الإسرائيليون وفقاً لـ”رؤية جابوتنسكي”.. لماذا نوهم أنفسنا بالانتصار على الفلسطينيين؟

حجم الخط
0

مقال زئيف جابوتنسكي التأسيسي شق الطريق لفهم أولي لفكرة الأمن التي فرضت على إسرائيل، على حد تعريفه: “الحائط الحديدي”. وحسب جابوتنسكي، الشعب لا يتخلى عن بلاده، ولهذا علينا أن نكون جاهزين ومستعدين لمواصلة العرب محاولاتهم ضربنا المرة تلو الأخرى، إلى أن يأتي يوم يفهمون فيه بأن لا مفر لهم غير التسليم بوجودنا هنا كدولة يهودية.

أما بن غوريون فصاغ النهج الفكري لجابوتنسكي في مفهوم أمن سياسي. على حد قوله، أعداؤنا أكثر منا، والمقدرات التي تحت تصرفهم تفوق المقدرات التي تحت تصرفنا، ولهذا فليس بوسع معركة واحدة أن تحسم النزاع. نحن محكومون بعدة معارك، علينا ضمان أن تنتهي كل جولة بحيث تكون يدنا هي العليا. بعد سنوات من الجولات الناجحة، سيستوعب الأعداء بأن وجودنا هنا حقيقة لا يمكن تغييرها. ولاحقاً أثبت هذا المفهوم نفسه، ووقعت إسرائيل على اتفاقات سلام مع الأردن ومصر والتطبيع مع دول أخرى.

كانت غاية الصهيونية هي إقامة دولة لليهود في بلاد إسرائيل. ضم جابوتنسكي وبعده مصيغو وثيقة الاستقلال، مساواة حقوق لكل مواطني الدولة إلى رؤياهم. غير أن أحداً منهم لم يتصور أن يشكل الفلسطينيون نصف سكان هذه الدولة.

لقد ساعد مفهوم الأمن البن غوريوني في الوصول إلى اتفاقات سلام، بل وفي بناء دولة قوية صلبة اقتصادياً ومزدهرة. مشكلة الفلسطينيين بقيت على حالها، بل وتفاقمت، في ضوء واقع تعيش فيه الفئتان السكانيتان باختلاط. رغم أن قدرة امتصاص الفلسطينيين عالية على نحو خاص، وصمودهم عال أيضاً، فإن مفهوم الأمن الذي رافقنا على مدى السنين أدى إلى تثبيت الدولة.

لا يؤدي مفهوم الأمن هذا إلى تحقيق الهدف حيال الفلسطينيين. فنحن نراوح مكاننا، وإن كل جولة تخلف وراءها إحساساً بالإحباط وخيبة الأمل في أفضل الأحوال. ما يتبقى هو انتظار الجولة التالية، التي هي أيضاً كسابقتها عديمة الجدوى. بداية، اعتقد الفلسطينيون أنهم سيضربون بنا جسداً وروحاً إلى أن نهزم، وفشلوا. بعد ذلك اعتقدوا أنهم سيجعلوننا نملّهم لدرجة أن يقرر معظمنا الانصراف من هنا. وهذا هدف آخر لم يتحقق. وكانت النتيجة معاكسة: ثبتنا وعززنا سيطرتنا في بلاد إسرائيل.

في ضوء استبعاد بدائل طردنا وكذا بديل الدولة الفلسطينية على قسم من الأرض، فإن ما تبقى للفلسطينيين هو انتشار على كل أرض بلاد إسرائيل والعيش فيها معنا، متساوي الحقوق في دولة واحدة. بمفهوم ما، انطلاقاً من الغريزة وليس على أساس فكرة مرتبة، تبنى الفلسطينيون لأنفسهم فكرة “الحائط الحديدي”: اليهود سيضربوننا المرة تلو الأخرى، ونحن الفلسطينيين نصمد إلى أن يعترف اليهود في النهاية بأننا هنا معهم. جسد عرب إسرائيل هذه الرؤيا، وفعلوا هذا جزئياً، وفي غضون بضعة أجيال سيكون الفلسطينيون من سكان “يهودا والسامرة” [الضفة الغربية] في المكانة ذاتها أيضاً.

هكذا وليس بغيره، علينا أن نرى الواقع الخطير الذي نعيشه. وعلى أساس هذا الفهم، علينا التفكير بنهجنا تجاه النزاع وبلورة مفهوم الأمن. ما الذي ينبغي لنا فعله، أولاً أن نعرف نواياهم وقدرة امتصاصهم وصبرهم، وثانياً الكف عن الكذب على أنفسنا. تبجح السياسيين أمام الجمهور يخلق إحباطاً ويضعفنا. علينا أن نصف الوضع أمام الجمهور كما هو، وأن نعده لسلسلة عمليات وأحداث يجب أن تنتهي مع يد عليا.

ستتواصل جولات المواجهة حيال غزة. سيكون الرد خطيراً، لكن عليه أن يراعي كل الظروف السائدة في ذاك الوقت كالوضع السياسي العام والوضع السياسي الداخلي. ولأنه لا أمل في إدارة مفاوضات معهم فإن الصمود والتصميم إلى جانب رد قوي متكرر سيخدم الإغراء الذي سنطرحه عليهم، وينعش الميل في تعزيز حكم حماس في غزة، والذخائر التي يجمعها أهم له من أن يضيعها. “بفضل” حماس ستتحسن حياة الفلسطينيين في القطاع إلى أن يستوعبوا بأنهم يعيشون ويديرون دولة مستقلة. واقع كهذا، يرى فيه الفلسطينيون في غزة أنهم يعيشون كدولة عملياً، ربما يوقظ في أوساطهم أفكاراً أخرى حول حل النزاع.

إيتان بن إلياهو

 يديعوت أحرونوت 21/5/2023

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية