الرسام العراقي أحمد دخيل: مقاربة النص البصري للنص الشعري

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

تتجلى قيمة الصورة الشعرية في أنها قابلة للتفكيك إلى خطابات متغيرة ومتحولة إذا ما اقترب منها الرَّسام، كما في تجربة أحمد دخيل، فهي محاولة منه لتعريتها، وكشف ما قد تضمره من ذخيرة سريِّة قابلة للتدفق خلف صياغات الجُّملة الشعرية، بتركيباتها الرمزية والاستعارية والمجازية، بالتالي لابد له من أنه ينحاز إلى ناحية خلق بِنية صورية معادلة للنص الشعري، وقد يفترق فيها الرسام عمّا يشي به الشعر من إيحاءات، وفقا لما تتمثله تجربته من استعارات صورية، تكتسب حضورها التشكيلي الخاص من ذاتية عوالمه وروافد ثقافته قبل ممكنات النَّص الشعري، وهذا ما يتيح له أن يخلق نصّا بَصَريا موازيا لِما تحتمله مضمرات النّص الشعري، اعتمادا على تقنيات مشغله التشكيلي.
إن جوهر أي عمل إبداعي، يبدو بشكل جلي عندما يحاكي الفنان التشكيلي نصا شعريا وهو يمسك بوهج المغامرة، لينشئ معه حوارا قائما على قدر من التخييل وهو يتوخى الدخول إلى خفايا المفردة الشعرية، وما تشي به من دلالات وصور ومجازات دائما ما تبقى في حالة من الحركة وعدم الثبات، مع كل قراءة تأويلية يخضع لها النص.
المحاولة التي أقدم عليها أحمد دخيل قدَّمت لنا مساحة من حرية الحوار الذي يُمكِن أن يقيمه الرسم مع الشعر. في الوقت نفسه تدخل هذه المغامرة في إطار الأخذ بفن الرسم إلى منطقة كثيفة أشبه بغابة بدائية، تتألف عناصرها من الكلمة وتأويلاتها المتشطية ليستجيب الرسام فيها إلى مغامرة ساخنة حافلة بعوالم يتداخل فيها المرئي واللامرئي، الواقعي والمتخيل، رغم أن الواقع يبقى المعين الأساس الذي تنهل منه أي تجربة شعرية مهما كان الأسلوب الذي صيغت به.
وتكمن خصوصية أحمد دخيل في أطار انزياحات ما جاءت به تجربته، في أنه لم يستند على محاورة شاعر واحد، بل في مجموعة من العوالم تنتمي لشعراء كثيرين، عراقيين وعرب، ليس هناك ما يجمع مراياهم الشعرية، ودون شك فإن عملية فحص وقراءة ما انطوت عليه شطحات خيال الشعراء بكل ما فيها من فرادة ذاتية، تحتاج إلى أن تكون مخيلة الرسام في حالة من اليقظة والنشاط والفاعلية، بقصد إيجاد تعالقات صورية معادلة ومقاربة لما تحاول النصوص أن تواريه خلف ستار المفردات والجمل.
ما أقدم عليه دخيل، عبَّر عن النطاق الواسع الذي يتوفر في مخيلة الرسام، في تحليل وتفكيك النَّص الشعري، والخروج بنصوص بصريِّة تمتلك مكوناتها الأصلية، رغم عدم استبعاد إمكانية اعتماده على ما في ذخيرته من محفزات فنية سبق أن أنجزها في سياق محترف تجربته.
نحن أمام مقاربة بصرية تنتمي إلى مشاريع شعرية مختلفة لعدد من الشعراء، إلاَّ أن قيمة النص التشكيلي تكمن في أنه قد انزاح عن تموضعات النصوص الخام الشعرية من حيث الشكل الجمالي، للتعبير عن ذات الأفكارالمخبوءة فيها.
من الممكن أن نقرأ كل لوحة تشكيلية لوحدها بمعزل عن القصيدة، ومن الممكن أيضا أن نُحيلها إلى حوارية نقدية بين الاثنين (النَّص واللوحة) لاكتشاف جماليات وخصوصية كل واحدة منهما، ولا جدوى من أية محاولة للكشف عن مدى مطابقة التشكيلي مع الشعري.

