قيادة المنطقة الوسطى هي المسؤولة عن كل الوحدات والألوية المتمركزة في منطقة “يهودا والسامرة”. هذه القيادة تشكل الجهة ذات السيادة الفعلية وتدير المعركة بكاملها، بكونها الجهة التي توجه الجهات الأخرى العاملة في الساحة: منسق النشاطات في “المناطق” [الضفة الغربية]، والإدارة المدنية، وحرس حدود “يهودا والسامرة”. ونظراً لأن إسرائيل لم تعلن منذ 1967 عن سيادة في مناطق “يهودا والسامرة”، فالقانون الدولي ينظر إلى وضع إسرائيل يدها على المناطق التي احتلتها في حرب الأيام الستة بأنه “وضع يد حربي”. في هذا الإطار، المنطقة تحت احتلال عسكري بإدارة قيادة المنطقة الوسطى. تشكلت الإدارة المدنية في 1981 عقب اتفاق السلام مع مصر، لإخراج معالجة الشؤون المدنية في المناطق المحتلة من أيدي الجيش الإسرائيلي.
اتفاقات أوسلو أو باسمها الرسمي “اتفاق المبادئ”، هي سلسلة اتفاقات وقعتها إسرائيل وم.ت.ف ما بين السنوات 1993 إلى 1995 بهدف إنهاء النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين بمصالحة سياسية وجغرافية. على أساس “إعلان المبادئ بشأن الاتفاقات المؤقتة لحكم ذاتي”- الاتفاق الأول من بين اتفاقات أوسلو، تشكلت السلطة الفلسطينية ونقلت إليها صلاحيات في مجالات مدنية في مناطق “يهودا والسامرة” وقطاع غزة، وكذلك صلاحيات أمنية. هكذا، أصبحت السلطة بنية تحتية تنظيمية لإدارة الكيان الفلسطيني (نوع من “دولة على الطريق”)، والتي لديها وزارات حكومية وصلاحيات عملية. هذه الاتفاقات قسمت مناطق السلطة إلى 16 محافظة، منها 11 في “يهودا والسامرة”. خلال ذلك قسمت مناطق “يهودا والسامرة” وقطاع غزة إلى ثلاث فئات، منطقة “أ” والتي تشكل 18 في المئة من “يهودا والسامرة”، تحت سيطرة مدنية وأمنية للسلطة الفلسطينية؛ ومنطقة “ب” التي تشكل 22 في المئة من “يهودا والسامرة”، بصفتها مناطق تحت سيطرة مدنية للسلطة الفلسطينية وسيطرة أمنية لإسرائيل؛ ومنطقة “ج” التي تشكل 60 في المئة من “يهودا والسامرة” تحت سيطرة مدنية وأمنية إسرائيلية، وهي التي تضم المستوطنات اليهودية في المنطقة.
في الأصل، نصت اتفاقات أوسلو على إقامة 6 أجهزة أمنية للسلطة الفلسطينية ولكن سرعان ما تطور 10-15 جهاز أمن منفصلاً. وهذه اقتضت إقامة جهاز تنسيق أمني بين الجيش الإسرائيلي وأجهزة الأمن هذه، والذي بدأ بالعمل رسمياً في سنة 1996. أثمر التنسيق الأمني إنجازات عديدة، وبات وجوده يشكل مصلحة مهمة لكلا الطرفين وبمساعدته يحافظون على الهدوء الأمني في “يهودا والسامرة”. معظم التنسيق يتم على يد الإدارة المدنية، وهو يشمل بالأساس تنسيقاً على المستوى الميداني بين أجهزة المخابرات وأجهزة “الشاباك” المتوازية وأجهزة الرقابة المدنية. هذا من خلال تعاون مع قائد المنطقة الوسطى، الذي ينسق زمنياً هذه التنسيقات في مقر القيادة.
أخذت الإدارة المدنية على عاتقها بعد اتفاقات أوسلو مسؤولية المصادقة على مخططات بناء في المستوطنات وفي البلدات الفلسطينية الواقعة في مناطق “ج”، فباتت مسؤولة من بين أمور أخرى عن العثور على بناء غير قانوني وإنفاذ القانون ضد البؤر الاستيطانية غير القانونية، وكذلك أيضاً عن إصدار تصاريح لعمل للفلسطينيين، والعلاقة مع السلطة الفلسطينية في المواضيع المرتبطة في التنسيق الأمني، وإنشاء البنى التحتية. يتولى المسؤولية عن الإدارة المدنية ضابط من الجيش الإسرائيلي بدرجة عميد يكون خاضعاً لقائد المنطقة الوسطى إلى جانب موجه مهني من قبل منسق أعمال الحكومة في “المناطق”. فعلياً، يخضع رئيس الإدارة المدنية لمنسق نشاطات الحكومة، ويعمل كضابط ركن لقائد المنطقة المسؤول عن تنسيق وإدارة الجهود المدنية للقيادة؛ أي عن كل جوانب سيطرة قائد المنطقة على السكان المدنيين، علاوة على ذلك، يعمل كل من “الشاباك” وحرس الحدود في “يهودا والسامرة”.
سياسة حكومة إسرائيل الـ 37 مثلما تنعكس في الاتفاقات الائتلافية التي وقعت وفي تطبيقها حتى الآن، تنعكس أيضاً في عدد من الخطوات التي ستؤثر بصورة دراماتيكية على سلوك قيادة المنطقة الوسطى وفي أساسها: نقل الصلاحيات عن الإدارة المدنية للوزير في وزارة الدفاع (بتسلئيل سموتريتش) وإخضاع حرس الحدود لوزارة الأمن الوطني، وتوسيع مشروع الاستيطان اليهودي بواسطة “شرعة الاستيطان الشاب”؛ أي اعتراف قانوني بالبؤر غير القانونية. وكل هذا، على خلفية اقتراح “الإصلاح القانوني”، الذي لو تم تمريره كما هو، فسيعطي لحكومة إسرائيل قوة لتطبيق هذه السياسة عن طريق سن تشريعات ولوائح، لن يكون بالإمكان الاعتراض عليها أو فسخها. يدور الحديث عن خطوات قد تغير الواقع في “يهودا والسامرة” جذرياً مثلما تشكل خلال السنوات الأخيرة.
في نهاية 56 عاماً من السيطرة العسكرية الإسرائيلية على “يهودا والسامرة”، وإزاء الخطوات التي تنفذها الحكومة الـ 37 وتنوي تنفيذها، مطلوب أن نفحص مغزاها مثلما سيتم التعبير عنها على الأرض. في هذا المقال سيتم تحليل العناصر المختلفة التي مكنت قيادة المنطقة الوسطى من المحافظة على الاستقرار النسبي على مر السنين وسهلت على إسرائيل تطوير مشروع المستوطنات المزدهر، وكذلك مواجهة انتفاضتين فلسطينيتين “الانتفاضة الأولى والثانية”. بالإضافة إلى ذلك، سيتناول المقال الظروف التاريخية والخطوات التي شكلت المنظومة القائمة في قيادة المنطقة الوسطى، وكذلك الأركان التي تمكن من تأسيس هذه المنظومة. وثمة قضايا أخرى مثل تأثير خطوات الحكومة الحالية على مستقبل هذه المنظومة وعلى قدرة قيادة المنطقة الوسطى على تنفيذ دورها.
