برلين ـ «القدس العربي»: توسع رقعة القتال في أوكرانيا والوتيرة المكثفة لسير المعارك هناك دفعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتأكيد أن الهجوم الأوكراني المضاد قد بدأ وذلك بعد تأخر إعلانه عدة مرات. وبالرغم من النفي الأوكراني المتكرر بأن الهجوم المضاد المرتقب لم يبدأ بعد، بيد أن الواقع العسكري والتغييرات التي تشهدها الوقائع على الأرض، خاصة مع انهيار سد كاخوفا، يبين بكل وضوح أن تغيرا عسكريا كبيرا بدأ بعد أكثر من 15 شهرًا من الحرب في أوكرانيا.
وبعد أسابيع من الاستعدادات، قد يكون الجيش الأوكراني بدأ المرحلة الأهم من هجومه المضاد، في محاولة لاختراق الدفاعات الروسية على أمل تحقيق نجاح يعدّ ضرورياً في سياق الحرب المستمرّة. ولا تزال السلطات الأوكرانية تلتزم موقفا غامضا بشأن عملياتها. من جهتهم، يؤكد الروس أنّهم صدّوا هجوماً أوكرانياً في منطقة زابوريجيا، مشيرين إلى أنّهم تسبّبوا في خسائر فادحة لكييف.
ويعتقد العديد من المراقبين أنّ «الهجوم الأوكراني المضاد بدأ» وبينهم محلّلو معهد دراسات الحرب «ISW» الأمريكي، الذين يقولون إنّه ليس من المتوقع حدوث «عملية كبيرة واحدة» ولكن عدداً من العمليات المنسّقة، كما يجري حالياً.
وتخوض أوكرانيا اللعبة بقوة، مع إدراك السلطات أنّه لن يكون لديها فرص كثيرة متاحة لطرد الروس واستعادة الأراضي المحتلّة، في ظل حصولها على معدّات عسكرية غربية. ويأتي ذلك فيما بات عدد سكانها أقل وحُرمت من جزء من أراضيها، كما يرزح السكان تحت القصف الروسي المتكرّر والذي يطال العمق. ونشر الروس بدورهم «حوالي ستة خطوط دفاعية» في منطقة زابوريجيا، أطلق بعض الروس على هذه الخطوط اسم «خط فابرجيه» في إشارة إلى بيضة فخمة كانت تعتبر من المجوهرات التي صُنعت للقيصر في القرن التاسع عشر.
وفى الوقت ذاته قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لنظيره البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو إن روسيا ستنقل أسلحة نووية تكتيكية إلى بيلاروس الشهر المقبل، وذكر بوتين في تصريحات متلفزة في الاجتماع بمنتجع سوتشي الروسي المطل على البحر الأسود أن استكمال منشآت التخزين في بيلاروس سيتم بحلول السابع أو الثامن من تموز/يوليو، بما يسمح ببدء نقل الأسلحة.
دور أوروبي حاسم لدعم أوكرانيا
الرد الأوكراني لم يكن ليحدث لولا الدعم الهائل الذي حصلت عليه حكومة كييف من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، حيث لعبت هذه الدول في تعزيز المستوى العسكري والذخيرة، التي باتت روسيا تواجه صعوبة في التزود بها، حسب ما صرحت به جهات عسكرية كثيرة، كان آخرها تصريحات قائد قوات فاغنر يفغيني بريغوزين عن نقص الذخيرة الكبير التي واجه قواته أثناء الصراع في باخموت.
ويبدو أن التكتيك الأوروبي قائم على الدعم العسكري المتكرر، بالرغم من التكلفة العالية التي تتكبدها دول الاتحاد، من أجل استنفاد الذخيرة العسكرية الروسية، وفي نفس الوقت تعمل القنوات الدبلوماسية على تضييق الخناق على أي اتفاق عسكري قد يحصل بالمقابل، وهو ما عكسته التحذيرات الأمريكية والأوروبية الأخيرة لإيران والصين من مغبة دعم روسيا عسكريا.
على المستوى السياسي، قامت الدول الأوروبية بتوجيه رسائل قوية إلى روسيا، مع إدانة الهجوم الأوكراني المضاد والتطورات الأخيرة. طالبت بوقف العنف فورًا وعودة إلى الحل السلمي للنزاع. كما أكدت على ضرورة احترام السيادة الوطنية والقانون الدولي، وشددت على أن أي تصعيد إضافي سيكون له عواقب وخيمة على العلاقات الثنائية بين الاتحاد الأوروبي وروسيا.
فيما أعربت رئيسة المفوضية الأوروبية عن قلقها البالغ إزاء التصعيد العسكري الأخير والعنف المتصاعد في أوكرانيا. وأكدت أن الاتحاد الأوروبي يدعم بقوة السيادة والاستقلال ووحدة أوكرانيا، ويدين بشدة أي عمل ينتهك القانون الدولي. كما أشارت إلى ضرورة تفادي تصعيد الأوضاع وتعزيز الحوار الدبلوماسي لحل الأزمة.
أسلحة نوعية في طريقها إلى كييف
يؤكد عسكريون أنه لا يمكن كسب المعارك في أوكرانيا إلا بالأسلحة الثقيلة، ولتقليل ثقل التفوق العددي للجيش الروسي في هذا الصدد، قام حلفاء أوكرانيا الغربيون بالفعل بتزويدها بآلاف الأسلحة مع الذخيرة. لكن هناك شيئا واحدا واضحا: لا يمكن الدفاع عن البلاد دون تسليمها المزيد من الأسلحة.
لكن في الوقت نفسه، لا يريد الناتو المخاطرة بالحرب مع روسيا. فقد أكدت موسكو مراراً وتكراراً على أنه يمكن اعتبار عمليات تسليم الأسلحة أيضاً هجوماً على روسيا – خاصةً إذا كانت الأسلحة مناسبة لمهاجمة الأراضي الروسية. ولهذا السبب تزن الدول الداعمة بعناية شديدة أنظمة الأسلحة التي ترسلها إلى أوكرانيا.
وتوضّح ذلك مرة أخرى في نهاية أيار/مايو، عندما أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن تلبية طلب كييف في تسليم راجمات صواريخ متحركة إلى القوات المسلحة الأوكرانية. وعلى وجه التحديد، سيتم تسليمها على الأرجح راجمات صواريخ من نوع «MLRS» (نظام الصواريخِ متعدّدِ الانطلاق) أو الإصدار الأخف منها «HIMARS» (نظام صاروخي مدفعي عالي الحركة).
والنظامان عبارة عن منصات متحركة يمكنها إطلاق العديد من الصواريخ المختلفة، لكن الفرق الأساسي بينهما هو أن نظام «HIMARS» فيه قاذفة للصواريخ مثبتة على شاحنة مصفحة بدلاً من عربة مجنزرة.
دعم ألماني لكييف
قبل بضعة أسابيع، وعدت برلين بتسليم كييف 50 دبابة من نوع «غيبارد» المضادة للطائرات، وسبع مدافع «هاوتزر» ذاتية الدفع من نوع «بانزرهاوبيتز 2000». وعلى عكس مدافع «هاوتزر» التقليدية التي تسحبها مركبات، يمكن لهذه المدافع تغيير موضعها بشكل مستقل بعد كل قذيفة تطلقها. كما أعلن المستشار الألماني أولاف شولتس مؤخراً عزم بلاده إرسال نظام الدفاع الجوي الحديث «IRIS-T» ورادار تتبع لأوكرانيا. كما ستقدم ألمانيا أربع راجمات صواريخ متعددة الانطلاق من مخزونات الجيش الألماني.
وتتمثل إحدى مشكلات الأسلحة التي يرسلها الغرب إلى أوكرانيا في أن الجنود الأوكرانيين ليسوا على دراية بكيفية استخدامها في الغالب. وفي حين أن الشرح الموجز كافٍ بالنسبة للمعدات والأجهزة البسيطة، يقول الخبراء إن التدريب على الأنظمة المعقدة مثل دبابات «غيبارد» قد يستغرق عدة أسابيع أو حتى عدة أشهر. وهذا أحد أسباب مشاركة ألمانيا في ما يسمى بـ«التبادل بين الشركاء». وبذلك تم مثلاً استبدال دبابات القتال وناقلات الجنود المدرعة من الطراز السوفييتي التي قدمتها كل من التشيك وسلوفينيا واليونان إلى أوكرانيا بمدرعات «ماردر» ودبابات «ليوبارد 2» من مخزونات الجيش الألماني.
الدنمارك وبريطانيا
تقول الحكومة البريطانية إنها سلمت عدداً من أنظمة الأسلحة إلى أوكرانيا، ومن هذه الأسلحة صواريخ موجهة محمولة، مثل «جافلين» و«ستينغر» التي يمكن استخدامها ضد الأهداف الجوية والبرية، بعد شرح قصير حول كيفية استخدامها. لكن بريطانيا أرسلت أيضاً أنظمة صواريخ أثقل يمكن إطلاقها من المركبات أو من الأرض. كما أن الدنمارك أعلنت موافقتها السابقة على إرسال صواريخ «هاربون» المضادة للسفن في جميع الأحوال الجوية إلى أوكرانيا. وحتى الآن تدافع أوكرانيا عن مدينة أوديسا ومدن ساحلية أخرى باستخدام الألغام البحرية بالدرجة الأولى. لكن الساحل غير محمي إلى حد كبير من احتمال غزو من البحر، لأن أوكرانيا لا تمتلك قوة بحرية كبيرة. وقد تساهم هذه الصواريخ في كسر الحصار البحري الذي يعزل أوكرانيا عن الأسواق العالمية إلى حد كبير.
تدمير السد والهجوم المضاد
ترى كييف أن روسيا أرادت بذلك «كبح» هجوم الجيش الأوكراني. وهذا لأنه إذا غمرت المياه الخطوط الدفاعية الروسية على طول نهر دنيبر، فقد يعرقل ذلك عملية عسكرية أوكرانية محتملة في هذه المنطقة.
وتتبادل روسيا وأوكرانيا الاتهامات باستهداف سد كاخوفكا، حيث قال وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا: إن تدمير روسيا للسد يمثل على الأرجح «أكبر كارثة تكنولوجية في أوروبا منذ عقود». وأدانت ألمانيا ودول أوروبية أخرى تدمير السد، وقال المستشار الألماني أولاف شولتس إن ألمانيا تراقب بقلق الوضع في محطة زابوريجيا للطاقة النووية في جنوب أوكرانيا لا سيما بعد تفجير سد نوفا كاخوفكا الذي يمد المحطة بالمياه.
وأضاف شولتس في مقابلة مع محطة «في دي آر» الإذاعية الألمانية: «كل ما نستطيع قوله فيما يخص محطة زابوريجيا هو أننا نراقب الوضع فيها على مدار الساعة». واتهم شولتس روسيا بتكثيف مهاجمتها لأهداف مدنية في أوكرانيا.