الرباط ـ «القدس العربي»: لم تكن تعلم الممثلة المغربية الفنانة جميلة الهوني، حين كلَّفت هيئة دفاعها برفع دعوى قضائية على والد طفلها الفنان أمين الناجي، مُطالِبة بإسقاط ولاية طليقها القانونية على ابنهما، أن النزاع سيتحول إلى قضية رأي عام تبنَّتها هيئات جمعوية وحقوقية للمطالبة بتسريع وتيرة مراجعة مدونة الأسرة (الأحوال الشخصية) وضرورة ملاءمة مقتضياتها مع التطورات الحاصلة في المجتمع المغربي.
تقول الممثلة الشابة جميلة الهوني في حديث مُطول معها: «أطالب بحكم استعجالي للتصرف في الوثائق الإدارية لطفلي حتى يتمكن من السفر خارج البلاد، وحتى أستطيع تسجيله في إحدى المدارس المرموقة» وتابعت «والد ابني رفض سفره رفقة أصدقائه في رحلة رياضية خارج المغرب لزيارة نادي برشلونة الإسباني. كما رفض أن يتابع دراسته في مدرسة للبعثة الفرنسية في الرباط».
تنص المادة 236 من مدونة الأسرة المغربية (الأحوال الشخصية) على أن «الأب هو الولي على أولاده بحكم الشرع، ما لم يجرد من ولايته بحكم قضائي، وتوفر الأم المصالح المستعجلة لأولادها في حال حصول مانع لدى الأب». أما المادة 238 فتنص على أن «ولاية الأم على أولادها تخضع لشرط أن تكون راشدة، وعدم وجود الأب بسبب الوفاة أو الغياب أو فقدان الأهلية، أو غير ذلك».
وكان الخطاب الملكي في مناسبة عيد العرش في 30 تموز/يوليو من العام الماضي فتح النقاش مجدداً في شأن تعديل مدونة الأسرة بعد مرور 19 عاماً على بدء تطبيقها، وأظهر خلافا بين المحافظين الذين يدافعون عن ضرورة ارتباطها بالشريعة الإسلامية، ومؤيدي تحديثها الذين يشددون على ضرورة استجابتها للاتفاقات الدولية التي وقعها المغرب.
مواطنات من الدرجة الثانية
بالنسبة للهوني، فإن ملف زواج سابق لا يطوى أبدا، ولا تتمكن المرأة في ظل قوانين مماثلة أن تمضي بحياتها وحياة أطفالها قُدما، «أحس أني رهينة الماضي».
«وقتي ومجهودي وطاقتي استُنزِفت، أبذل قصارى جهدي وأعد الوثائق المطلوبة سواء ليتمكن ابني من السفر لتحقيق حلمه الرياضي، وهو الشغوف بكرة القدم، أو لمتابعة دراسته. وتتوقف المساطر بسبب رفض الأب، ولأن بيده قانونيا إنهاء أمور بسيطة، أشعر بالمرارة وأني مواطنة من الدرجة الثانية، رغم أني أم حاضنة ومن يسهر على جميع احتياجات الطفل المادية والمعنوية» تقول جميلة الهوني.
وتتابع الفنانة المغربية أن دعوتها القضائية وخروجها للحديث علنا عن معاناتها قرابة 12 سنة، كانت من أجل طفلها بداية ومن أجل مصلحة الأطفال المغاربة، لافتة إلى أنها تلقت اتصالات من مختلف شرائح النساء المغربيات محاميات وأستاذات وصحافيات وطبيبات، يشاركنها نفس الهم والحيف الذي يطالُهُن ويطال أطفالهن.
سناء.م، أستاذة في ربيعها الـ 29 ليست أفضل حالا من جميلة، تتذكر ما قاسته السنة المنصرمة حين رغبت في نقل ابنتها ذات 8 سنوات إلى مدرسة بالقرب من بيت عائلتها بمدينة سلا، حيث انتقلت للعيش رفقة والديها بعد طلاقها، إلا أن المدرسة الخاصة التي كانت تدرس بها الطفلة رفضت منحها شهادة المغادرة إلى أن يقوم الأب بالخطوة على اعتبار أنه الولي الشرعي القانوني والمخول له حصرا القيام بالمهمة.
تتحسَّر سناء على الأسابيع التي قضتها ابنتها دون تمدرس، حيث رفض الأب القيام بالإجراء، حسب الأم: «انتقاما مني وتضييقا علي، وبأن أتحمل مسؤولية قراري ولو أن ليس لي أي يد في القانون المغربي الذي يحصر الولاية على الأبناء على الأب، أثناء الزواج وكذا بعد الطلاق» وفق تعبيرها، متابعة: «لو كان القانون يمنحني الحق كاملا، لما تعرضت لأزمتي تلك، التي انضافت إلى محنة الطلاق ومغادرة بيتي، ولما تعرَّضت ابنتي إلى الهدر المدرسي، ولولا تدخل بعض أفراد العائلة لما اقتنع والدها بنقلها».
