حتى العودة لمنازلهم المدمرة في حال جرى إصلاحها أو اعيد بناؤها من جديد.
ومن بين تلك الأسر عائلة نبهان التي تقطن شمال قطاع غزة، دمر منزلها بالكامل وتحول إلى ركام، لتقيم هذه الأسرة على الأنقاض، تلتحف السماء وتوقد النار ليلا لتعطي دفئا لأطفالها، في مشهد يعيد للذاكرة ما كان قائما قبل 75 عاما.
ووفق تقارير رسمية، فإن التصعيد الأخير ألحق أضرارا بنحو 2041 وحدة سكنية، بينها 93 دمرت بشكل كامل و128 منها غير صالحة للسكن، وبإجمالي خسائر أولية قدّرت بنحو 9 ملايين دولار.
وذكرت وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، أن 459 أسرة فلسطينية أصبحت دون مأوى جراء التصعيد الإسرائيلي الأخير، وذكرت أن من بين إجمالي الأفراد الذين باتوا من دون مأوى نحو ألف و180 طفلا ونحو 688 سيدة وقرابة 97 مسنا بالإضافة إلى 3 أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، وذكرت الوزارة أن أصوات الطائرات والانفجارات، خلال التصعيد الأخير، تسببت في ترويع الأطفال وتركت آثارا نفسية عميقة لديهم.
وهذا المشهد يتكرر في غزة بعد كل حرب أو تصعيد عسكري، وكان أكثر وضوحا في الحربين الكبيرتين عام 2008 و2014 حين دمرت قوات الاحتلال آلاف المنازل بشكل كامل، ومسحت أحياء كاملة عن الوجود بسكانها ومساكنها.
وبات واضحا أن هذا الأمر يعد نهجا أساسيا تتوارثه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ النكبة إلى اليوم، يعتمد على إحداث دمار كبير لترهيب المدنيين، وتمرير مخططات التهجير وشطب أحلام الفلسطينيين بالعودة وإقامة الدولة، خاصة وأن الهجوم العسكري الإسرائيلي الجديد ضد غزة، جاء في الوقت الذي لم تكن فيه غزة قد تعافت من آثار حرب 2021.
لكن رغم استمرار ذات النهج الإسرائيلي القائم على القتل والتشريد والتدمير، إلا أن فلسفة الفلسطينيين وتفكيرهم تجاه التعامل الوقتي مع مجريات الأحداث الميدانية قد تغير بشكل كبير، فلم تعد المجازر ولا عمليات القتل والتدمير واستخدام أعتى الأسلحة والطائرات الحربية تخيف السكان، وهنا وإن عاد مشهد الخيمة من جديد، فإنها تظهر على أنقاض المنازل المدمرة، في رسالة تؤكد عزم الفلسطينيين على التشبث بأرضهم وعدم تركها حتى لو كلفه ذلك حياته، بدلا من أن يقيم الخيمة في مناطق اللجوء والشتات، كما جرى عام النكبة 1948 والنكسة 1967.
ويحيي الفلسطينيون يوم الخامس عشر من ايار/مايو من كل عام، ذكرى «النكبة» وهو اليوم الذي احتلت فيه العصابات الصهيونية الجزء الأكبر من فلسطين التاريخية، بعد طرد السكان الأصليين من مدنهم وقراهم، بارتكابها في ذات الوقت سلسلة من المجازر الدموية، أجبرت هؤلاء اللاجئين على الخروج بما تحمل أيديهم فقط إلى مخيمات اللجوء والشتات.
ورغم صدور العديد من القرارات الدولية التي تلزم دولة الاحتلال بعودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم خاصة القرار رقم 194 إلا أنها ترفض تنفيذ تلك القرارات، مستندة إلى الدعم الكبير من الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ النكبة.

إحياء الفعالية رغم الألم

ورغم آلام التصعيد الدامي الأخير، والتي لا تزال قائمة، أصر السكان بمختلف شرائحهم وانتماءاتهم على إحياء هذه الذكرى الأليمة، في فعاليات شعبية كبيرة، تؤكد تمسكهم بحقوقهم المشروعة.
واختار القائمون على الفعالية المركزية تنظيم تظاهرة حاشدة، أكدوا خلالها عدم رضاهم على أداء المجتمع الدولي والأمم المتحدة في التعامل مع ملف القضية الفلسطينية، إذ يتهم الفلسطينيون الأمم المتحدة بالتعامل بـ«ازدواجية» حين يتعلق الحديث بالقضية الفلسطينية.
وخلال الفعالية رفع المشاركون أعلاما فلسطينية ولافتات تنادي بحق العودة والتمسك بالحقوق، ورددوا هتافات ضد الاحتلال والسياسات الدولية، وطالبوا في بيان بتدخل أممي عاجل لإنصاف الشعب الفلسطيني وإعطاءه حقوقه التي أقرت في الأمم المتحدة، وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة.
وترافق ذلك مع إطلاق دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير واللجنة الوطنية العليا لإحياء ذكرى النكبة، حملة التدوين الإلكتروني «العودة حق» إحياءً للذكرى الـ75 للنكبة تحت وسم «العودة حق».
والجدير ذكره أنه في هذه الذكرى، طالب رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية من المجتمع الدولي، رفع الظلم التاريخي الذي ألحقته الحركة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، الذي تعرض لـ «أكبر مذبحة ومظلمة» وقال «بلسان 14 مليون فلسطيني نقول إننا تعرضنا لأكبر مذبحة ومظلمة وأكبر عملية سرقة وانتزاع الملكيات والممتلكات» وأضاف «آن الأوان لصحوة الضمير العالمي، والبدء برفع الظلم التاريخي الذي ألحقته الحركة الصهيونية والنظام الدولي بالشعب الفلسطيني» لافتا إلى أن هذه الذكرى حلت والشعب الفلسطيني لا يزال يُقدم الشهداء والدماء على امتداد رقعة الوطن، والتي كان آخرها ما حصل في غزة.
أما حركة فتح فأكدت أن فصول النكبة لا تزال مستمرة، كما لا تزال «إسرائيل الصهيونية» تنكر على الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير على أرضه، وتتنكر لحقوقه الوطنية المشروعة، من جهتها أكدت حركة حماس، أنه لا شرعية ولا سيادة للاحتلال على أي جزء من أرض فلسطين التاريخية، مشيرة إلى أن الاحتلال «لن يفلح في طمس معالمها وتهويدها، وسيمضي شعبنا مدافعاً عنها بالمقاومة الشاملة، حتى تحرير كل فلسطين من بحرها إلى نهرها» لافتة إلى أن الذكرى حلت هذا العام في أعقاب جولة من جولات الصراع مع الاحتلال خاضها الشعب الفلسطيني موحداً وملتحماً مع مقاومته في معركة «ثأر الأحرار».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية