ربما لأول مرة يتم «كشف مستور» خبايا التحرش الجنسي في المجتمعات المغاربية، بكل تفاصيل الأسماء والأماكن، وبكل جرأة، الظاهرة التي تنخر ليس فقط الوسط الفني، الذي قامت بفضحه الفنانة المغربية نجاة خير الله، وإنما انتشر كالسرطان في المؤسسات الرسمية، وكم تفشت الظاهرة داخل مكاتب المدراء والمخرجين وأصحاب السلط المختلفة، دون محاسبة على هذه الجرائم البشعة، التي يقرف منها الإنسان والقانون.
الصمت المطبق عنها جعلها في خانة المواضيع المحظورة، وترك الحبل على الغارب للمتحرشين. والفضل لـ»برنامج العشابي»، وللشجاعة التي تحلت بها الفنانة، ولو أن الثمن الذي دفعته كان باهظا (تبرؤ والدتها منها) والذي ستدفعه سيكون مسارها الفني.
هذا الموضوع جعل منصات التواصل الاجتماعي تنشغل بتصريحات نجاة خير الله في برنامج «العشابي»، وبعدما فرقعت الرمانة، وهذه المرة في برنامج «كاريزما» فضحت المستور بين الفن وأهله، وما تعرضت له بعد ذلك من أسرتها، ولا سيما بعدما تبرأت منها والدتها.
في البرنامج كانت «إجابات نجاة خير الله جريئة تكشف فيها فساد الوسط الفني والتحرش الذي كانت تتعرض له من أجل المشاركة في عمل فني معين».
يضيف موقع «رمال تي في»، الذي نقل الخبر «وفي بث مباشر على حسابها الرسمي على إنستغرام، عبرت خير الله عن صدمتها من تصرف والدتها، التي وصفتها بأنها وصمة عار على العائلة، لأنها شوهت اسمهم العائلي.
وقالت الممثلة «أمي تبرأت مني تبرأت مني إلى يوم الدين على الحلقة هذه في برنامج كاريزما».
وكان تفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي متضامنا مع الفنانة، لأنها كشفت «العفن» في الوسط الفني، مثلما نقرأ أيضا على صفحة بالفرنسية:
نجاة خير الله: الوسط الفن ينخره الفساد والتحرش الجنسي ومخرجون كبار يساومون الممثلات على أدوار البطولة. عرت الممثلة المغربية، واقع الوسط الفني المخزي في المغرب وما يشوبه من أفعال ترقى لجرائم يعاقب عليها القانون. وكشفت أن جريمة التحرش الجنسي شائعة ومنتشرة في الوسط الفني في المغرب، بنسبة تصل إلى 99 في المئة، مضيفة أن كثيرا من المشتغلين في الميدان الفني معروفون بإلحادهم، وهو ما يجعلهم لا يجدون حرجا في شرب الخمر والزنا والتحرش، الذي غالبا ما يتم تسويغه والتطبيع معه تحت شعارات براقة ورنانة، من قبيل «الحرية». ويضيف المنشور على الفيسبوك «أكدت تعرضها للتحرش من طرف عدد من زملائها، من بينهم مخرجون معروفون، أحدهم كان يتوفر على سرير في مكتبه الخاص، ويساوم الممثلات على أدوار البطولة!
وعن قضيتها مع زميلها المخرج طارق البخاري، الذي اتهمته بالتحرش بها، أوضحت أن القضية ما زالت في ردهات المحاكم، وأنها لم تأخذ حقها بعد».
وفي ختام المنشور نقرأ: «الغريب أن كثيرا من الفنانين ينادون بحرية المرأة وحقوقها وينصبون أنفسهم مدافعين عنها، مع أن المجال الذي يشتغلون فيه يتم استغلال المرأة فيه أبشع استغلال، وما نجاة خير الله التي تجرأت على كشف المستور، إلا واحدة من بين كثيرات هن ضحايا لهذا الوسط المتعفن، لكنهن يفضلن الصمت، ولكل واحدة سببها في ذلك». كما كشفت شخصيات حتى سياسية، وكأنها تقول بذلك «علي وعلى أعدائي» بعدما تأثرت أيما تأثير بتبرؤ والدتها منها، وهل هناك أغلى من الأم لنخسره»؟!
وتتعجب الفنانة في تصريحات أخرى من الأمر، ومن المفترض أن والدتها من تحميها، مما تعرضت له، وليس أن تتبرأ منها. والكثيرون طالبوها أن تعود لأمها وأن ما قالته والدتها كان لحظه غضب وقلب الأم سيحن لا محالة.
قضية الفنانة جرس انذار للتنديد، وكشف التحرش الوحشي، الذي يتربص بالنساء، تحت مسميات براقة وصور متعددة مشوهة!
مجسم «تستور» بين الجمال والقبح
تفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع المجسم ثلاثي الأبعاد، الذي تم نصبه على محول وسط مدينة «تستور» في ولاية «باجة» في الشمال الغربي من تونس، المدينة الشهيرة بإنتاج الرمان بأصنافه المتعددة، والذي يقام له مهرجان سنوي يؤثر إيجابا على الحركة الثقافية في المنطقة.
فعلى الصفحة الرسمية لـ»تستور اليوم»، نقرأ: «مجسم المحول لمدينة تستور أثار الكثير من الجدل، «لماذا لا نرحم ولا نترك رحمة الله تحل؟ لا نبدع ولا نترك غيرنا يبدع؟ رمان وكمان ومشموم الفل، للإبداع عنوان». وفي صفحة «تستور» على فيسبوك كتب صاحب الصفحة «عن نفسي أريد أن أعبر عن إعجابي، بهذا العمل الفني الرائع، الذي يلخص قصة وتاريخ مدينة تأسست منذ 1609، «تستور» أو «تشيلا» تمتد حقول الرمان فيها على حوالي 1400 هكتار، والتي تنتج ما شاء الله سنويا ما لا يقل عن 13 ألف طن. و»تستور» المدينة الأندلسية وعاصمة «المالوف»، الذي يعتبر نمطا موسيقيا ذا تقاليد شفوية الحفظ والتداول. ولكل واحد تنمر نقول: اللي مخلطش العنبة قال قارصة، مخاخكم عملت الريحة، اللي تعبان في أموره، ياخذ شوية رمان ولامعجونه»!
وردود أفعال ساكنة تستور عن «المتنمرين» الذين انتقدوا المجسم منذ اللحظات الأولى لوضعه. ومن هؤلاء نقرأ على صفحة نور الدين حمدي «مجسم تستور ما وجدت ما أقول، قدر ربي عملتوا راجل قاعد وماسك الربابة الي خلتنا مربربين، وفي أذنه مشموم، وبجانبه صحن رمان وقاعد على شجرة زيتون مش أحسن، والمشهد يكون رومنسيا وتكملوا معاه كاس شاي».
والأمر لا يعدو مجرد تنمر، بل يدخل في سياقات أكبر وأخطر بسبب المحسوبية لدى القائمين على تهيئة المدينة وتهميش الفنانين والنحاتين، كما جاء على صفحة وليد زديني «عندما يغيب أهل الفن والإبداع وأهل الاختصاص، للأسف يتواصل التلوث البصري، الذي نشاهده يوما بعد يوم في مجسمات بمختلف المدن، التي تبقى موضعا للسخرية من الذوق العام، والتفاعلات والتعليقات خير دليل على ذلك. حيث علمت منذ سنة أن صديقي الدكتور الفنان سليم الخياري قد شرع في العمل على مجسم في مدينة «تستور»، وذلك أثناء إنجازه لمجسم في مدينة «سليمان»، وللمدينتين علاقة مشتركة من حيث التاريخ (هجرة الأندلسيين)، وللأسف بعد سنة من العمل والإبداع والبحث، يرفض عمل السيد سليم الخياري، مقابل ذلك العمل والفارق 8 آلاف دينار، حيث أن العمل المنجز قد كلف 80 ألف دينار، بينما عمل السيد سليم خياري قدر بـ 88 ألف دينار، مع العلم أن العمل المنجز مصنوع من مادة «الرزين»، وهي أبخس المواد، بينما عمل السيد سليم الخياري فهو من النحاس، وهذا مصيبة الصفقات العمومية، التي ترسي على أقل الأعمال تكلفة، وهو موضوع عميق وجب إعادة النظر فيه».
وصاحب منشور وليد زديني مجسم الفنان بكل معاني الفن الجميل الذي تعشقه العين، مقابل مجسم الرمانة المفتوحة والربابة من فوقها وأشياء أخرى مكدسة تكديسا. هكذا يغيب أهل الإبداع بحجة «نقص الأموال»، وهذه الأخيرة تهدر في ما لا يخص الشأن العام، كما هو حالنا جميعا، ولا يقتصر هذا على المجسمات فقط، بل يصل الفكر والثقافة والكتابة والكتب، ومجالات أخرى.
كاتبة من الجزائر