لندن ـ «القدس العربي»: اعتبارا من اليوم الأحد، سيبدأ العد التنازلي لانتهاء المنافسة في الدوريات الأوروبية الخمس الكبرى في أوروبا، حيث سيصل قطار الدوري الأشهر والأغلى عالميا البريميرليغ إلى محطته الأخيرة في حملة 2022-2023، بعد اكتمال ملامحه وترتيبه النهائي، باحتفاظ مانشستر سيتي باللقب للمرة الثالثة على التوالي والخامسة في آخر ستة مواسم تحت إمرة بيب غوارديولا، وبالمثل أسدل الستار أمس السبت على المنافسة في الدوري الألماني البوندسليغا، على أن تُطلق آخر صافرة في ملاعب إسبانيا وإيطاليا وفرنسا في عطلة نهاية الأسبوع الجديد.
موسم التقلبات والهدايا
كما تابعنا سباق المنافسة على لقب الدوري الإنكليزي الممتاز، كانت أغلب التوقعات تصب في مصلحة المدرب الإسباني ميكيل آرتيتا ومشروعه الذهبي مع آرسنال، بفضل ما سميت بعد ذلك بصحوة المدفعجية، التي أعادت شيئا من الماضي الجميل، باحتفاظ الفريق بصدارة جدول الترتيب العام حتى الأمتار الأخيرة، أو بعبارة أكثر صراحة، إلى أن ظهر فارق الخبرة بين الأستاذ والتلميذ، خاصة في أوقات الأزمات وضغط المباريات، وشاهدنا كيف تفنن الفريق اللندني في تقديم الهدايا الثمينة لخصمه السماوي، منها على سبيل المثال لا الحصر، مأساة «الآنفيلد»، عندما فرط الفريق في تقدمه على محمد صلاح ورفاقه في ليفربول بثنائية نظيفة، وتكرر نفس المشهد في الديربي العاصمي العصيب أمام مطارق وستهام، الذي انتهى بنفس النتيجة، كعقاب لنجم الدور الأول بوكايو ساكا بعد إهداره لركلة جزاء كانت كفيلة بقتل المباراة إكلينيكيا في أول 10 دقائق من الشوط الثاني، وما زاد الطين بلة، استمرار نزيف النقاط بتعادل ثالث على التوالي في شهر ابريل / نيسان الحاسم أمام متذيل الجدول ساوثهامبتون بنتيجة 3-3، وذلك قبل أيام من القمة الفاصلة على اللقب أمام المنافس المباشر في عقر داره ملعب «الاتحاد». وفي المقابل، كان فريق المدرب الكتالوني يحرق الأخضر واليابس سواء في ملاعب المملكة المتحدة أو في أوروبا، معيدا إلى الأذهان سلاسل انتصاراته المدوية في صراعاته التاريخية مع المنافس السابق ليفربول، بتحقيق 12 انتصاراً على التوالي، بدأ بافتراس بورنموث برباعية في الجولة الـ25، ولم يتوقف إلا بعد ضمان اللقب بشكل رسمي في ليلة التعادل أمام برايتون بهدف لمثله، وهي الفترة التي شهدت التقلبات والانعطافات الكبيرة في المنافسة، وأيضا اللحظات الحاسمة التي نصبت مانشستر سيتي ملكا وبطلا، والعكس لآرتيتا ورجاله، الذين اكتفوا بالأحلام الجميلة وشرف المحاولة على مدار أكثر من 30 جولة، قبل تهتز الأرض تحت أقدامهم، ربما لعدم قدرتهم على تحمل الضغط في أسابيع الحسم، أو ربما لضعف خبرة القوام الرئيسي وعدم تمرسهم على لعبة المنافسة على اللقب من قبل، أو ربما لقلة البدلاء السوبر، مقارنة بخبرة وتمرس المنافس على هكذا صراعات، وكذا تسلحه بجواهر ومواهب من الطراز العالمي على مقاعد البدلاء.
شخصية البطل
لا شك أبدا، أن شخصية البطل التي صنعها غوارديولا بإرثه التاريخي في ملعب «الاتحاد»، كانت سببا جوهريا في انقلاب موازين المنافسة في الأسابيع الأخيرة، باعتماده على مجموعة لا تعرف فقط أصول وقواعد اللعبة كل يوم سبت وأحد، بل في قمة التجانس والتفاهم الكروي، ويكفي أننا نتحدث عن الفريق الذي يجمع بين صاحب الحذاء الذهبي كأفضل هداف في المسابقة وأفضل صانع ألعاب، والحديث عن المحارب القادم من عصور محاربي الفايكينغ إيرلنغ براوت هالاند وشريكه الأشقر كيفن دي بروين. وبعد الأرقام القياسية الإعجازية التي حققها الشاب النرويجي في موسمه الأول في وطن كرة القدم، يمكن القول، إنه أثبت بشكل عملي، أنه بالفعل القطعة المفقودة التي كان يبحث عنها الفيلسوف لإحداث تلك النقلة العملاقة في مشروعه، بعد حقبة من السنوات والفرص الضائعة، التي تحسر خلالها بيب على عدم وجود مهاجم على نفس جودة المنظومة الجماعية المخيفة، وشاهدنا التأثير الفوري لهالاند وأهدافه بعد مباراة الدرع الخيرية أمام ليفربول، تلك المباراة التي تعرض فيها لانتقادات لاذعة، بسبب الفرص السهلة التي تفنن في إهدارها أمام الحارس أليسون، وحدث العكس مع الوافد الجديد آنذاك على الريدز داروين نونييز، لتألقه اللافت في تلك المباراة التي حسمها رجال يورغن كلوب بثلاثية مقابل هدف، لكننا شاهدنا ما حدث بعد ذلك، بداية من مباراته الافتتاحية لموسم البريميرليغ أمام وستهام، بتوقيعه على هدفي الفوز، ثم بالرعب الذي اجتاح بريطانيا وأوروبا في ما عرف بأول سلسلة أهداف في 7 مباريات في مختلف المسابقات، منها اثنان «هاتريك» على التوالي، الأول في شباك كريستال بالاس في الأسبوع الرابع، والثاني في نزهة نوتنغهام فورست في الأسبوع التالي، والأهم ثلاثيته في ليلة افتراس الجار مانشستر يونايتد بالستة في دربي الأسبوع التاسع، حتى في الأوقات المعقدة، تقمص دور البطولة المطلقة، كما فعلها أمام فولهام، في المباراة التي استكملها السيتي بعشرة لاعبين بسبب طرد جواو كانسيلو قبل إرساله إلى بايرن ميونيخ الألماني على سبيل الإعارة، ومع ذلك، نجح الفريق في خطف النقاط الثلاث في آخر لحظات الوقت المحتسب بدلا من الضائع، بفضل ركلات الجزاء التي تحصل عليها دي بروين، ونفذها هالاند بهدوء أعصاب وثقة يُحسد عليها، وفي مباراة أخرى مشابهة، ظهرت قيمة دي بروين، بخطف هدف فض الاشتباك مع ليستر سيتي، في مباراة لم تكن الأفضل بالنسبة لهالاند، هذا ولم نتحدث عن تأثير وقوة مقاعد البدلاء، متمثلة في إضافة الساحر الجزائري رياض محرز وبطل العالم جوليان ألفاريز والشاب اليافع فل فودين، وهي المقاومات التي لا يتمتع بها آرسنال.
الشاهد عزيزي القارئ وخصوصا عاشق آرسنال، أن ميكيل آرتيتا راح ضحية الظروف والعدوى التي أصابت لاعبيه في الأمتار الأخيرة، مثل مقولة ريتشارد قلب الأسد في ملحمة الناصر صلاح الدين «كل حلفائك خانوك يا ريتشارد»، بدأت بالصفعات المتتالية التي تلقاها من المنافس المباشر في المواجهات المباشرة بينهما، سواء في مباراة كأس الاتحاد الإنكليزي أو مباراتي الدور الأول والثاني في البريميرليغ، ثم بكارثة إصابة صمام الأمان ورجل الدفاع في النصف الأول ويليام ساليبا، بعد انتهاء موسمه لحظة خروجه من الملعب أمام سبورتنغ لشبونة منتصف مارس / آذار الماضي في إقصائيات اليوروبا ليغ، ولاحظنا تأثر الدفاع بغيابه، باهتزاز الشباك في 7 مباريات على التوالي، فقط حافظ الغانرز على نظافة الشباك لأول مرة من دون صخرة الدفاع أمام نيوكاسل يونايتد، وحدث ذلك بعد خراب مالطة، بعد التفريط في الصدارة والوصول إلى مرحلة ما قبل الانهيار الكبير في آخر هزيمتين على يدي برايتون ونوتنغهام فورست، ولأن المصائب لا تأتي فرادى، حدث هبوط جماعي في مستوى صناع الفارق، والحديث عن ساكا ومارتينيلي ومارتن أوديغارد، بظهورهم بنسخة أقل ما يُقال عنها باهتة ولا تقارن بحالة التوهج التي كانوا عليها في فترة ما قبل وبعد كأس العالم، وهذا ما جعل المدرب يبدو وكأنه عاجز على تجاوز صداع المصابين والغائبين، وأبرزهم ساليبا وزينتشينكو، مقارنة بالأستاذ الذي أعطى نظراءه في كل بقاع الأرض مجموعة من الدروس والمحاضرات المجانية، في كيفية تعويض الإصابات بأفكار إبداعية من خارج الصندوق تخدم مصالح الفريق، مثل تحوله إلى أسلوب 3-2-4-1 المخيف، لحل معضلة النقص العددي الحاد في مركز الظهيرين الأيمن والأيسر، بالاعتماد على أكانجي وآكي بجانب قائد الدفاع روبن دياز، وعلى اليمين بيرناردو سيلفا في مركز الظهير الطائر، وفي الجهة الأخرى الصفقة الجديدة القديمة جاك غريليش برفقة باقي أفراد العصابة رودري وملك التحكم في الكرة وإيقاع اللعب إلكاي غندوغان والعبقري البلجيكي والسفاح النرويجي، لتحدث هذه الريمونتادا، التي جعلت السيتي قاب قوسين أو أدنى من تحقيق ثاني ثلاثية في تاريخ الأندية الإنكليزية، بتأمين البريميرليغ المفضل وفي انتظار نهائي كأس الاتحاد الإنكليزي أمام عدو المدينة مانشستر يونايتد ونهائي الأحلام ضد الإنتر الايطالي، لكن كما أشرنا أعلاه، هذا لا يقلل من آرسنال ولا من الدور الكبير الذي لعبه هذا الموسم، بخلق نوعا من أنواع المنافسة الحقيقية على اللقب، بدلا من استفراد الغول السماوي بالصدارة، في واحد من أتعس مواسم ليفربول نسخة يورغن كلوب وتشلسي وتوتنهام وبدرجة أقل مانشستر يونايتد.
دراما ومواقف محرجة
على غير العادة طيلة العقد الماضي في ألمانيا، تأتي الجولة الختامية للبوندسليغا، ولا يكون كبير القوم بايرن ميونيخ قد ضمن اللقب بشكل رسمي، بل الأكثر دهشة وغرابة، أنه سيخوض مباراته الأخيرة أمام كولن، ومصير اللقب ليس بيده، بعد الهدية الثمينة التي قدمها فريق توماس توخيل، للمنافس المباشر بوروسيا دورتموند الأسبوع الماضي، بالتجرع من مرارة الهزيمة للمرة الأولى أمام لايبزيج في قلب «آليانز آرينا»، وذلك في الوقت الذي تجاوز فيه فريق البوروسيا مضيفه أوغسبورغ بثلاثية نظيفة، ليستعيد أسود الفيستيفاليا صدارة الدوري الألماني برصيد 70 نقطة، بفارق نقطتين عن بطل العقد الماضي، ليصبح بحاجة للفوز بأي نتيجة على ماينز في المباراة الاخيرة، ليظفر باللقب الحادي عشر في تاريخه، أو يواجه مصير باير ليفركوزن، الذي فرط في الصدارة واللقب في الجولة الأخيرة لمصلحة العملاق البافاري، إثر هزيمته أمام اونترهاتشينغ بهدفين نظيفين، في الوقت الذي فاز فيه البايرن على ضيفه فيردر بريمن بنتيجة 3-1، ليخطف اللقب بفارق الأهداف في الجولة الأخيرة، وهذا ما يحلم به توخيل ليكون ثالث مدرب في تاريخ النادي، يتمكن من تحقيق اللقب في الجولة الختامية بعد أودو لاتيك عام 1986 وأوتمار هيتسفيلد في بداية الألفية، وهذا يحتاج أولا تخطي عقبة كولن في عقر داره، وما يدعو للتفاؤل بالنسبة لمشجعي النادي البافاري، أنه منذ آخر هزيمة تلقاها الفريق على ملعب «راين انيرجي» في فبراير / شباط العام 2022 بنتيجة 3-2، والبايرن لا يعرف سوى طعم الفوز في كل زياراته الثماني السابقة، وهي أطول سلسلة هزائم متتالية لأي فريق على أرضه أمام الزائر في البوندسليغا، في المقابل، تأتي هدية من السماء، بتعثر دورتموند أمام ماينز، كما حدث 3 مرات من قبل في آخر 6 زيارات للأخير لملعب «سيغنال أيدونا بارك»، محققا الفوز في مباراتين وتعادل في الثالثة مقابل 3 هزائم، مع حفاظ ماينز على التسجيل في كل الزيارات، ولو أنه في المقابل، هناك ما يثير المخاوف في «آليانز آرينا»، رغم السجل السلبي لكولن أمام حامل اللقب، ويكمن في الطفرة الملموسة في نتائج وأداء أصحاب «راين انيرجي» في آخر 8 جولات، حيث حقق الفريق ما مجموعه 15 نقطة دفعة واحدة، من 4 انتصارات و3 تعادلات، مقابل هزيمة واحدة كانت أمام فرايبورغ في الجولة الـ30، وهذا يعني، أنه خامس أفضل فريق جمعا للنقاط في تلك الفترة، ولا يتفوق عليه سوى لايبزيج (18)، دورتموند (17) وبايرن (16) نقطة، فهل ستسير الأمور كما يخطط لها النادي البافاري وجماهيره ويخطفون اللقب في آخر 90 دقيقة لإنقاذ الموسم ببطولة بعد الخروج المبكر من كأس ألمانيا ودوري أبطال أوروبا؟ أم سيتشبث البوروسيا بالصدارة لكسر هيمنة المنافس على اللقب وتحقيق اللقب للمرة الأولى منذ زمن يورغن كلوب عام 2013؟
احراج جيرمان
وبدرجة أقل، يواجه باريس سان جيرمان نفس الإحراج أمام مشجعيه، والأمر لا يتعلق بتأخر فريق الأحلام في حسم لقب الليغ1 في وقت مبكر كما هو معتاد في حقبة الرئيس ناصر الخليفي، بل أيضا في الفصول الباردة، التي يعاني منها الفريق تحت قيادة كريستوف غالتييه، وتكمن في النتائج الصادمة التي يحققها الفريق من حين الى آخر، آخرها السقوط بالثلاثة في قلب «حديقة الأمراء» أمام لوريان مطلع الشهر الجاري، وسبقها هزيمة أمام ليون في نفس الملعب، وغيرها من المباريات التي تندرج تحت مسمى «مضمونة» على الورق، لكن على أرض الواقع، جاءت بنتائج أقل ما يُقال عنها أنها لا تتماشى مع الحد الأدنى لأهداف وطموحات الجماهير، ليبقى اللقب معلقا بلغة الأرقام والحسابات حتى الجولة قبل الأخيرة، حيث يحتاج «بي إس جي»، أي نتيجة إيجابية في سهرة اليوم أمام ستراسبورغ، ليسدل الستار على السباق بشكل رسمي، كأفضل تعويض للمشجعين بعد خيبة الأمل المزدوجة، بتوديع كأس فرنسا ودوري الأبطال في غضون أيام على يد مارسيليا ثم بايرن ميونيخ، أما في إسبانيا وإيطاليا، فلم تحدث مفاجآت أو سيناريوهات مختلفة عن توقعات أغلب النقاد والمشجعين، حيث كانت المنافسة شبه محسومة في الليغا وجنة كرة القدم، بهيمنة برشلونة على الصدارة، بفارق سنين ضوئية عن ريال مدريد المترنح والمشتت بين المنافسة المحلية والاحتفاظ بالكأس ذات الأذنين، فكانت النتيجة، حسم اللقب بفارق 14 نقطة ما زالت قابلة للزيادة، ونفس الأمر بالنسبة لنابولي، الذي لم يجد من ينافسه على أول لقب يزين خزائن معقل فقراء الجنوب منذ زمن الأسطورة الراحل دييغو أرماندو مارادونا، وحدث ذلك بعد تغيير الملعب باسمه، وبعد أشهر قليلة من احتفالات الأرجنتين بأول كأس عالم منذ سنوات مجد مارادونا.