قصتا الممثلة جميلة وسناء وغيرهن كثير من المغربيات، دفعت النائبة البرلمانية السابقة حنان رحاب، ورئيسة منظمة «النساء الاتحاديات» التابعة لحزب «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» إلى وصف هذه القضايا بكونها «تمييزا ومساسا بمبدأ المساواة، على اعتبار أن النيابة الشرعية التي تبقى بيد الأب منفردا، رغم منح الحضانة للأم تجعل هذه الأخيرة في المرتبة الثانية وتجعل الطفل ضحية».
تقول رحاب: «لا يُعقل أن تتحمل الأم مسؤولية الرعاية اليومية للطفل وعندما يتعلق الأمر بالأمور الإدارية والقضائية تعتبر قاصرا وتحتل المرتبة الثانية، المصلحة الفضلى للطفل تقتضي الحفاظ على الاستقرار النفسي والمادي والاجتماعي للطفل».
حضانة مبتورة
بالنسبة لسميرة موحيا، رئيسة فدرالية رابطة حقوق النساء في المغرب، ورغم أن الحضانة تُمنح بداية للأم بعد الطلاق، فإنها حضانة لا تُخول التصرف في شؤون الأبناء الإدارية والمالية والقضائية كذلك، موضحة: «عراقيل كثيرة تجعل من حضانة الأم منقوصة ومبتورة وقاصرة، إذ يتم هدر حقوق الأطفال في أي إجراء إداري، فلا حق لها في استصدار جواز سفر لابنها أو فتح حساب بنكي له أو نقله من مدرسة إلى أخرى، ولا حق للطفل بالسفر في رحلة مدرسية إلا بموافقة الأب» معتبرة أن أغلبية الآباء لا يستجيبون للأمهات كابتزاز لهن وانتقام من قرارهن بالطلاق أو من أجل إجبارهن على التنازل على النفقة وبعض الحقوق ومستحقات الأبناء.
هذه القرارات تؤثر على المحضون سلبا، ويتم هدر حق الطفل في مواصلة الدراسة، تقول المدافعة عن حقوق النساء: «نواجه هذا المشكل على الخصوص خلال الشهرين الأولين من الدخول المدرسي، فخلال شهري أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/نوفمبر، نشهد توافد عدد كبير من الأمهات ممن ما زالت ملفات طلاقهن في المحاكم، أو مطلقات حديثا، ويرغبن في نقل أطفالهن قريبا من محل إقامتهن الجديد» تقول المتحدثة بحسرة وهي التي عايشت حالات أطفال وطفلات حرموا من الدراسة 6 أشهر أو 8 أشهر أو موسما دراسيا كاملا إلى أن يتم صدور حكم الطلاق النهائي.
في حالات أخرى، وقفنا عليها أثناء إنجاز التقرير، حتى حين تتوفر الإمكانيات المالية لدى الأم وترغب في تسفير الأبناء خارج أرض الوطن لمتابعة الدراسة، أو الاستفادة من رحلات مدرسية ترفيهية أو رياضية أو ثقافية وحتى مباريات في الخارج، تصطدم الكثير من الأحلام والرغبات بمشاكل كبيرة في استصدار جوازات السفر حين يرفض الأب هذا الإجراء، ما يحرم الأبناء من عدد من الحقوق.
رئيسة فدرالية رابطة حقوق النساء في المغرب، طالبت بالمراجعة الشاملة والعميقة لمدونة الأسرة المغربية وتغيير فلسفتها، على أن تكون مبنية على المساواة في رعاية الأبناء وشؤونهم، وأن تمتد رعاية الأسرة والتدبير المشترك إلى ما بعد الطلاق.
وتطالب الفدرالية بإلغاء جميع المُقتضيات التي تحرم المرأة من حقها في الولاية القانونية على أبنائها القاصرين، وتجعلها في مرتبة ثانوية أو تحت وصاية الزوج والتنصيص على حقها بشكل متساوٍ. بما لا يُعطِّل مصالح الأبناء وما يراعي مصلحتهم الفضلى.
الحل ولاية مشتركة
صحيح أن القانون المغربي بمرجعتيه المالكية حصر موضوع الولاية وجعلها حصرا من نصيب الأب، سواء أثناء ميثاق الزوجية أو بعد انحلاله، ومنح بعض الاستثناءات في حالة تعذر وجود الأب حيث يمكن للقضاء أن يتدخل عبر دعوة استعجالية كحيازة وثائق معينة أو انتقال من مدرسة إلى أخرى، لكن الخلافات التي تنشأ بعد انحلال ميثاق الزوجية تؤدي بالضرورة إلى ضياع حقوق الأطفال علاقة بمجموعة من الوثائق ما لم يستخرجها الأب أو يمنح إذنا صريحا للسفر خارج أرض الوطن.
محمد شماعو، محامٍ في هيئة الرباط، أوضح أن وثائق أساسية لا تمنح سوى للأب، وحتى القضاء الاستعجالي بتعقيداته والحصول على خدمات الدفاع أمور مكلفة ماديا ومعنويا، فضلا عن كونه وضعية غير سليمة ولا تخدم الأسرة ولا مصالح الأبناء بعد الطلاق.
ربما كان الوضع مقبولا سابقا لكن مع تطور المجتمع المغربي، وفق المحامي المغربي، نرى أن جعل الولاية مشتركة بين الزوجين لا يعتبر مساسا بالشرع، ولربما تتحد مصالحهما وهذا في صالح الأطفال، مع إعطاء القضاء الحق في الرقابة.
وبالعودة إلى أغلب الحالات التي وردت على مكتب المحامي محمد شماعو، تغلب التصرفات الانتقامية والتضييقية في حالة الخلاف والطلاق، خاصة وأن القانون بين يَدَي الأب، وبوجود نزاع بين هذا الأخير والأم يؤدي في النهاية إلى ضياع حقوق الأبناء سواء كانوا في المدارس أو طلبة جامعيين.
المحامي ختم كلامه بالقول: «في البداية والنهاية يجب مراعاة المصلحة الفضلى للأبناء، تماشيا مع المواثيق الدولية واتفاقيات حقوق الطفل التي صادق عليها المغرب، وحتى القرارات التي تصدرها محكمة النقض تعطي أولوية لتطبيق المواثيق الدولية وتُقرُّ المصلحة الفضلى للطفل لإنتاج أجيال سوية نفسيا ولها مراكز قانونية قوية وليست تحت رحمة طرف واحد بل الأم الحاضنة والأب معا».
نفسية سليمة ومصلحة فضلى
نفسية الأطفال ومصلحتهم الفضلى، وسط حرب خفية أو معلنة بين أبويهم، هي مربط فرس التعديلات المَرجُوَّة والمنتظرة بمدونة الأسرة بالمغرب، وهذا ما دفع محمد حُبيب، أخصائي اجتماعي وباحث في علم النفس، إلى الإشارة إلى متلازمة جديدة تدعى «الاغتراب الأبوي» والتي تنبني على صِراع الولاء عبر نقل أفكار وانطباعات سلبية عن الأب أو الأم، الغاية منها الحد من علاقات الابن مع أحد الطرفين وشحنه ضد أحدهما.
علاقة بالصراع النفسي لدى الطفل، حدَّد المُشرع المغربي سن 7 سنوات من أجل المطالبة بإسقاط الحضانة عن الأم، وفتح المجال أمام اختيار الطفل لحاضنه إلى غاية 15 سنة، لكنه سَكت عن الفترة الممتدة ما بين 7 و14 سنة، يقول الأخصائي الاجتماعي، لافتا إلى أن الأم الحاضنة يمكنها الزواج قبل أن يبلغ طفلها 7 سنوات، بعد هذا السن قد يطالب الأب بإعادة الحضانة إليه.
«رجوعا إلى الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل والمادة 12 التي تنبني على مبدأ المشاركة، تُحتِّم إشراك الطفل في كل ما يهمُّه من قضايا مع مراعاة سنه ونضجه، ورغم أن السن القانوني للأطفال هي 12 فحتى أطفال 13 سنة لا يتم الاستماع إليهم في القضاء إلا قليلا وفي ملفات قليلة جدا» يقول حُبيب.
لإيجاد حلول ناجعة، يؤمن الباحث في علم النفس بضرورة وجود وساطة أسرية يقوم بها مساعد اجتماعي وأخصائي نفسي وبإشراك الطفل، ذلك أن مسؤولية الحضانة ليست للأب أو الأم بل المحضون كذلك، إذ يحق للطفل أن يشارك في العملية وأن يُبدي رأيه بعيدا عن كل الشحن السلبي، لافتا إلى أهمية العمل من منطلق سيكولوجي، على أن ينظر الطفل لوالديه بشكل مُتساوٍ وجدانيا وعاطفيا دون أي تحامل أو تشويه صورة الآخر في ذهنيته الأمر الذي له آثار وخيمة عليه.
وبالعودة إلى ملف الدعوى القضائية بين الفنانين المغربيين، قَضَت المحكمة الابتدائية الاجتماعية بمدينة الدار البيضاء، بـ «عدم قبول إسقاط ولاية الفنان أمين الناجي عن ابنه، مع تمكين الأم الحاضنة من تسجيل ابنها بمدرسة البعثة الفرنسية ورفض باقي الطلبات».
جميلة الهوني، وهي تستعد من جديد لاستئناف الحكم مؤكدة أنها «لن تفقد الأمل» وفق تعبيرها، تضع الكثير من المغربيات الحاضنات أيديهن على قلوبهن في انتظار تغيير إيجابي في بنود مدونة الأسرة تمكنهن من تدبير شؤون أبنائهن بشكل مُساوِ مع الأب دون اللجوء للمساطر القضائية.