المُمكن واللامتوقع

حرص أحمد دخيل في هذه التجربة على أن يقيم علاقة حميمة بين الشعرومفردات اللوحة التشكيلية لاستنهاض واكتشاف ما يمكن أن تختزنه هذه الصلة من قيمة بصرية، مُزيحا بذلك أية عوائق قد تقف حائلا ما بين تلاحم مفردات النص الشعري والرؤية التشيكيلية، ليؤكد على إمكانية أن يتوغل الرسام عميقا بين أشياء قد تبدو من الناحية التقنية غير متآلفة، لكن بصيرته تعبر به إلى ما هو غير ممكن وغير متوقع ليصبح ممكنا ومتوقعا.
في المحصلة النهائية هناك ما يثير البهجة في كل لوحة، فبالاضافة إلى خصوصية ألوانه التي تعكس بيئته الموصلية بنقاوة طبيعتها، فإن الجانب الجمالي يكمن في محاولته استكناه ما تضمره دلالات النص الشعري من صور وايحاءات في ذات الرَّسام.
مثل هذه التجارب تأخذ فن الرسم إلى ضفة مثيرة من ممكنات الاشتغال، يتداخل فيها الخط مع اللون والمساحة والفراغ، وإذا ما توقفنا عند مسار أحمد دخيل في الرَّسم الذي اختطه منذ النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي مع أول معرض أقامه، سنجد كثافة انغماره بكل ما له صلة بالبيئة الموصلية، وهذا ما كان حاضرا هنا أيضا، ما يعني استمراره في تبنّي إعادة إحياء مفردات البيئة التي ينتمي إليها في بنية اللوحة مع أي تجربة يُقدِمُ على إنجازها مهما بَدَت بعيدة عن ذائقته المحلية التي دائما ما يصر على الاحتفاء بها، وهذا ما يشير إلى سعيه الدائم لتأكيد هويته الأسلوبية وتكريسها في ذاكرة المتلقي الذي يتابع أعماله، مُبتعدا بذلك في نهجه عن الانبهار بما هو شائع من نتاج تشكيلي رائج في مشهد الرسم العراقي، والذي دائما ما نجد الكثير من المشتغلين فيه يتوقفون طويلا أمام ما ينتجه الفن الغربي الحديث. فالمغامرة الفنية بالنسبة له تبقى المراهنة فيها قائمة على خلخة الحواجز التي تقف ما بين الواقعي والمتخيَّل، وإيجاد علاقة قائمة على التوازن والتماهي بينهما، كما جاءت عليه النزعة في هذه اللوحات.
إن فضاء الرسم لديه يتيح له أن يجد تركيبة كولاجية، تجمعُ داخل بنية التخييل البصري دلالة المفردة اللغوية مع دلالة خطوط ومساحات وألوان اللوحة التشكيلية.
إن المراهنة على إقامة هذا الحوار تأتي من حرصه على أن يخرج بعناصر اللوحة التقليدية إلى المواجهة مع عناصر أخرى تقف خارجها ولا تنتمي إليها لأجل أن يستدرجها بهدوء إلى داخلها، ولتصبح جزءا من مكنوناتها.

لا مراهنة على الصدمات

دخيل يمثل صورة للرسام الذي مهما حاول أن يُرهِن تجربته في هوى المغامرة والتجريب إلاَّ أنه يبقى مُصِرَّا على أن يضفي لمحة بيئته، كما لو أنه لا يستطيع التنفس خارج هذه الدائرة التي رسمها بوعيه وإرادته حول نفسه، طالما يجد فيها حريته في التعبير عن ذاكرته وخلجاته وما يطمح إلى تحقيقه من مفاجأة في لوحته، والمتلقي يدرك مسبقا قبل أن يرى أي معرض جديد له طبيعة الفضاء الذي ستحلِّق فيه عناوينه وموضوعاته، وفي الوقت نفسه يتوقع أن يراه ملتقطا زوايا جديدة للحكاية التشكيلية التي اعتاد أن يسردها، لأن دخيل لا يراهن على إحداث صدمات بصرية غارقة في الغموض، بقدر ما ينحو إلى بناء علاقة جمالية ينحتها بمفردات وتقنيات تشكيلية تميل بقدر ما إلى الوضوح وإلى أن يكون بينها وبين المتلقي وشائج وجدانية وذاكراتية، تفتح أمامه نافذة لانثيال خيط من الذكريات الحميمة وفي هذه اللوحات لم يحِد عن نهجه هذا، رغم أن بنية الشعر، بنظمه الكلاسيكي وكذلك الحديث، كانت حاضر كمفردة مركزية.
توِّجَت اللوحات بنصوص لشعراء عراقيين وعرب، وهُم كلٌ مِن: ميسر الخشاب، أمجد محمد سعيد، رعد فاضل، هشام عبدالكريم، كرم الأعرجي، محمد صابر عبيد، أحمد عبدالمعطي حجازي، معد الجبوري، حسين رحيم، فلاح النداوي، سعاد السامر، فيصل القصيري، خالد عبد صالح، مروان ياسين، وليد الصراف، احمد جارالله، علي الفاعوري.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية