اردوغان المنتصر: ابتسامة عريضة باتجاه «شرق بوتين» وزئير صامت نحو «غرب بايدن»

محمد نون
حجم الخط
1

لندن-»القدس العربي :» لم يكن غريبا حجم الابتسامة العريضة التي اعتلت محيا الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بعد فوزه بولاية رئاسية جديدة يوم الأحد الماضي، فمجمل التطورات صبت لصالحه وأعطته دفعة تفاؤل كبرى.

فرحة اردوغان وأنصاره وحلفاءه بالفوز الرئاسي كانت سعادة مدوية وغامرة بعدما استدعت معركة التنافس الرئاسي، إجراء دورة ثانية تمخضت عن فوز صعب لاردوغان، بحصوله على 52.18 في المئة، مقابل خصمة زعيم المعارضة كمال كليتشدار أوغلو الذي حصل على 47.82 في المئة من الأصوات.
ومن خارج الحدود كان الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي جو بايدن يرقبان بحذر نتائج الرئاسيات التركية، فسارع بوتين إلى استثمارها، وأعلن الكرملين عن لقاء قريب سيجمع الرئيس الروسي بنظيره التركي، بعدما هنأ بوتين «صديقه العزيز» اردوغان بفوزه في الانتخابات الرئاسية. ووسط فرحته بما سمعه من بوتين في اتصال التهنئة بالفوز، حرص اردوغان على ذكر الجزء المتعلق باتفاقه مع الرئيس الروسي على تعزيز مجالات التعاون الاقتصادي بين البلدين.

حزام الأمن والسلام

من هنا حدد الرئيس التركي الفائز، استراتيجية عهده المتجدد عندما قال: «هدفنا إنشاء حزام من الأمن والسلام في محيطنا بدءا من أوروبا إلى البحر الأسود، ومن القوقاز إلى الشرق الأوسط وحتى شمال أفريقيا». وكان واضحا أن تركيزه نحو المحيط والشرق كان وسيبقى كبيرا عندما قام بتعداد ما أنجزته سنوات حكمه الماضية فقال: «قمنا باتخاذ العديد من الخطوات المهمة خلال السنوات الأخيرة، لقد أزلنا المشاكل بيننا وبين الدول الشقيقة والصديقة. وعززنا علاقاتنا مع العالم التركي، وقمنا بتحسين علاقاتنا مع العالم الإسلامي». ووسع اردوغان الدائرة أكثر بأنه: «ومن خلال مبادرتنا الآسيوية فتحنا نافذة جديدة على القارة، وأقمنا تعاونا قويا مع الشعوب الأفريقية على أساس الربح المتبادل، وعززنا وجودنا في أمريكا اللاتينية، وطورنا علاقات وثيقة مع جميع الأطراف في البلقان».

حوار مع الغرب وحيادية في أوكرانيا

وفي العلاقة مع الغرب والحرب الروسية الأوكرانية، أوضح الرئيس التركي: «لقد كثفنا حوارنا مع الدول الغربية على أساس المصالح المشتركة، وأخذنا على عاتقنا مسؤولية حل الأزمة الروسية الأوكرانية. وأظهرنا أن الحل الدبلوماسي ممكن من خلال صفقة الحبوب وتبادل الأسرى». لكنه في ذات الوقت حرص على أن تكون مقاربته للحرب الروسية الأوكرانية، من زاوية تحقيق توازن دبلوماسي بين ما يمكن وصفه بشرق بوتين، وغرب بايدن. فتركيا التي تعارض العقوبات الغربية على روسيا، تحتفظ في ذات الوقت بعلاقات وثيقة مع كل من موسكو وكييف.

«إف-16» وانضمام السويد للناتو

على عكس حرارة تهنئة بوتين، فإن التهنئة التي قدمها جو بايدن لاردوغان اتسمت بما اعتبره كثيرون بأنها «مقايضة» ما بين موافقة بايدن على بيع طائرات «إف -16» أمريكية لتركيا، وموافقة أنقرة على انضمام السويد إلى حلف شمالي الأطلسي «الناتو» الذي تخشى روسيا توسعه نحوها.
المتحدثة باسم البيت الأبيض كارين جان- بيير، نفت أن تكون موافقة تركيا على انضمام السويد للناتو شرطا من أجل بيع «إف-16» لتركيا، وقالت إن الرئيس الأمريكي جو بايدن كان واضحا منذ فترة طويلة في دعمه لبيع مقاتلات «إف-16» لتركيا، لكنها أتبعت موقفها هذا بالقول: «إن بايدن طرح تطلعه القوي حيال موافقة تركيا على انضمام السويد لحلف شمال الأطلسي ناتو، خلال اتصاله مع نظيره التركي رجب طيب اردوغان الإثنين».
الأمر ذاته شدد عليه وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، عندما قال: «إن إدارة الرئيس بايدن لا تربط بيع تركيا مقاتلات «إف-16» بمسألة انضمام السويد إلى الناتو» لكنه طلب من نظيره وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو الإسراع في إعطاء تركيا موافقتها على عضوية السويد في الناتو.
وبحث الجانبان حادثة الهجوم على «البيت التركي» الذي يضم ممثلية أنقرة الدائمة في الأمم المتحدة وقنصليتها في نيويورك، والتي وقعت في 22 أيار/مايو الماضي، وسارعت الشرطة الأمريكية إلى القبض على منفذ الهجوم ويدعي رجب آق بييق (29 عاما). واتخذ القضاء الأمريكي قرار «إخلاء سبيل مشروط» بحق المتهم الذي وجهت إليه تهم «الشروع في السرقة، وجرم إرهاب وحيازة سلاح بغرض ارتكاب جرم، وتهديدات إرهابية، وإلحاق أضرار جزائية، وتوجيه تهديدات».
والجدير بالذكر أنه وبتاريخ 28 حزيران/يونيو الماضي، وقعت تركيا والسويد وفنلندا مذكرة تفاهم ثلاثية بشأن انضمام البلدين الأخيرين إلى الناتو بعد تعهد البلدين الأوروبيين بالاستجابة لمطالب أنقرة بشأن التعاون بملف مكافحة الإرهاب. وصادقت تركيا على انضمام فنلندا إلى الناتو أواخر آذار/مارس الماضي، وأصبحت فنلندا رسميا العضو الحادي والثلاثين في التحالف في 4 نيسان/أبريل. فيما تتحفظ أنقرة على انضمام السويد وتطالبها بالتعاون والإقدام على خطوات ملموسة في مسألة تسليم من تصفهم «إرهابيين مطلوبين لأنقرة» ينتمون خصوصا إلى حزب العمال الكردستاني.
وتلبية لمطلب تركيا، أصدر البرلمان السويدي قانونا جديدا يحظر النشاطات المرتبطة بمجموعات متطرفة، معززا تشريعاته المتعلقة بالإرهاب حيث قال وزير الخارجية السويدي توبياس بيلستورم إن بلاده أوفت بكل شروط الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي «ناتو» ودعا تركيا والمجر إلى رفع معارضتهما بدون تأخير.
لكن الوضع ما زال هشا وخاصة بعدما نشرت مجموعة مؤيدة للأكراد مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر علم حزب العمال الكردستاني على جدار البرلمان السويدي.
هذا العمل أغضب تركيا ووصفته بأنه «غير مقبول». وندد رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية فخر الدين ألطون، بعرض أنصار «بي كي كي/ واي بي جي» راية ضوئية للتنظيم على مبنى البرلمان السويدي. ودعا السلطات السويدية إلى فتح تحقيق بشأن ما قام به أنصار التنظيم الذي وصفه بالإرهابي، ومحاسبة المتورطين فيها. وشدد على ضرورة أن تمنع السويد هؤلاء الأشخاص الذين عرفوا عن أنفسهم بأنهم أنصار «بي كي كي» من القيام بفعاليات وأنشطة على أراضيها. وكان اردوغان طالب السويد بتسليم أنقرة عشرات الناشطين. لكن السويد تؤكد أنها لم تتلق أي لائحة محددة وأن المحاكم المستقلة هي التي تبت في نهاية المطاف في هذه القضايا.

أمين عام الناتو ومحاولة إقناع اردوغان

الضغط الغربي لنيل الموافقة التركية، متعدد الجوانب وتعززه ما يتم نشره من استطلاعات للرأي أظهرت أن نسبة الدعم للانضمام الآن بلغت مستوى قياسيا في الدولة الاسكندنافية، ووصلت إلى 65 في المئة يوم الخميس الماضي، كما أن الضغط يزداد حتى يتمكن الحلف من حسم القضية بشأن عضوية السويد قبل قمة الناتو في فيلنيوس في 11 و12 تموز/يوليو المقبل.
وإضافة إلى الضغط الأمريكي والغربي، فإن الجهد الأبرز في عملية الاقناع يتولاه أيضا الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «ناتو» ينس ستولتنبرغ الذي زار أنقرة لحضور مراسم تنصيب اردوغان رئيسا لتركيا لولاية جديدة. وقال ستولتنبرغ إنه يزور تركيا للمطالبة بتيسير انضمام السويد حتى «تصبح عضوا في الحلف في أسرع وقت. ومن الممكن اتخاذ قرار وإيجاد حل من أجل العضوية الكاملة للسويد حتى قمة فيلنيوس».
وتسعى فرنسا أيضا لاقناع تركيا بتغيير موقفها رغم أن ذلك لم يتم ذكره صراحة في البيان التركي المتعلق باتصال التهنئة الذي تلقاه الرئيس رجب طيب اردوغان، من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

محاولة تحقيق الفوز المزدوج

وسط كل هذا الضغط الغربي يحرص اردوغان على إدارة الكفة لتحقيق المزيد من المكتسبات وتحصين الوضع الداخلي وخاصة على المستوى الاقتصادي والمعيشي، وهناك هواجس اقتصادية تقلق اردوغان وقد لا يستبعد وقوف جهات خارجية وراءها، خاصة ما ظهر بعيد إعادة انتخابه حيث هبطت الليرة التركية إلى مستوى قياسي جديد بينما كان اردوغان يختار وزراء حكومته.
وسجلت الليرة أدنى مستوى لها على الإطلاق عند 20.34 مقابل الدولار وهو أسوأ أداء يومي للعملة في ثمانية أشهر. وخسرت الليرة ثمانية في المئة من قيمتها منذ بداية العام. وفقدت أكثر من 90 في المئة من قيمتها على مدار العقد الماضي إثر موجات من ارتفاع التضخم.
ووصل التضخم العام الماضي إلى أعلى مستوى في 24 عاما متجاوزا 85 في المئة، وذلك في ظل ارتفاع الأسعار نتيجة اتباع سياسات نقدية غير تقليدية يتبناها اردوغان وتتمثل في خفض أسعار الفائدة رغم ارتفاع التضخم.
ويدرك الرئيس اردوغان أن الغرب بحاجة إلى موافقته لتوسيع الناتو وتشديد الحصار على روسيا، وبالمقابل فإن بوتين يعطيه ما يريد ويتمناه من تكنولوجيا عسكرية صاروخية ومكاسب سياسية واقتصادية وأمنية بيد مفتوحة وأفق غير محدود.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية