لماذا لم يحقق باريس نفس نجاح مانشستر سيتي؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: شهدت العشرية الأخيرة، ثورة غير مسبوقة في حجم الاستثمار والإنفاق العالمي على ما تُعرف الآن بـ «مشاريع» كرة القدم، التي ابتكرها الملياردير الروسي رومان آبراموفيتش مطلع القرن الجديد، باستحواذه على تشيلسي وتحويله من فريق كلاسيكي في البريميرليغ إلى واحد من العظماء الأربعة وكبار أوروبا، بعد جلب جوزيه مورينيو ومنحه حق التوقيع مع أي لاعب في العالم، وتبعه الإماراتي منصور آل نهيان، بصفقة استحواذ مجموعة أبو ظبي المتحدة على أسهم مانشستر سيتي أواخر 2008 ثم ثاني أشهر مشروع في تلك الحقبة، بانتقال ملكية باريس سان جيرمان إلى صندوق الاستثمار القطري في النصف الثاني للعام 2011.

حجر الأساس

كما شاهدنا طيلة هذه السنوات.. أسفرت ثورة الاستثمار في لعبة الفقراء قديما، عن ظهور قوى عظمى جديدة في البريميرليغ وأوروبا، بتحول مانشستر سيتي من مجرد فريق متوسط ومستقر في المراكز الدافئة في الدوري الأكثر شهرة عالميا، إلى واحد من عمالقة وطن كرة القدم والقارة العجوز في غضون 14 عاما، وبلغة الأرقام والواقع، النادي الأكثر نجاحا واستقرار في إنكلترا منذ وصول الإدارة الإماراتية، بحصوله على ما مجموعه 7 ألقاب دوري إنكليزي الممتاز، بخلاف باقي البطولات المحلية الأخرى، ونهائي دوري أبطال أوروبا -المقام وقت كتابة هذه الكلمات-، ونفس الأمر بالنسبة للاستثمار القطري في عاصمة الموضة، بتحول رمزها الذي كان غارقا في ديونه إلى جنة اللاعبين في أوروبا، وسيد أندية الليغ1 وشبه المهيمن على كافة البطولات المحلية، ويتبعهما بخطوات هادئة نيوكاسل يونايتد بصبغته السعودية، تجسيدا للواقع الذي تنبأ به الكاتب البريطاني ستيفان زيمانسكي مطلع العقد الماضي في كتابه «المال وكرة القدم» بأن المال والنجاح يسيران جنبا إلى جنب في عالم الساحرة المستديرة، بعد تراجع تأثير ما كان يُعرف في عقود ما قبل الألفية الجديدة بـ «الإرث والتاريخ». لكن السؤال الذي يفرض بين النقاد والمتابعين من وقت لآخر.. لماذا لم يُحقق المشروع الباريسي نفس نجاح السكاي بلوز المانشستراوي؟ رغم التقارب الكبير في حجم الإنفاق بينهما، بعبارة أخرى للتشابه الكبير في مصادر الدعم والتمويل، وهذا في الحقيقة يرجع لعدة عوامل أو أسباب، منها وأهمها ما يُمكن وصفه حجر أساس المشروع هناك وهناك، والإشارة إلى المديرين الرياضيين والتنفيذيين المكلفين من قبل الإدارة، بملف التخطيط لمستقبل قطاع الكرة وتطوير الفريق الأول بالتنسيق مع المدير الفني، ويتجلى ذلك في تأثير صناع الجيل الذهبي لبرشلونة في ولاية جوان لابورتا الأولى، وتحت قيادة الفيلسوف بيب غوارديولا، ثنائي السيتيزينز فيران سوريانو وتكسيكي بيجيريستين، حيث كان الأول يشغل منصب الرجل الثاني في مكاتب «كامب نو» في الفترة بين عامي 2003 و2008 والثاني كان مديرا رياضيا من 2003 و2010.

منعرج طريق

صحيح بداية السيتي وباريس كانت كربونية، بإتباع سياسة الإنفاق ببذخ، لإقناع نجوم الصفوة بالقدوم إلى ملعب «الاتحاد» وقلعة «حديقة الأمراء» بدأت بصفقة نقل روبينيو من ريال مدريد إلى الجزء السماوي لعاصمة الشمال في إنكلترا مقابل رسوم قُدرت بنحو 32 مليون جنيه إسترليني، في ما كانت صفقة مدوية وتاريخية بالنسبة للنادي والبريميرليغ، من أصل ما يزيد عن 150 مليون بنفس العملة أنفقها النادي في أول ميركاتو صيفي، في أسماء من نوعية واين بريدج، والجزار القديم نايغل دي يونغ، والمخضرم كاريغ بيلامي والحارس الأسطوري شاي غيفن والمدافع الأيمن بابلو زاباليتا وآخرون، وقبل هؤلاء، كان الفائز الأخير بجائزة أفضل لاعب في العالم قبل حقبة الثنائي الفضائي كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي، البرازيلي ريكاردو كاكا، قاب قوسين أو أدنى من ارتداء القميص السماوي، لولا تمسكه بالبقاء مع ميلان ثم انحيازه بعد ذلك لعرض ريال مدريد، وبالمثل، فتح النادي الباريسي خزائنه في بداية حقبة رجل الأعمال القطري ناصر الخليفي، بإنفاق أكثر من 200 مليون إسترليني في أول موسمين، لوضع ملامح جيل «الغالاكيتكوس» الأوائل بالنسبة للعملاق الباريسي، أمثال الأسطورة زلاتان إبراهيموفيتش وزميله في «سان سييرو» آنذاك تياغو سيلفا، وأيقونة الإنكليز ديفيد بيكهام على سبيل الإعارة في شتاء 2012 والبقية لوكاس مورا، ماركو فيراتي، لافيتزي، خافيير باستوري، وهذا السخاء الإماراتي القطري، ساهم في تحقيق المنشود على المدى القصير، بأخذ خطوة عملاقة في رحلة الاقتراب من مستوى وجودة وعقلية وشخصية أندية الصفوة في أوروبا، لكن ما حدث بعد ذلك كان فارقا بالنسبة لكلا الناديين، أحدهما اتبع سياسة جديدة، ارتكزت في المقام الأول على فكرة وقف الإنفاق ببذخ، والبناء على ما حققه الكيان من سمعة بعد التتويج بلقب البريميرليغ الهيتشكوكي، الذي حسمه ألكون أغويري في آخر لحظات الوقت المحتسب بدل من الضائع في نسخة 2011-2012 مع التركيز على استقطاب الصفقات الضرورية التي يحتاجها المدرب، بمعايير تتناسب مع جودة وطموحات الفريق في إطلالته الجديدة، وذلك بتوجيه من الثنائي الذهبي فيران سوريانو وتكسيكي بيجيريستين، بينما النادي الباريسي، بدا وكأنه فَضل المضي قدما بنفس سياسة الإنفاق، التي احتضنها البرازيلي ليوناردو في ولايته الأولى، وعززها البرتغالي أنتيرو هنريكي، رجل الصفقات التي هزت العالم في صيف 2017 بالتوقيع مع كيليان مبابي ونيمار جونيور معا، قبل أن يتحول إلى فريق الأحلام آخر موسمين، بعد ضم ليونيل ميسي وسيرخيو راموس في صفقة انتقال حر، كواحدة من النعم التي تحولت إلى نقمة.

مخاطر الغالاكيتكوس

لا خلاف أبدا على قيمة وتأثير النجوم وأصحاب المواهب الاستثنائية في عالم كرة القدم، لكن القاعدة الرئيسية للعبة لا تختلف عن قانون الحياة، بأن «الشيء الزائد عن حده ينقلب ضده» ولعل عشاق ريال مدريد القدامى، يعرفون جيدا تبعات وضريبة الاستعراض بأفضل نجوم العالم، على غرار ما حدث مع جيل الأحجار الكريمة في بداية الكريمة، الذي أدخل مصطلح «غالاكتيكوس» إلى مفردات الصحافة الرياضية، بعد انضمام رونالدو الظاهرة، وديفيد بيكهام، ومايكل أوين إلى «الغالاكتيكوس» الأوائل زين الدين زيدان، لويس فيغو، راؤول غونزاليس روبرتو كارلوس وبقية الأسماء التي ساهمت في زيادة شعبية اللعبة في آخر عقدين، لكن على أرض الواقع، كانت أوضاعهم لا تسر عدو ولا حبيب، كفريق استعراضي يميل إلى الفردية، ومن السهل جدا هز شباكه مرتين أو ثلاثة في كل مباراة أمام حتى الفرق المتوسطة والصغيرة، وهذا جعل الفريق يبدو صيدا سهلا للفرق التي تُجيد غلق المساحات واللعب على المرتدات في دوري أبطال أوروبا، كخروجه مرتين على يد يوفنتوس نيدفيد وديل بييرو وتريزيغيه مرتين عامي 2003 و2005 وبينهما ودع بطولته المفضلة على يد موناكو في بداية مراحل خروج المغلوب، ولم يعد الريال إلى سابق عصره إلا مع تولي جوزيه مورينيو المهمة عام 2010 بالتمرس مرة أخرى على الوصول للدور نصف النهائي، ثم ما حدث في خماسية كارلو أنشيلوتي وزيدان، هذا تقريبا كان حال باريس سان جيرمان في فترة ما قبل وبعد الألماني توماس توخيل، كفريق يحسده الكبير قبل الصغير على الكم الهائل من الأساطير والنجوم والمواهب التي يملكها في قائمة، لكن في الأوقات الحاسمة في إقصائيات الكأس ذات الأذنين، يتحول إلى فريق أقل ما يُقال عنه «غير متماسك» جماعيا داخل الملعب، لأسباب تتعلق في المقام الأول لكثرة النجوم والمعلمين في التشكيل الأساسي، وهؤلاء يمثلون الملح الزائد عن الحد في وجبة الطعام الفاخرة، بينما المطلوب بشكل واقعي، ما يُعرف بالتنوع في الاختيارات بما يخدم مصلحة الفريق الجماعي، بعمل توازن صحي بين فئة المقاتلين وأصحاب المعدلات البدنية العالية وبين نجوم الصف الأول والمواهب القابلة للانفجار، وهذا بالضبط ما يبدع فيه بيب غوارديولا منذ توليه المهمة من اللاتيني مانويل بيليغريني عام 2016.

تأثير الملايين

صحيح كلاهما أنفق مئات الملايين على مدار أكثر من 10 سنوات، لكن مشكلة الفريق الباريسي، أنها توجهت بشكل أكبر تجاه صفقات ورواتب الميغا ستار، سواء زلاتان إبراهيموفيتش وإدينسون كافاني والرفاق الأوائل، أو ثلاثي نيمار ومبابي وميسي، بإنفاق أكثر من 300 مليون للتوقيع مع مبابي ونيمار، بجانب التكفل براتب البرغوث الضخم بعد انتهاء عقده مع برشلونة، ناهيك عن رواتب باقي الأسماء اللامعة، أما المان سيتي، فكما أشرنا أعلاه، وضع سياسة «الأولوية دائما لما يحتاجه الفريق» والابتعاد عن الصفقات المدوية، واستبدالهم بعناصر قابلة للانفجار والوصول لمرحلة الذروة مع الفريق، من الأسماء الحالية الحارس إيدرسون والمدافع روبن دياز ومايسترو الوسط إلكاي غوندوغان، والجناح الزئبقي بيرناردو سيلفا، والسهم الأشقر كيفن دي بروين وساحر العرب والجزائر رياض محرز، وكلها صفقات في متناول الفرق المتوسطة في الدوري الإنكليزي، الاستثناء في الآونة الأخيرة، كان صفقة جاك غريليش، التي كبدته 100 مليون إسترليني، كأغلى صفقة في تاريخ النادي، وهي لم تكن صفقة جماهيرية، بقدر ما كانت جوهرية كما أثبتت التجارب بعد انفجار اللاعب مع الفريق في موسمه الثاني، أما السفاح إيرلينغ هالاند، بأهدافه وأرقامه القياسية الخرافية تتحدث عنه، وتخبرنا لماذا اشتراه بيب من بوروسيا دورتموند مقابل رسوم لم تتخط حاجز الـ80 مليون بعملة المملكة المتحدة، وبوجه عام، نلاحظ ابتعاد السيتي عن حروب ومعارك الصفقات التي تتقاتل عليها الفرق الكبرى، لضرب عصفورين بحجر، منها تجنب الدخول في مزادات على اللاعبين ورفع أسعارهم وأجورهم، ومنها أيضا، الحفاظ على فاتورة الأجور، لتجنب صراعات النجوم داخل غرفة خلع الملابس، بحثا عن الزعامة والانفراد بأعلى راتب، وهذه إشكالية كبيرة، عانى منها العملاق الباريسي في معركته من أجل الاحتفاظ بأصوله الثمينة في «حديقة الأمراء» ولعل استعراض نوعية الصفقات التي أبرمها كل فريق في السنوات الماضية، تظهر مدى الاختلاف في طريقة إنفاق المال، ناهيك عن الميزة التي ينفرد بها المشروع السماوي، بوجوده في الدوري الأقوى والأكثر مشاهدة على هذا الكوكب، وهذا الأمر في حد ذاته، يعود على النادي بفوائد لا حصر لها، منها انتعاش الإيرادات من عائدات البث، واكتساب شهرة وشعبية طاغية في كل بقاع الأرض، والأهم على الإطلاق، جاهزية اللاعبين في أي وقت من الموسم، بسبب ارتفاع مستوى المنافسة في البريميرليغ، الذي يضم نخبة وخبراء اللعبة على مستوى التدريب، ومثلهم داخل المستطيل الأخضر، بفضل القوة الشرائية للأندية الإنكليزية، وخصوصا الستة الكبار.
أما الفريق الباريسي، فلا يتمتع بنفس الرفاهية، بسبب الفارق الكبير في مستوى المنافسة بين الدوري الإنكليزي الممتاز والدوري الفرنسي، وهذا الأمر يؤثر على جاهزية اللاعبين في الأوقات الحاسمة من الموسم، حيث يتسبب ضعف المنافسة، في وقوف مستوى اللاعبين عند مستوى معين، عكس الذين يقفون على أطراف أصابعهم على مدار 38 جولة في البريميرليغ، وهذا يفسر صداع «بي إس جي» شبه الدائم، بالخروج المبكر من دوري أبطال أوروبا، باستثناء انتفاضة 2020 في النسخة الصامتة التي لعبت في ظروف خاصة بنظام المباراة الواحدة، وانتهت بالاستيقاظ على كابوس بايرن ميونخ في النهائي، والوصول لنصف نهائي النسخة التالية، مقارنة بالمان سيتي، الذي يبدو وكأنه اكتسب تقاليد وثقافة البطولة بصورة أفضل، ليس لوصوله للمباراة النهائية مرتين في غضون 3 سنوات، بل لصبر الإدارة وعدم تعجلها في بناء شخصية الفريق على المستوى الأوروبي، بالعمل على إستراتيجية طويلة الأجل، تكون محطتها الأخيرة التتويج بدوري أبطال أوروبا، بعد اكتساب ما يكفي من الخبرات والرصيد الكافي من البطولات المحلية، وهذا يظهر في التطور الملموس في عقلية اللاعبين وشخصية الفريق بعد كسر حاجز دور الـ16 وربع النهائي للمرة الأولى تحت قيادة بيليغريني عام 2016. صحيح غوارديولا عانى في مشاركته الأولى، بالخروج من ثمن النهائي، لكن بعدها لم يخرج من طور ربع النهائي أو نصف النهائي أو النهائي، وهذا يحدث في مناخ إداري مستقر، يعطي المديرين التنفيذيين والمدير الفني، قوة إضافية لفرض الانضباط المطلوب للسيطرة على هذا الكم الهائل من النجوم، تحت شعار «مصلحة الفريق فوق الجميع» وهذا نشاهده في تواضع الميغا ستار رياض محرز، بعدم اعتراضه على وجهة نظر المدرب، بإبقائه على مقاعد البدلاء، ونفس الأمر ينطبق على باقي النجوم والأسماء اللامعة التي تحتاج معجزة لإقناع بيب باللعب بصفة مستمرة، لكن في النادي الباريسي، توجد بعض الظواهر غير الصحية، منها المسلسل السنوي، بتعرض أحدهم لإصابة سيئة في نفس التوقيت، ليشارك شقيقته في عيد ميلادها الذي يتزامن مع عيد الحب، وآخرون اشتروا عداء المشجعين، بإطلاق العنان لأنفسهم في احتفالات خاصة بعد هزيمة الفريق في إحدى المباريات، هذا ولم نتحدث عن عدم الاستقرار الفني، بتناوب ستة مدربين على منصب المدير الفني في 11 سنة، مقابل 3 للسيتي في 14 سنة، والآن حان دورك عزيزي القارئ لتشاركنا الرأي بأسباب أخرى جعلت السيتي يبدو أكثر إشراقا من باريس سان جيرمان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية