يعود بخمسة معارض ويهدف لبناء علاقة إنسانية متينة مع الأجيال الجديدة كارينا الحلو: متحف سرسق وجد ليكون قصر الشعب ورسالته تربوية وثقافية ومن مهامه حفظ الذاكرة الجماعية اللبنانية

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: شكّلت عودة متحف سرسق إلى خريطة الحياة الثقافية الناشطة في بيروت حدثاً مهماً مطلع هذا الصيف. أول الصروح العربية للفن الحديث نفض عن كاهله الأضرار البالغة التي خلّفها انفجار المرفأ وتألق دفعة واحدة عبر خمسة معارض. لكن الأهم في أجندة القائمين على شؤون المتحف الاستمرارية، والتي تشكل التحدي الأساسي بعد الافتتاح. فتمويل المتحف مصدره الضرائب التي تستوفيها بلدية بيروت على العمارة والبناء. وكانت له نسبة تشكل بين 5 و8 في المئة من تلك الضريبة، وهذا لم يعد متوفراً الآن. لم يكن للمتحف يوماً تمويلاً آخر، ولم يتقاض مالاً على الدخول. فهو من الفضاءات العامة الثقافية القليلة المجانية في هذا البلد.

إنه الافتتاح الرابع منذ العام 1961 لمتحف سرسق، حيث أعلنت مديرته كارينا الحلو في رؤيتها الجديدة للمتحف، «الحاجة لإعادة بناء علاقة إنسانية متينة مع الأجيال الجديدة من أطفال ومراهقين وشباب، فهم من سيعيدون بناء البلد».
وفيما لا يزال المتحف في خضمّ عملية التعافي جراء الأزمة الاقتصادية التي أصابت لبنان، وحسب تصريح الحلو لـ«القدس العربي» فإن متحف سرسق «يعمل على تأمين التمويل اللازم للمراحل اللاحقة. ويهدف إلى تنويع جمهوره والوصول إلى جمهور محلي أوسع من خلال برامج عامة منوعة. وبناء شراكات محلية ودولية متعدّدة من أجل الاستمرار ليبقى منصة للفن والثقافة ليس لبيروت وحدها، بل لكل الوطن. وتقرر أن تتضمن البرامج المستقبلية معلومات بثلاث لغات».
٭وصفت كارينا الحلو إعادة افتتاح المتحف بـ«بارقة أمل للقطاع الثقافي في لبنان بعد الحدث الأليم والصادم لمؤسستنا. متحفنا من أوائل المتاحف المتخصصة بالفن الحديث في المنطقة العربية… لقد تأثّرنا بشدّة بحملات التضامن مع المتحف. ونحن ممتنون لشركائنا الدوليين والمانحين الذي ساهموا في إعادة التأهيل».
وبالسؤال عن رسالة وحضور المتحف في الحياة الثقافية اللبنانية قالت الحلو: أنه صرح وطني جامع منذ تأسيسه سنة 1961 لا يمكن أن يستمر بكامل طاقته كما في السابق دون دعم مادي ومعنوي وعيني من المجتمع الأهلي، وأصدقاء الفن والثقافة. متحف سرسق يمثّل لبنان في كل مراحله الذهبية والمظلمة. إنه بمثابة شاهد على ذاكرة لبنان. فهو أقفل أكثر من مرّة ورُمّم أكثر من مرّة، لكنه لن يعلن استسلامه، كما فعل لبنان واللبنانيون الذين يؤمنون بوطن منفتح ثقافي حضاري لكل الناس. متحف سرسق ليس متحفاً للنخبة وليس متحفاً خاصاً، بل هو مركز ثقافي وفني واجتماعي وتربوي، لديه مهمة وطنية من أجل الحوار واللقاء وتبادل الخبرات، والإنتاج الفني والحفاظ على التراث وصون الذاكرة الجماعية اللبنانية. هذا الصرح لديه اليوم رؤية شاملة ثقافية واجتماعية وتربوية وفنية وتعليمة، انطلاقاً من مهمته ورسالته الوطنية الأساسية الجامعة لكل اللبنانيين خصوصاً أن المتحف وجد ليكون «قصر الشعب» في ستينات القرن العشرين.
وعن تفاصيل الرؤية الجديدة للمتحف تقول كارينا الحلو: تتمثل بفتح الأبواب أمام شركاء جدد. لهذا سيكون للمتحف اتفاقات تعاون مشترك مع متاحف عالمية في تركيا والإمارات وأفريقيا وأوروبا. كما نريده مكانًا آمنًا للصحة النفسية، من أجل التغلب على صدمة انفجار المرفأ والانهيار الاقتصادي، وصدمة الحرب الأهلية التي لم نُشف منها بعد. ونريد المتحف وسيطاً لتجاوز كافة الحواجز بين الناس سواء كانت طبقية اقتصادية أو طائفية، أو حواجز تتعلق بالهوية واللغات، بحيث نعبر سوياً إلى مرحلة التفكير والإنتاج والانفتاح والسؤال.

معرض «أنا جاهل»

معرض «أنا جاهل!» هو إرث «صالون الخريف» في بيروت منذ افتتاح متحف سرسق في العام 1961. كان لصالون الخريف دوراً مهماً ومرجعياً في صياغة متن فني وطني. شكّل نموذج عرض مثالي ومتلائم مع الدولة المستقلة الحديثة، وصرحاً أكاديمياً قادراً على تدريب الفنانين الشباب، وصقل وبلورة ذائقة الجمهور. كمؤسسة عامة، عَكَسَ صالون الخريف أيضاً الأزمات التي مرّت بها البلاد، وتجلّى أبرزها خلال الحرب الأهلية اللبنانية. وبخلاف السردية الوطنية المُتباهية والمُتفاخرة التي ألقَت الضوء على أمجاد المتحف قبل الحرب، ثم على تداعيه خلال وقوعها، وعلى نهضته وانبعاثه بعد انتهائها، تلوح في الأفق اليوم أزمة أكثر تشبّثاً وثباتاً. في أرشيف المتحف، تتّجه آثار التناقض والتنافر والانشقاقات والجدالات المعلَّقة، إلى دَحض وتعطيل سردية الأساطير الوطنية القائمة حول تاريخ صالون الخريف. يَستَقي المعرض من مقال جلال الخوري «أنا جاهل!» المنشور في مجلة ماغازين سنة 1964 والذي حمل في احتجاج لاذع على تحيز المتحف النخبوي تجاه التجريد، توقّعاً واستباقاً للأزمات التي حصلت. إذاً هو تحوّل في مقتنيات المتحف وآثاره الفنية الحديثة، مع التركيز على مجموعة كبيرة من أعمال الفنان جورج داوود قُرم، كإعارة طويلة الأمد لمتحف سرسق. كما تضمُّ المجموعة الدائمة للمتحف عدداً من الأعمال الفنية البارزة لفنانين أمثال جورج صباغ وعمر أنسي، وكانت مملوكة لنقولا إبراهيم سرسق. بالإضافة إلى أعمالٍ حائزة على جائزة صالون الخريف، لفنانين أمثال شفيق عبود، سلوى روضة شقير، بول غيراغوسيان، عارف الريس، سيمون فتال ولارا تابت. تضمُّ المجموعة أيضاً أعمالاً لفنانين بارزين مثل محمد صقر وعصام السبع، اللذان ظلّت أعمالهما مكدّسة لفترةٍ طويلة في أرشيف الأعمال المرفوضة.
للفنان عصام السبع في معرض «أنا جاهل» ثلاث لوحات تعود للعام 1968 أحداها حبر وقلم رصاص على ورق، ومنها اثنتان حبر على ورق. وفي تعريف له جاء التالي: لا يُعرف سوى القليل عن حياة عصام السبع ومسيرته الفنية، ونحن بصدد إجراء المزيد من الأبحاث حول حياته. نعرف أنه من سكّان برج البراجنة في ضاحية بيروت الجنوبية. وفي العام 1968 قدّم السبع ثلاث لوحات للمشاركة في معرض الخريف السابع. وجميعها قوبلت بالرفض. بينما كانت المؤسسة تستحسن أسلوب الفنان السوريالي وترحب به، إلاّ أن السبع لم يكن قد تلقى أي تعليم رسمي في مجال الفنون الجميلة. كان السبع يستخدم مواد رخيصة وسهلة النقل كما الحبر والورق، والتي لم تكن اللجنة تقيم لها تقديراً كبيراً. ومن أجل المشاركة في معرض الخريف كان على الفنانين احضار أعمالهم إلى المُتحف، ولم يقم عصام السبع باسترجاع أعماله بعد رفضها. وبضربة من الحظ مكثت لوحاته الثلاث ضمن المجموعة الثالثة للمتحف.
قراءة في معرض «أنا جاهل» تفضي للإستنتاج بأن صالون الخريف كان بمثابة خطوة جريئة، وشكّل متناً أساسياً للفن التشكيلي في لبنان، كما شكّل الذائقة الفنية للناس من فنانين وجامعي أعمال فنية ومحبين للفن. وكان نوعاً من أكاديمية من خلال ورش العمل الفنية التي كان يقيمها. وتكمن جرأة «أنا جاهل» في طرح الجدل الذي كان قائماً بقوة في الحياة الثقافية حول صالون الخريف، منهم المؤيد ومنهم الرافض والناقد. وكما كانت اللجنة ترفض أعمال بعض الفنانين، فإن فنانين كما جورج داوود قرم كان يرفض أن يعرض فيه. كان قرم يرى صالون الخريف شبيهاً بالصالونات الفرنسية، وكان يدعو لفن إنساني بكافة المقاييس. قرم كان سوريالياً وصالون الخريف تجريدياً.
معرض «موجات الزمن»

معرض «موجات الزمن» يطّلع بثلاثة جداول زمنية عبر سرد تاريخي لمتحف سرسق، ولمعارِضه، وللأحداث الاجتماعية والسياسية المحلية البارزة الموازية للإنتاج الفني في البلاد. ويعتمد على المواد التوثيقية والمحفوظات الخاصة بمتحف سرسق وأعمال إعادة التأهيل المنصرمة. ويسلط الضوء على ستة انقطاعات طوال اثنين وستين عاماً من وجوده: من الإقفال الأول بين عامي 1952 و1961 الذي نتج عنه معركة قانونية لتحويل دارة نقولا إبراهيم سرسق إلى متحف، إلى الإقفال القسري الأخير بسبب انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/اغسطس 2020. يتضمن المعرض أعمالاً لكل من الفنانين اللبنانيين عارف الريّس، جان خليفة، سمير خدّاج، سامية عسيران، شفيق عبّود، سعيد عقل، أكرم زعتري، جيلبير الحاج، ونسرين خضر، هي بمثابة شهادات حيّة وثناءات للمقاومة الثقافية التي قادها فنانون وعاملون في المجال الثقافي ورعاة الفن ومناصريه، لمواجهة كل التحدّيات التي عاشها لبنان على مرّ السنين.

معرض «طريق الأرض»

«طريق الأرض» من تنظيم ماري – نور حشيمه إنطلاقاً من التّفكُّر في قضيّة استملاك الأراضي وملكيتها في لبنان، يدمجُ هذا المعرض الجماعي بين ثلاثة أعمال تسعى إلى التّحقق في النماذج السائدة للملكية الخاصة. ويقترح إمكانيات لِسُبُل إنعتاقيّة – وربما مُنقِذة – تقودنا نحو إدراكٍ متجدّد لبيئتنا. الأعمال الثلاثة التي يضمها المعرض تنأى عن عقائد البُنُوّة المتشبّثة بمعيارية المغايرة وعن الاقتصادات الاستخراجيّة والتّطويع الحداثي للطبيعة. وتقترح نقاط تعارضٍ تاريخية وفلسفية، تستند إلى مجموعة من الحُجَج القانونية والجيولوجية والجغرافية والبيئية والمجتمعية. ويشترك فيه مروى ارسانيوس انطلاقاً من بحثها الذي يحمل عنوان «من يخشى الأيديولوجية؟» وتكشف النّقاب عن طبقات من تّحوّلات خضعت لها الأراضي المحيطة ببستان الزيتون الذي تملكه أسرتها في جبال شمال لبنان. فيما يحدّد أحمد غصين موقع قطعة أرض غير مسجلة في جنوب لبنان، ويتحرّى عن سُبُل تسجيلها ووضعها على الخريطة. ويأخذ عمل سابين سابا الجديد «روزنامات إقليمية» شكل تجهيزٍ بياني سمعي- بصري حول قضية وراثة الأراضي، ليسلّط الضوء على تجاربٍ ونزاعاتٍ تنجرف عن الهيكليّة المسنونة والمُشتَرَعة للأسرة نحو فضاءاتٍ مغايرة لمفاهيم النَّسَب والقُربى.

«إيجيكتا» لزاد ملتقى

«إيجيكتا» لزاد ملتقى، تجهيز سمعي- بصري من ثلاث دقائق، يحول الصور الرقمية لأعمال مجموعة متحف سرسق الدائمة إلى عَنصورِيّات پكسليّة تتطوّر وتتوالى عبر سلسلةٍ من الأوضاع والحالات. كأن تنبثق على شكل مقذوفاتٍ بركانيّة ضوئيّة، لتعود وتتدفّق عبر إطار الشاشة كالماء أو الحُمَم. يتصدّى مُلتقى للانحلال والتدهور والهلاك والدَّمار، من خلال عنفٍ عكسي يغمر حواس المشاهد بأسلحة الفن والثقافة والفكر. يقترن هذا التدفق المتواصل للصُّوَر مع صوت انفجارٍ متكسّرٍ وناشزٍ يتحول إلى ما يشبه رنين آلة الهارمونيكا الزجاجية. وفي هذا العمل، يستلهمُ مُلتَقَى من مصدرَين: الأول عملٍ موسيقي باروكي پوليفوني من القرن السابع عشر، وضعه المؤلف الفرنسي مارك أنطوان شارپنتييه بعنوان «دروس الظُّلُمات». والثاني عمل بعنوان «تمارين على الأضواء» ألّفه زاد مُلتَقَى العام 2017. وعلى الجدران الخارجية للتجهيز، يدعو الفنان الزائرين إلى كتابة جملة والمشاركة في مناشدةٍ جماعية هي بمثابة فعلٍ أدائي يمارس كطقسٍ علاجي.

«رؤى» جولة افتراضية

«رؤى» جولة افتراضية في الطابق الأول، معرض يجمع صوراً فوتوغرافية من مجموعة فؤاد دبّاس وفيديو «أيكونيم» الرقمي متبعاً نهج أحد الاختراعات المدهشة التي غيّرت تصورنا ورؤيتنا للمدينة. وبيروت هي المادة المثالية لهذا الموضوع لأنها مدينة متغيرة بشكل دائم، حاملة معها قروناً من التاريخ والأحداث المُبهجة، والمرعِبة في آن، والتي يمكن قراءتها من خلال ملامح السعادة أو الغضب في وجوه البشر.
يقف المصور الفوتوغرافي بين العالِم الذي يرصد الواقع ويسجّله، وبين الفنان الذي يعمل برؤية أكثر شخصية. بطريقة مماثلة، يعد فيديو ICONEM بعنوان ذكريات العديد من قصص المدينة المُتحرّكة والمتغيّرة باستمرار، عنصراً مميزاً في المسح التصويري في الوقت الحاضر، والذي يسمح لنا بالحفاظ على تفاصيل ثلاثية الأبعاد لذاكرة تلك الأماكن التي تتغيّر. اُنتج الفيديو بتكليف من منظمة اليونيسكو بعد انفجار مرفأ بيروت. ويُظهر 30000 صورة تم دمجها ببعضها البعض، لإعادة خلق جولة افتراضية للمباني التراثية الرائعة في بيروت. وقد أعادت ICONEM توليفها بتقنية ثلاثية الأبعاد، خصيصاً لهذا المعرض، مع تصوّر لبيروت وقد أعيد إحياءها وإضاءتها بضوء غامض يعيد الحياة الى شوارعها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية