ليس سهلا أن يلتحق طلاب طموحون بجامعة أوكسفورد، فالشروط قاسية وصعبة، كونها من أقدم الصروح العلمية في أوروبا والعالم، أما ترتيبها فهو الأول في بريطانيا والخامس عالميا.. أقساطها تمثل ثروة حقيقية، هذا غير تكاليف العيش في أوكسفورد المدينة. ومع هذا فإن هذه الجامعة تساوي بين محاضريها، فقد حاضر فيها سياسيون وفيزيائيون واقتصاديون، ورجال دين وأنواع من البشر قد لا يخطرون على بال أحد.
في مقال صغير لفت انتباهي مؤخرا، لاحظت أن هذه الجامعة استضافت مثلا علماء فيزياء مثل ألبرت أينشتاين، وستيفن هوكينغ، وبعض رؤساء أمريكا رونالد ريغان، وجيمي كارتر، وريتشارد نيكسون، وبيل كلينتون، والدّالاي لاما، والأم تيريزا، والمغني مايكل جاكسون، والمغنية شاكيرا، والممثل مورغان فريمان، ومالالا يوسفزاي. وفي موقع آخر ذُكِر ستيفن بانون الاستراتيجي السابق للبيت الأبيض في إدارة ترامب، والشخصية الجدلية في حركة اليمين، وأيضا مارلين لوبان زعيمة الحزب اليميني الفرنسي، كما أثارت الكاتبة والأكاديمية النسوية جرمين غرير الجدل بسبب آرائها حول مسائل التحوُّل الجنسي، وواجهت انتقادات حادة واحتجاجات بسبب لقائها في أوكسفورد. ومؤخرا فقط استضافت ممثلة الأفلام الإباحية المعتزلة ميا خليفة، بمناسبة مرور مئتي سنة على أول مناظرة عقدها الاتحاد الأكاديمي المرموق عام 1823.
وقبل أن نفهم جيدا طبيعة الحدث، وما تلاه سريعا من ردود أفعال، وما سيليه على المدى البعيد، علينا أن نتوقف عند الغضب العربي المُسَجّل على مواقع التواصل الاجتماعي ضد الجامعة العريقة، لأنّها استضافت شخصية فقدت شرفها أمام كاميرات العالم، ومارست الرذيلة مدفوعة الأجر في أفلام إباحية. وصراحة بدا لي أن ميا خليفة هي المرأة الوحيدة التي يعرفها العرب كممثلة أفلام إباحية، وبالمقابل لا يعرفون أي ممثلين آخرين، سواء نساء أو رجالا، مع أن هذه الأفلام كانت منتشرة قبل ظهور الإنترنت، وكانت تباع من تحت الطاولة وتهرّب مثل المخدرات بطرق أكثر تسامحا في مراكز التفتيش. ما صدم ناشطينا على مواقع التواصل هو أن تجلس ميا خليفة على الكرسي نفسه الذي جلست عليه الأم تيريزا مثلا، وتخاطب الطلبة في هذا الصرح العلمي وتتحدّث عن تجربتها الحياتية! فأي تجربة تملكها امرأة باعت جسدها؟
على صفحة جامعة أوكسفورد على إنستغرام ذُكِر أن ميا خليفة هي الشخصية الأكثر تأثيرا في العالم لعام 2022، وبعد تجربتها مع الاستغلال التعاقدي في صناعة «أفلام الكبار» عملت خليفة على تثقيف النساء بمخاطر الاستغلال في هذا المجال. الثلاثينية ذات الأصول اللبنانية قد لا تبدو سيدة ناضجة – بعد زواجين وطلاقين وتجربة بورنو قصيرة – فالمتابع لها على صفحات التواصل الاجتماعي لن يرى سوى جسدها الجميل الموحي بأنّها لا تزال مراهقة، ولا تملك سلاحا آخر تقاوم به متاعب الحياة غير ذلك الجسد. تتقن ميا خليفة اللغتين الفرنسية والإنكليزية وهي متخرجة من جامعة تكساس، لكن في الغالب ملايين متابعيها لا تهمهم هذه التفصيلات الإضافية، إذن لماذا التفتت إليها جامعة أوكسفورد ومنحتها فرصة للحديث عن تجاربها أمام طلابها؟
تميّزت جامعة أوكسفورد بتاريخها الطويل في تقديم متحدثين لمناقشة الأفكار والمعرفة، دون حصر المعرفة في المواد العلمية فقط، لكن في أمور الحياة أيضا وهذا منذ القرن الثاني عشر، لكن هذا التقليد تطور بشكل مستمر في ما يخص الضيوف المحاضرين فيها، لقد تغيرت طبيعة البشر، فلماذا لا تتغير طرق التحاور في ما بينهم؟ والخوض في موضوعات جديدة فرضها العصر؟ قدّمت جامعة أوكسفورد ميا خليفة كإسم مألوف في صناعة الترفيه للبالغين، ومنحتها فرصة إسماع صوتها بطريقة مختلفة عن الحوارات التلفزيونية التي أجريت معها – مثل قناة بي بي سي – ونلاحظ كيف اختارت الجامعة كلمات الإعلان عن استضافتها في مدرجاتها بدقّة كبيرة، حتى لا تأخذ معنى جارحا لها كسيدة استخدمت منصّتها الخاصة للتحدّث علنا عن قضايا مهمة جدا متعلّقة بحقوق المرأة. كما تناولت الآثار الخطيرة والواسعة الانتشار للمواد الإباحية في المجتمع، وأكّدت أن انتشار هذه المواد هو الذي أدخل المرأة في قوالب نمطية أساءت لكل النساء في العالم. وساهمت أيضا في انتشار ثقافة العنف ضدّهن.
على صفحة جامعة أوكسفورد على إنستغرام ذُكِر أن ميا خليفة هي الشخصية الأكثر تأثيرا في العالم لعام 2022، وبعد تجربتها مع الاستغلال التعاقدي في صناعة «أفلام الكبار» عملت خليفة على تثقيف النساء بمخاطر الاستغلال في هذا المجال.
كانت محاضرة خليفة بعنوان: «الصناعة الإباحية: ما وراء العناوين الرئيسية» وهو عنوان قوي ومؤثِّر، بعد أن كشفت عن محطات رحلتها الشخصية في صناعة الترفيه للبالغين إلى الآثار التي تصيب الشخص بأعطاب نفسية دائمة، سواء بالنسبة لبطل العرض أو المتفرّج. وبشكل عام وُصِف خطابها بالقوي والمحفّز للفكر، من باب أنه شكّل دافعا قويا للجماهير للتفكير النّقدي في ما يخص هذه الصناعة وتأثيرها في المجتمعات بكل أنواعها. وقد اعتُبِرت خليفة صوتا رائدا في الكفاح من أجل حقوق المرأة وضد «تشييئها» وحصر دورها في المتعة الجنسية، من خلال وسائل الإعلام التي كرّست هذه الفكرة في زمن كان يفترض فيه أن النساء قطعن شوطا مهما لاستعادة كرامتهن بعد نضال طويل. هذه اللحظة ستبقى لسنوات شئنا أم أبينا، كمنعرج مهم في مسيرة المرأة نحو التحرّر من كل أشكال القيود الجسدية والفكرية، التي زَرعت في عقول الإناث بطرق مختلفة فكرة أن تبقى حبيسة دور واحد في الحياة، وهو إبهاج الرجل في الفراش قبل استلام مهام أخرى. تذكرنا خليفة بأن العالم ليس كما يتخيله طالب الجامعة المرموقة، ففي هذه الحياة كواليس مرعبة لاستغلال الإنسان وتحويله إلى آلة لإنتاج ما يسمى بصناعة الترفيه للكبار، وهذه معضلة يجب تصحيحها، لأن العلاقة الجنسية متى ما خرجت عن إطارها الصحيح فإنّها ستصبح مرضا يصيب الإنسان ويضرب عقله. إن صناعة الإباحية بدأت منذ عصور سحيقة، لكنّها اتخذت أوجها مقنّعة في عصرنا، مثل ما يسمى بالأدب الإباحي الذي يستخدم اللغة والصور الجنسية بطريقة مثيرة وبشكل غير لائق، ومبتذل، هدفه إثارة الشهوة الجنسية وتحفيز القارئ بشكل منحرف.
وهذا النوع من الأدب ظاهرة ثقافية عالمية، نذكر من بين روادها «السّارد المجهول» لقصص ألف ليلة وليلة، قبل تنقيحها وتقديمها للقارئ بصور جنسية أكثر تهذيبا. وقد اشتهر الكاتب الفرنسي ماركيز دي ساد بكتابه «120 يوما في سودوم» وهو رواية تصف الممارسات الجنسية غير التقليدية، كما اشتهر الكاتب الإنكليزي ديفيد هيربرت لورانس، الذي كتب العديد من الروايات التي تتضمن مشاهد جنسية مثل روايته «العشاق». أمّا هنري ميلر الذي يعتبر أحد أشهر رواد الأدب الإباحي في القرن العشرين، فقد كتب العديد من الروايات التي تصف الممارسات الجنسية بشكل صريح مثل روايته «تربية هنري أدمز» وكان من شدة فقره أنِ اقتحم هذا الميدان تحت طلب بعض الناشرين ليستطيع أن يعيش. ولا أدري إن كان الكاتب جوفاني بوسكاتشيو قد عاش الوضع نفسه في القرن الرابع عشر، حين ضرب الطاعون أوروبا، أم أنّ رؤيته لإنقاذ الإنسان من مخاوفه لا يجدها سوى في الحب وممارسة الجنس للبقاء على قيد الحياة، فقد اشتهر بروايته «ديكاميرون» والمعروفة بأنها مجموع قصص لأشخاص هربوا من الطاعون واحتموا ببيت عاشوا فيه كل أنواع المتع الجسدية التي تصف بشكل جريء جدا الممارسات الجنسية.
لاقت هذه الأعمال وأعمال كثيرة فيها تلميحات جنسية الحظر، لكن محاربة «الدعارة الفكرية» تظل القاعدة الأساسية لإنقاذ المجتمعات من السقوط في مستنقعات الدعارة والمتاجرة بالأجساد، ولا يتم ذلك إلاّ من خلال التعليم والتثقيف السليم، وفتح باب الحوار والنّقاش بين الأفراد، للاستفادة من تجارب حية انتهت بالخروج من ذلك النفق الأسود، وأعتقد هذا هو المبدأ الذي اعتمدته جامعة أوكسفورد وجامعات أخرى غربية. غير ذلك هناك ملحوظة مهمّة يجب إدراجها هنا، وهي أن الغفران ومسامحة المخطئ من النادر أن نجدها عندنا، إذ أتخيل اللعنة التي قد تلحق جامعة عربية لو أنها فتحت أبوابها لسيدة مثل خليفة لتروي تجربتها للطلبة، هذا إذا خرجت حية ترزق من «الحرم الجامعي» هي ومن استضافها. ولنا في ذلك تجارب سابقة مخيفة يضيق المقام لذكرها.
شاعرة وإعلامية من البحرين