نواكشوط ـ «القدس العربي»: لا يوجد معتقد تجمع عليه ثقافات البشر مثلما هي مجمعة على تأثير النظرة والعين؛ فغالبية الأمراض المزمنة التي تصيب الإنسان والتي يفشل الطب في علاجها تعود حسب الأخصائيين، إلى تأثير العين وإلى ضربة من ضربات النظرة.
ومن الغريب أن المعيان أو العائن وهو من صنف بشري عينه ونظرته تضر، قد يصيب غيره بالعين بدون أن يقصد الإضرار به.
وتنقسم العين، حسب تأكيدات، الشيخ محمد الصغير، طبيب العين الموريتاني المتخصص في نزعها من المصابين، إلى عين حسد سوداء وعين غبطة وغيرة وكلاهما مضر؛ والفرق بينهما أن ضرر عين الحسد تصيب الجانب الأيسر للمصاب، بينما تصيب عين الغيرة الجانب الأيمن.
ويرى الطبيب محمد الصغير «أن الإنسان قد يصاب بالعين في الشارع أو في السوق أو داخل المكاتب أو مصاعد العمارات من أشخاص لا يعرفهم ولا يعرفونه، وذلك تبعا لحالته» مضيفا «أنه كم من فتاة أتقنت مكيجتها وخرجت إلى الشارع لتجني بدلا من الإعجاب، ضربات عين فتعود إلى بيتها مصابة بصداع أو بخدشات في الوجه أو الرجلين، أو بسقطة وانزلاق من نعال عالية الكعب».
ويسود معظم في الثقافات الأفريقية اعتقاد بأن يعتقد بأن الرضع والأطفال الصغار، هم أكثر من يصاب بالعين لأنهم عادةً محط أنظار وإعجاب الغرباء أو النساء المحرومين من الأطفال.
وتأتي العين من خلال «إطالة النظر» والتركيز على الضحية أو الشخص أو حتى الحيوان المرغوب فيه، لفترة طويلة جداً.
وشاع الإيمان بالعين الحاسدة بشكل واسع في الشرق الأوسط، وشرق وغرب أفريقيا، وأمريكا الوسطى، وجنوب آسيا، وآسيا الوسطى، وأوروبا، وخاصة منطقة البحر الأبيض المتوسط؛ كما انتشر اعتقاد وجودها وتأثيرها في مناطق أخرى بما فيها شمال أوروبا.
وأمام دكان الشيخ محمد الصغير وسط العاصمة نواكشوط، يصطف الراغبون في نزع العين واستلام التعاويذ وهم من كافة الأعمار: يذرع الشيخ خيطا سميكا بمقاس متر ونصف، ثم يقرأ عليه همهمة وتمتمة ويضرب به كتفي ووجه المصاب ثم يذرعه فإن نقص فهي عين حسد سوداء، وإن زاد فهي غيرة حمراء؛ ثم يقرر أنها انتقلت من المصاب إلى الخيط، وهنا يواصل الشيخ القراءة على الخيط إلى أن يرجع الخيط إلى مقاسه، فيعطيه للمريض ليعلقه حول رقبته أربعين يوما.
ومع أن الإسلام حرم التعاويذ للوقاية من العين واعتبرها فقهاء متشددون «أوثانا»، فالكثيرون في غرب أفريقيا خاصة وفي بعض دول المغرب العربي، يحملون معهم أحرازا مضادة للعين، وهناك تحاصين يحملها الأشخاص وتحاصين معلقة على بوابات المنازل، وأخرى مربوطة في مقاود السيارات.
ومن العبارات الدافعة للعين المكتوبة على معظم سيارات دول الخليج «ما شاء الله» ومنها «تبارك الله» ومما يرد العين في المعتقدات الأفريقية «أن تكتب على سيارتك عبارة حتى أنت» ومنها عبارة «حسبنا الله».
وتختلف تعاويذ درء العين من ثقافة إلى أخرى، فهي في أفريقيا مربعات من النحاس الأصفر بداخلها طلاسم، وهي في ثقافات أخرى أصداف بحرية بيضاء، وتجدها أحيانا خرزات ملونة.
ومن التعاويذ الشائعة «يد الخمسة» وهي تعويذة ضد العين، على شكل يد بها خمسة أصابع؛ ولذلك سميت بـ «يد الخمسة» وهي في الثقافة اليهودية، «يد مريم» وفي بعض المجتمعات الإسلامية يسمونها «يد فاطمة» على أن السائد هو الاعتقاد بأن التعاويذ مجرد خرافات لا أصل لها في الشرع، فالله وحده هو الحامي ضد أي مكروه.
ويظل الإنسان المجبول على البقاء يخوض معركته السيزيفية مع الأقدار معاندا لها ومتخفيا عنها حتى إذا أخذته لم تفلته، ولا نهاية لذلك النِزال.