هل يطلق الحوار الوطني المصري عملية سياسية للاعتراف بالتعددية وفتح المجال العام؟

مدحت الزاهد
حجم الخط
0

يقترب الحوار الوطني من محطته الأخيرة بعد ان أطلق الرئيس السيسي الدعوة له في حفل إفطار الأسرة المصرية في نيسان/ابريل 2022 منذ أكثر من عام، بينما انطلقت جلساته في 3 أيار/مايو الماضي بعد رحلة عسيرة اجتاز خلالها أشواطا من الإجراءات وعمليات الشد والجذب، التي امتدت حتى إطلاق صافرة بداية المباراة.
وعلى امتداد مسيرة إجراءات التحضير كان السؤال الملح هل يمكن للحوار أن يساعد في إطلاق عملية سياسية تكسر معادلة الهيمنة والإقصاء التي ميزت سياسات الحكم في العقد الأخير وتفتح الطريق لتأكيد الحق في التعددية والتنوع وتعزيز التنافسية في النظام السياسي المصري؟ أم أن الدعوة للحوار تمثل نوعا من السباحة ضد التيار وجملة اعتراضية عابرة على سياق الهيمنة على طريقة فاصل ونعود؟
والواقع أن الأسئلة لم تقتصر على هذا البعد من المسألة، بل امتدت إلى التسمية:
هل عنوان «الحوار الوطني» الشامل هو التعبير الدقيق عن العملية السياسية التي كانت مطلوبة؟
أم أن «التفاوض» كان التعبير الأدق لما كان يتطلبه الوضع في مصر بعد سنوات من الانسداد؟
والفارق كبير، كما أن اختلاف التوصيف ربما يعد من الأمور الكاشفة لنوايا الأطراف وميولها والمخرجات المحتملة لفاعلياته.
الحوار يتطلب من مؤسسات الحكم، وهي الطرف الأقوى، رؤية واضحة لطبيعة الأزمة وأهمية المشاركة الواسعة لتجاوز آثارها، وإرادة سياسية تقبل مراجعة ما فات بانفتاح حقيقي على الرأي الآخر، وقبولا بامكانية تصحيح المسار وتغيير السياسات. ولم يكن هذا حال العملية الجارية، ففي حالة السلطة كانت هناك حالة إنكار لان تكون سياساتها جانبت الصواب.
وفي حالة المعارضة لم تكن نجحت في بناء كتلة ضاغطة قادرة على إجبار مؤسسات الحكم على مراجعة سياساتها وتغيير الاتجاه. بل كانت في وضع دفاعي تصد الهجمات وتحولت في كثير من الأحيان إلى حركة حقوقية تلاحق أسراها في السجون ومواقعها المحجوبة والمساحات المنتزعة من قدرتها على ممارسة الفاعلية.

عملية تفاوضية لفتح الانسداد

والواقع أن الحالة في مصر، قبل إطلاق الدعوة للحوار كانت تستدعي عملية تفاوضية محددة لفتح الانسداد في المجال السياسي وتخفيف الاحتقان عبر تدابير وتعديلات تشريعية محددة وإجراءات فعلية لفتح المجال العام شاملة قوانين الانتخابات، وعلى الأخص ما يتعلق بالقوائم المطلقة الموروثة عن النظم الاستبدادية وقوانين النشر وقوانين الإجراءات الجنائية وعلى الأخص الحبس الاحتياطي وقوانين الإرهاب.
وشتان الفارق بين عملية تفاوضية محددة لتعزيز التنافسية في النظام السياسي بهدف إحداث انفراجة ولو محدودة، وهي عملية كان يمكن إنجازها في بضعة أسابيع أو أشهر محدودة وتحت إشراف الرئاسة الداعية للحوار، وهي عملية كان من شأنها الانتقال «بالحوار» من حالة عابرة مؤقتة إلى حالة دائمة تشمل كل منظمات المجتمع وتتسع لكل ألوان الطيف لتوفر المناخ اللازم لحسم كل القضايا المجتمعية عبر آليات الديمقراطية المعروفة في أي مجتمع تعددي.
أقول إنه شتان الفارق بين هكذا عملية تفاوضية محددة لفتح المجال العام وبين حوار وطني شامل لكل قضايا المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي تناقشها جلسات الحوار في ثلاث محاور ومن خلال 19 لجنة تناقش أكثر من 100 موضوع في مختلف قضايا السياسة والمجتمع والاقتصاد.
ولم يكن الخلط في التسمية ناتجا عن تشوش وقصور في الإفهام، بل ارتبط باختلاف النوايا والدوافع وطبيعة التناقضات بين أطراف التفاوض.
ولعل لوحة المشهد قبلها تفسر ما طرأ من تحولات وطبيعة وحدود العملية التي جرت ومخرجاتها المحتملة.
فمن جانب السلطة التي أطلقت الدعوة للحوار كان يهمها إطالة أمده وتعدد روافده بالقياس إلى أربعة عوامل مختلفة ومنها:
أولا: الضغوط المرتبطة بملفات حقوق الإنسان والقيود على الحريات.
وثانيا: شبح أزمة اقتصادية تلوح في الأفق.
وثالثا: استحقاقات الانتخابات الرئاسية عام 2024 والتي لا يمكن إدارتها على طريقة انتخابات 2018.
وفي هذا السياق برز سؤال في بعض دوائر الحكم عن مدى الحاجة لاستخدام نفس الأدوات القديمة، أي إدارة المجال السياسي بنظام الأوامر وطريقة القبضة المشددة بعد تراجع خطر الإرهاب والضغوط الإقليمية والدولية التي أعقبت الإطاحة بحكم مرسي وسلطة المرشد، وتراجع وزن الإخوان وكذلك المعارضة المدنية الراديكالية التي شاركت في ثورة يناير وأصبح رموزها رهن السجون؟

الضغط على الحركة المدنية

والحقيقة أن إطالة مشهد الحوار بتوسع وتنوع موضوعاته كان لازما في مواجهة ضغوط ملفات الحريات وحقوق الإنسان، وأيضا لتجسير الخلافات المحتملة بين أجنحة الحكم، وأيضا كغطاء لتحولات اقتصادية درامية ارتبطت بمبادلة الديون بأصول إنتاجية استراتيجية ووضع المعارضة في حالة حوارية لتجنب صدامات محتملة في ظروف بالغة التعقيد، دون أن تضطر السلطة لتقديم تنازلات فورية أو جوهرية، ما دام الحوار شغالا والكل منهمك في نقاش الأسماء واللجان والمحاور ونظام العمل وكل ما يرتبط بما سميت إجراءات التمهيد.
ومن جانبها فإن المعارضة وجناحها الأقوى والأكثر تنظيما، أي الحركة المدنية الديمقراطية رحبت مبدئيا بالدعوة للحوار بعد ان انهكتها مطاردات ومواجهات خاضتها في عدة مناسبات سواء في مسألة تيران وصنافير وبعدها تعديلات الدستور والانتخابات الرئاسية وحملات الدفاع عن الحريات وكانت في حاجة لالتقاط الأنفس، خصوصا وأنها أتت في صورة دعوة لحوار وليس زفة مبايعة أو حفل تأييد لسياسات الحكم، كما أنها لم تمانع في ابتلاع طعم الاسم التنكري للعملية التفاوضية «الحوار» ولا إطالة أمد التمهيد، بقدر ما كان يوفر تفاعلات تخفف من ثقل القبضة الأمنية وتترك بعض المساحات المحدودة، رغم استمرار الملامح الرئيسية للسياسات الأمنية.
غير أن الحركة المدنية الديمقراطية التي واجهت من داخل وخارج أحزابها معارضة شديدة بادعاء انها سارعت لالتقاط عظمة ألقاها من طاردها بحصار الخنق، وخلال هذه المسيرة دأبت الحركة على توضيح أن جل نضالها اتجه إلى فتح المجال العام، فإذا كانت دعوة الحوار تحقق مساحة ما لهذا الفتح فكيف لها أن ترفضها! ولتأكيد هذا التوجه أعلنت الحركة ترحيبها المبدئي بالحوار في بيانها المعروف ببيان 8 مايو الذي أكد على عدة ضمانات للمشاركة، بينها أن يكون حوارا بين السلطة والمعارضة بمبدأ المناصفة وان يكون علنيا وشفافا وان يسبقه ويواكبه إطلاق سراح سجناء الرأي من المعارضين السلميين، إذ كان من الصعب أن تخوض حوارا وأعضاء أحزابها والمنتمين إلى محيطها أسرى السجون.
وخلال قرابة عام تواصلت سياسة قطعة من إجراءات التمهيد للحوار مقابل قطعة من السجناء، وهي إجراءات حققت قدرا من التوازن وليس على طريق المناصفة، كما تواصل الضغط على الحركة المدنية كي تخفض مطالبها، وجرت حملات ضد ما أطلق عليه مشروطيات الحركة والتي شملت موضوع السجناء، مع كل ما ينطوي عليه إخلاء سبيل المعارضين السلميين من دلالة رمزية على الاستعداد لفتح المجال العام، فهم لم يصبحوا أسرى بسبب أي جريمة ارتكبوها غير المعارضة السلمية لسياسات خالفوها. ومع استمرار هذا الجدل بين منطق المشروطيات ومنطق الإنفراجة تراجعت بعض الوعود، وساعد على هذا التراجع ضغوط الأزمة الاقتصادية وما قد يسفر عنها من اضطرابات، وهي مخاوف تعزز من ميول التراجع إلى الصيغة القديمة خصوصا وان الحركة وان قدمت تنازلات إلا أنها تمسكت بدرجة من الاستقلالية في مؤتمرين، أحدهما في الشأن السياسي أكد انحياز الحركة لرفع القيود عن الحريات والثاني في الشأن الاقتصادي وأكد انحياز الحركة لتطوير القدرات الإنتاجية للاقتصاد.
ويبدو أنه من الواضح الآن أن هناك توجها لضبط وزن الحركة المدنية في الحياة السياسية وإجبارها على دخول الحوار وقد تخلت عن بعض مطالبها ضمن سياق يتجه إلى إحداث انكماش لا يشمل أحوال السجناء فقط، بل أيضا تحول الحوار نفسه إلى مكلمة وما يشبه الكرنفال مع انكماش مبدأ العلنية والشفافية.
وما نتابعه من شواهد يشي بأن الحوار لن يسفر عن تغيير جوهري في السياسات، وأن خصوم الحوار في السلطة والمعارضة هم حتى الآن الطرف الأقوى وأننا قد نكون أمام قطع عن السياق لأسباب فنية على طريقة فاصل ونواصل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية