ليست «رعدة صيف» عابرة، ولا «صلاحة النوادر» (أمطار تغسل البيادر بعد درس المحاصيل لتلطيف الأجواء الحارة)، بل هي ظواهر مناخية مستجدة لم نألفها في ثقافتنا التقليدية ولم تختبرها حكمة أجدادنا، لذلك صعب التكهن بحدوثها وبعواقبها، وكيفية التصدي لها بكل المهارات والخبرات المتراكمة من الأسلاف. كل ما ينجزه المرء في سنوات، قد تأتي الطبيعة في لحظات لتفسده ولتجعل «عاليها واطيا». وقد ينطبق البيت القائل: «إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظن الليث يبتسم» على فيضانات الجزائر وتونس وغيرها من البلدان المغربية. وبالرغم من حاجة البشر والنباتات والحيوانات للماء، أحدثت الأمطار الأخيرة، التي جاءت متأخرة عن موعدها، خسائر كبيرة في المنشآت والأرواح.
هذه الأخيرة تبقى مجرد كلام في غياب إحصاءات رسمية عنها، لكن ما نقلته مختلف وسائل ومنصات التواصل الاجتماعي كان مرعبا، خاصة صور خروج الأموات، وجثث ما زالت بكفنها الأبيض في مصارعة المطر والأوحال… فالواقف على ما خلفته فيضانات ولاية «تيبازة» يلاحظ مع قناة الغد بأنها «تسببت في حدوث فيضانات أدت إلى انقطاع الكهرباء وإغلاق الطرقات وخسائر في الأرواح في مناطق عدة من البلاد». و»فوكة» كانت أكثر المناطق تضررا، حسب ماجاء في تقرير قناة الغد، على يوتيوب «قوارب أتلفت، والميناء بأكمله شبه مدمر، حتى معالم الميناء فقدت (كما صرح أحدهم بنبرة تأثر كبيرة) وعمليات فتح الطرق لاتزال مستمرة في المناطق المنكوبة، وسط مناقشات للبحث عن آليات للحد من آثار هذه الكوارث الطبيعية». وصورة الأب الذي كان يحاول إنقاذ أسرته، التي تداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي بكثير من التأثر عن تضحيات الآباء، تجسد حالة الفزع والشفقة، وإن الإنسان لا حيلة له مع الطبيعة مهما كان جبارا عنيدا، ولكن الله ستر وتمت عملية الإنقاذ بسلام.
على صفحة «عنابة الناس الملاح» فيديو متداول من فيضانات «تيبازة»، يظهر فيه أب ينقذ أولاده من الموت المحقق في مشهد بطولي مؤثر تقشعر له الأبدان. اللهم ارحم والدينا ومتع الأحياء منهم بالصحة والعافية وطول العمر. وعلى صفحة «ألجيري دي زاد» نقرأ عبارة «ساهلة باه تتزوج، مي صعيبة تكون أب» (من السهل أن تتزوج لكن من الصعب أن تكون أبا). وكذلك «لا أحد يشبه الأب المثالي انه يتخلى عن حياته كي يعيش أولاده».
لم ينته الأمر عند هذا الحد، بل عاش سكان «الحروش» في ولاية «سكيكدة» فجر الرابع من حزيران/ يونيو كابوسا أيضا بسبب السيول الجارفة، وحالة هلع نتيجة «أمطار طوفانية أغرقت شوارع الحروش» وماجاورها. وعلى «الصفحة الرسمية «لايف تي في» نقرأ «فيضانات منطقة الحروش جنوب ولاية سكيكدة الجزائرية، أمطار غزيرة جدا تجتاح المنطقة فجر (الرابع من جوان/يونيو) وتخلف خسائر مادية كبيرة في المنطقة. تتحول التقلبات وتتجه شمال غرب تونس بحدة أقل مسجلة عند وصولها كميات متوسطة». والفيضانات جعلت «عائلات تقضي ليلة بيضاء بعدما غمرت السيول منازلها بالكامل». كما تداولت الخبر وبالصور العديد من الصفحات على فيسبوك.
ولتفسير ما يحدث من تغيرات مناخية وجوية نقرأ على صفحة «مولود خندوقي» المنشور التالي: «دول حوض البحر الأبيض المتوسط تشهد نشاطا رعديا كبيرا. الظاهرة الحالية تسمى المرحلة المتوسطية، وهي ظاهرة مناخية تخص حوض المتوسط تتنج عنها عواصف رعدية شديدة القوة قد تكون شاملة ومنعزلة أحيانا، لكن ما يميزها شدة هطول الأمطار في فترات زمنية قصيرة محصورة بين 12 و36 ساعة بتراكمات مطرية قد تعادل 4 إلى 6 أشهر من الهطول. وفي بعض الأحيان قد تتساقط معدلات سنوية من الأمطار في فترة زمنية قصيرة، وهذا ما يجعلها واحدة من الظواهر المناخية الخطيرة التي تتسبب في فيضانات، وسيول مدمرة أحيانا، ويمكن حتى مقارنتها مع الأعاصير الاستوائية». ويضيف: «خندوقي» الذي يبدو أنه خبير في الموضوع عن «المرحلة المتوسطية» أن «المرحلة المتوسطية ليس لديها موسم أو فصل محدد تنشط فيه، لكنها مؤخرا شهدت تزايدا ملحوظا بسبب التغيرات المناخية وارتفاع درجات حرارة البحر الأبيض المتوسط. ولتتشكل هذه الظاهرة يكفي أن تكون درجات حرارة المياه شمال المتوسط مرتفعة بمجرد التقائها بهواء بارد قادم من الشمال لتنتج طاقة كبيرة تساعدها على تشكل السحب الركامية التي تعطي أمطارا رعدية غزيرة».
وفي موضع آخر يشرح «الخبير» نفسه سبب جرف السيول للسيارات ولماذا يحتمي الأشخاص في مكان عال هربا من الفيضانات: «الماء يمكنه حمل سيارة حتى ولو كان جريانه بطيئا، وهذا بسبب أن إطارات السيارات منفوخة بالهواء فمهما كان وزنها فيكفيها عمق 15 سم فقط من المياه لكي تطفو، كما أن وزن الماء ثقيل جدا (1 متر مكعب فقط من المياه وزنه حوالي طن.). ويتابع «مولود خندوقي» محذرا البشر من عدم عبور مجرى السيل ولو كان منسوب المياه منخفضا بسبب «فقدان التوازن والشعور بالدوران، مما يسبب الارتباك ويعرض الأشخاص للسحب إلى أسفل الوادي. وبعض الأحيان تأتي السيول بشكل مباغت وخاطف وهذا مايسمى بالفيضانات الخاطفة التي تنتج في أغلب الأحيان عن التساقط الكثيف للأمطار في مكان مرتفع فيتراكم الماء وينزل أسفل المنحدر بشكل سريع وكثيف ويجرف كل شيء في طريقه».
نحتاج الى وعي كبير بما يتربص بمحيطنا وبيئتنا، وأن نستمع للخبراء ممن عاينوا وقاموا بأبحاث جادة حول هذا الموضوع الحيوي العالمي من حيث المخاطر والمسببات والنتائج.
صانع الجسور… زارع الأمل والحياة
تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي أخبارا عمن لقب بـ «صانع الأمل صانع الجسور» على صفحة «العربية تونس» فنقرأ: «كريم عرفة متطوع شاب يبني الجسور من أجل فك عزلة المناطق الريفية وتسهيل انتقال التلاميذ الى المدارس. تعرف على قصته في الفيديو، الذي رافق المنشور». ويتحدث «عرفة» على أن فكرة بناء الجسور جاءته بعد حادثة وفاة التلميذة مهى القضقاضي، التلميذة الصغيرة التي ذهبت الى المدرسة وفي طريقها الى البيت جرفها الوادي. توجهتُ بعد الحادثة إلى المكان فوجدت جسرا، ليس جسرا، قطع قصديرية تم جمعها وربطها. هذه القطع لا يمكنها مقاومة الوادي في حال هطول أمطار غزيرة والناس لا يصبح باستطاعتهم عبور الوادي، ولا قدر الله، إذا سقط أي واحد فسيكون مصيره الموت». ويضيف التقرير المصور: «يبني جسور مرور وجسور أمل للأطفال، مواطن تونسي يرسم صورة رائعة عن التضامن الإنساني. «كريم عرفة» نجح في إنجاز جسر لفائدة أطفال المدارس في منطقة معزولة بعمادة «الهذيل» من ولاية «جندوبة». «عرفة» نشر صورا على صفحته في مواقع التواصل فيسبوك توثق فرحة الأطفال وعدد من الأولياء أثناء تدشين الجسر… كريم عرفة»… الحمد لله كلّلت المهمة بنجاح، فرحة الأهالي والصغيرات لا تقدر بثمن. يعمل عرفة على مبادرات إنسانية للمساهمة في التخفيف من معاناة الأطفال عند التنقل في المناطق المعزولة، الأمر الذي لاقى صدى واستحسانا من طرف رواد مواقع التواصل الاجتماعي إلا القنوات التي تفتح بلاطوهاتها لـ «جميلات» الشفاه الغليظة ولأصحاب الشطط في المواقف والترويج لأفكار لا تغني المجتمع ولا تساعد في شيء سوى إرباك القيم وارتباك الأفراد.
أصبح فعلا السؤال ملحا، أي إعلام هذا الذي يدور في فلك المتعة الحسية المبتذلة وإثارة الزوابع والفتن المجتمعية؟
كاتبة من الجزائر