“بدور صاحب السيادة”: إدارة معركة دون هدف سياسي
عرف كل من فيبر وبيرسيكتور، السيادة كـ “حق معترف به لكيان سياسي لتطبيق صلاحيات على كل القضايا”. إدارة المنطقة الوسطى بمفاهيم عديدة هي صاحب السيادة في “يهودا والسامرة”. خلافاً لباقي قيادات الجيش الإسرائيلي، لقيادة المنطقة الوسطى صلاحيات ومسؤوليات شاملة في “يهودا والسامرة”، وقدرة على استخدام القوة وجوانب من بناء القوة وتشكيل السياسات. هذا، ما دام الحديث يدور عن “يهودا والسامرة”، بالطبع إلى جانب السلطة الفلسطينية المسيطرة على الفلسطينيين في مناطق “أ” و “ب”. لقيادة المنطقة الوسطى صلاحيات تشريع، وقضاء، وذراع تنفيذي، تشكل نوعاً من العالم المصغر لسلطات الدولة الثلاث، وتمكّن سيادتها، وتنفيذ خطوات استراتيجية واسعة لا تحدث في قيادات أخرى. هكذا وخلافاً عن باقي القيادات ولتي تشكل بالأساس عاملاً تنفيذياً، فإن قيادة المنطقة الوسطى هي صاحبة السيادة في منطقتها، وهي المسؤولة عن بلورة الأهداف التكتيكية والاستراتيجية على الأرض لتحقيق أهدافها.
في حزيران 1967 ومع انتهاء حرب الأيام الستة، تعين على دولة إسرائيل مواجهة واقع جديد الذي في إطاره وجدت نفسها تسيطر على أربع ساحات مختلفة، من بينها “يهودا والسامرة” التي كان فيها حينئذ 700 ألف فلسطيني. من بداية هذه السيطرة العسكرية كان التأكيد على إدارة المنطقة وليس على بلورة اتفاق سياسي طويل المدى. موشيه ديان وزير الدفاع في الفترة التي أعقبت حرب الأيام الستة، كان تواقاً لوجود سلطة احتلال “غير مرئية” قدر الإمكان- والسماح بحياة طبيعية قدر الإمكان للسكان الفلسطينيين مع اتباع سياسة معاقبة موزونة ومتطورة. هذه سياسة اتبعها وزراء الدفاع طوال السنين في محاولة لإقامة “حكم مستمر” وتطبيق فلسفة عدم التدخل في الحياة الروتينية للسكان المحليين التي اتبعها ديان قدر الإمكان في إطار السيطرة الأمنية.
اعتبرت قيادة المنطقة الوسطى دورها كجهة مسؤولة عن “إخماد الحريق، وكبح جهات محرضة مع تجنب خلق نقاط احتكاك توقظ المقاومة تجاه إسرائيل في المجتمع الدولي. وهكذا طورت القيادة رؤية تنظيمية عن الساحة، نابعة من سياسة المستوى السياسي التي تضمنت عدداً من الجوانب الأساسية: توازنات أمام نشاطات الفلسطينيين، وتقليص ارتفاع ألسنة اللهب في حالات ونقاط احتكاك بهدف منع تصعيد الإرهاب، وتوازنات ما بين توسع المشروع الاستيطاني اليهودي ومناطق تحت ملكية فلسطينية، وكذلك فصل السلطة الفلسطينية عن قطاع غزة في عهد ما بعد اتفاقات أوسلو.
موقف حكومة إسرائيل الرسمي الذي لم يتغير منذ 1967 حتى اليوم، يقول إن إسرائيل تضع يدها على المنطقة التي احتلتها، حيث جزء منها يعد ورقة مساومة للتوصل إلى اتفاق سياسي لحل النزاع العربي الإسرائيلي. على خلفية، هذا الموقف الذي معناه هو تطلع إلى المحافظة على إمكانيات العمل المستقبلية، والتعامل مع الساحة الفلسطينية على مر السنين، تم إقصاؤه إلى الهامش وفق تفضيل المستوى السياسي، وبدون نجاح (أو محاولة حقيقية) لبلورة حلول للنزاع. انشغل المستوى السياسي الأمني في بلورة ردود للساحات التي اعتبرت كتهديد وجودي لدولة إسرائيل: سوريا و”حزب الله” ولاحقاً إيران. هكذا بقيت القضية الفلسطينية تحت معالجة القادة الميدانيين بقيادة المنطقة الوسطى، بدون هدف سياسي بعيد المدى. في إطار استراتيجية الحكم المستنير، وتركزت الرسالة التي نقلت لقادة القيادة طوال سنين على منع التصعيد وعلى “إلقاء بطانية على النار واهتموا بإبقائها منخفضة”.
غياب سياسة واضحة للمستوى السياسي طوال السنين، اقتضى من القيادة أن تفهم وتفسر نواياه بواسطة رسائل وتصريحات متخذي القرارات وليس عن طريق أوامر واضحة، على خلفية رسائل متناقضة في مرات عديدة على رأسها التناقض ما بين توسيع مشروع المستوطنات والمحافظة على فضاء الاحتمالات لحلول سياسية. في هذا الفضاء، كانت القيادة تتوق لاستمرار “الوضع القائم” في “يهودا والسامرة” على مدى السنين، والذي جوهره المحافظة على الاستقرار الأمني في المنطقة ومحاولة “شراء وقت” إلى أن تتبلور الظروف التي ستقود إلى حل سياسي بعيد المدى بواسطة المحافظة على فضاء الاحتمالات للمستوى السياسي تجاه الساحة الفلسطينية.
“ضبط النفس قوة”.. رؤية استخدام القوة في قيادة المنطقة الوسطى
سجلت قيادة المنطقة الوسطى لصالحها نجاحاً لا بأس به في السيطرة على “يهودا والسامرة” على مدى 56 عاماً، حوالي نصف هذا الوقت بمشاركة السلطة الفلسطينية وبالتنسيق معها؛ أي أنها نجحت بدرجة كبيرة في جعل المنطقة مستقرة وكبح انتفاضات فلسطينية والإرهاب.
العمليات الكبيرة التي وقعت في بداية سنوات الـ 2000 (الانتفاضة الثانية) في عهد رئيس الحكومة الإسرائيلية أريئيل شارون والذي كان معروفاً بمقاربته العدائية تجاه الساحة الفلسطينية، قادت إلى تعاظم توجه الكبح الذاتي لدى إسرائيل. بعد العملية التي وقع فيها العديد من المصابين في الدولفيناريوم (2001)، قال أرئيل شارون: “إن ضبط النفس يعد عامل قوة”، وهي جملة حفرت في الوعي الوطني وأشارت إلى بداية التغيير. وشيئاً فشيئاً تبلور في إسرائيل فهم بأن القوة ليست الوسيلة الوحيدة في محاربة الإرهاب. وفقاً لهذه الرؤية، سار التفكير بأن القوي وحده قادر على احتمال ضربات والرد عندما يجد ذلك مناسباً؛ وأي رد فوري وسريع هو تعبير عن ضغط وشعور إلزامي بالرد، حتى وإن كان ذلك غير صحيح. بناء على ذلك، استخدام القوة وعدم استخدامها هي خطوات استكمالية في خلق وعي القوة لإسرائيل في حربها ضد الإرهاب. ينعكس هذا الفهم أيضاً في التصريح الدارج: “إسرائيل سترد في المكان والزمان المناسبين وبالقوة التي تراها مناسبة”.
لقد أثر على هذه المقاربة تطور رؤية الفن التنظيمي -وهي فلسفة شاملة لفكرة الحرب القائمة على مكونات نظرية المنظومات لتفكير استراتيجي عسكري. في بداية سنوات الـ 2000 كانت قيادة المنطقة الوسطى هي الرائدة الفكرية لهذه النظرية. الجنرال احتياط بوجي يعلون والجنرال الاحتياط إسحق إيتان ورئيس الأركان (احتياط) شاؤول موفاز، أجروا دراسة معمقة تم في إطارها بلورة الرؤية التنظيمية التي تستخدم عدة منظومات والتي في أساسها توازن ما بين الأدوات والأساليب وتكييفها للمكونات المختلفة للمنظومة التنفيذية في القيادة. انعكست رؤية المعركة في أقوال قادت قيادة المنطقة الوسطى للحاجة إلى توازنات ما بين استخدام قوة شديد وكبح ذاتي والاستيعاب -بين الجزر والعصي. فمن جانب، مطلوب العمل ضد الإرهاب بيد قاسية مع التأكيد على المستوى الميداني لقيادة المنطقة الوسطى، وبالمقابل يجب خلق عوامل كابحة اقتصادية واجتماعية تقلل الدافعية نحو الإرهاب.
الدمج ما بين عوامل ناعمة وقاسية لخلق توازن حظي بانتقاد في أوساط قادت الرأي العام، سياسيين وعسكريين يميلون إلى مقاربة محافظة صقورية يرون في القوة العسكرية الأمر الأهم في الحرب ضد انتفاضة شعبية، وثمة حالات عديدة طوال التاريخ أظهرت أن محاولة حسم معركة كهذه، وخاصة عندما يكون في الخلفية مطامح وطنية وبواسطة استخدام قوة عسكرية فقط إنما هو أمر محكوم عليه بالفشل.
مثال ذلك نجده في تداعيات عملية “الدرع الواقي” سنة 2002 التي جرت عقب موجة عمليات، كان أبرزها وأكثرها في عدد الإصابات العملية التي وقعت عشية عيد الفصح في فندق بارك في نتانيا. خلافاً لفهم سائد لدى الجمهور الإسرائيلي اليوم، فإنه وعلى الرغم من أن العملية واسعة النطاق التي سيطر الجيش الإسرائيلي في إطارها وفي أعقابها على معظم المدن الفلسطينية في “يهودا والسامرة” فإنها لم تحقق هدفها – هزيمة الإرهاب في المنطقة. في الواقع، لقد كان للعملية نجاحات عديدة في ضرب البنى التحتية للإرهاب وفي تقليل عدد العمليات في الفترة التي تبعتها، كما أنها خلقت حرية مناورة لقوات الجيش في كل أرجاء “يهودا والسامرة”. ولكن اقتضى الأمر ثلاث سنوات أخرى منذ انتهاء العملية وحتى إنهاء الانتفاضة الثانية، وذلك تم تحقيقه بسبب المقاربة التنظيمية الواسعة. أي من وجهة نظر قيادة المنطقة الوسطى، نظرية أرجل الأربعة تطورت خلال هذه السنوات؛ وتجمعت عوامل دفاعية، مثل جدار الفصل الذي أقيم على طول الخط الأخضر بهدف منع اختراق مخربين فلسطينيين إلى أراضي إسرائيل؛ وعوامل مدنية مثل تطوير الاقتصاد الفلسطيني؛ وكذلك عوامل تنسيق أمني مثل إعادة الشرطة الفلسطينية للعمل واستئناف التنسيق الأمني.
هذه العوامل كانت حاسمة لإنهاء الانتفاضة الثانية، وأثبتت أنه المعركة العسكرية وحدها غير كافية لهزيمة الإرهاب. علاوة على ذلك، فالإرهاب والنزاع الإسرائيلي الفلسطيني لم ينتهيا حتى بعد إنهاء الانتفاضة الثانية. وثمة عامل آخر تسبب في خفوت الإرهاب في السنوات التي أعقبت ذلك، وهو تعيين محمود عباس في منصب رئيس السلطة الفلسطينية سنة 2004 بعد موت ياسر عرفات، وتفضيله للنضال الشعبي على الإرهاب. هذا بالإضافة إلى خطوات سياسية نُفذت في تلك السنوات وعلى رأسها نشر خطة “خارطة الطريق” لحل النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني في حزيران 2002، ومبادرة جنيف التي نشرت في سنة 2003 ومؤتمر أنابوليس في سنة 2007 والتي تطرقت إلى البعد الوطني للمواجهة وكذلك أعطت أملاً لمجموعات كبيرة في المجتمع الفلسطيني. في نهاية المطاف، النزاع الإسرائيلي- فلسطيني المعقد يتمركز حول قضايا وطنية، وخاصة تطلعات قومية فلسطينية، والتي تشكل أرضاً قيمية ومعنوية لصعود الإرهاب. لهذا، فإن مواجهة عسكرية وحدها لا تكفي لوقف العنف والإرهاب.
يجدر التطرق لتداعيات بعيدة المدى لعملية “الدرع الواقي”، والتي عكست انعطافة في الرؤية الإسرائيلية فيما يتعلق بالطريقة المطلوبة لـ “السيطرة” على مناطق “يهودا والسامرة”. بعد العملية، “مواجهة محدودة” كانت هي الرؤيا الرائدة في إدارة المعركة في “المناطق”، من خلال إدراك القيود على استخدام القوة النابعة من اتفاقات سياسية؛ أي أن حرية عمل قيادة المنطقة الوسطى في” المناطق” كانت محدودة. ولكن العملية في فندق بارك في نتانيا، وعملية “السور الواقي” في أعقابها طمست الحدود والقيود من ناحية عملية. لقد تجذرت الرؤية القائلة بأن حرية العمل العملياتية في “المناطق” هي أمر ضروري لكبح الإرهاب وهي التي مكنت من إنهاء الانتفاضة الثانية سنة 2005. ومنذ ذلك الحين، وعلى الرغم من استئناف التنسيق الأمني مع الفلسطينيين، ورغم فترة قصيرة عملت قوات الأمن الفلسطينية خلالها بصورة أكثر نجاعة، لم تتغير هذه الرؤية. هنالك من يرون في هذه الرؤية التي تؤيد الحفاظ على حرية عمل عملياتية لجيش الدفاع الإسرائيلي، والتي ساهمت في الجمود السياسي وأدت إلى طريق مسدود في العملية السياسية، بأنها خلقت للحكومة إمكانية لتجنب اتخاذ قرارات سياسية صعبة.
للحفاظ على استقرار أمني في “يهودا والسامرة”، ومنع تصعيد يتم تحريكه على أساس أيديولوجيا وطنية عميقة، يجب استخدام عوامل أخرى من القوة إلى جانب القوة العسكرية واستخدام القوة الناعمة. هذه الرؤيا وجهت قيادة المنطقة الوسطى للعمل حسب مبدأين رئيسيين: فصل السكان المدنيين عن عوامل الإرهاب، واستخدام القوة المطلوبة طبقاً لهدف محدد وطبقاً للوضع، تطلعاً لتقليل استخدام القوة إلى الحد الأدنى المطلوب. كل هذا من خلال فهم أن استخدام قوة تتجاوز المطلوب يخلق تصعيداً أمنياً. علاوة على ذلك، فإن استخدام قوة غير متناسب يعارض مبادئ نظرية القتال القائلة: (استنفاذ القوة والتوفير في القوة)، وكذلك مقارضة لمبادئ قانونية وقيمية دولية.
هكذا يجري تكييف استخدام القوة طبقاً للواقع التكتيكي والعملياتي على الأرض. أي أن المطلوب تكييف القوة وطرق العمل بصورة تعكس استراتيجية مركبة: استخدام أدوات عملية من التنسيق الأمني إلى جانب أدوات اقتصادية ومدنية تعكس قوة ذكية. الاستخدام الواسع لأدوات اقتصادية كان مكوناً أساسياً في استراتيجية التهدئة التي اتبعتها قيادة المنطقة. بنظرة كلية، فإن عمل العمال الفلسطينيين في إسرائيل يخلق اعتماداً للسلطة الفلسطينية على الاقتصاد الإسرائيلي بصورة قد تصعّب بلورة وتطبيق حلول سياسية تؤيد الانفصال. ولكن هذه السياسة حسنت الاقتصاد الفلسطيني، وهي تخلق مجالاً من المصالح المشتركة مع الفلسطينيين على الرغم من الخلافات العميقة البعيدة عن الجسر الآن. من خلال فضاء المصالح المشتركة هذا، تم كبح الإرهاب بدرجة ما وتعززت الروافع الإسرائيلية المؤثرة على الساحة الفلسطينية. هذه الروافع مكنت من منع تصاريح عمل في إسرائيل للفلسطينيين كعقوبة على تصعيد أمني، وزيادة عددها كمكافأة للهدوء في “يهودا والسامرة”. هكذا تم خلق آلية تكافئ كلا الطرفين بتهدئة أمنية وحفاظ على الاستقرار.
على المستوى الميداني ومن وجهة نظر قيادة المنطقة الوسطى، فقد وُجدت منظومة توازنات تضمنت ضبطاً للنفس إلى جانب إزالة القيود، بصورة تناسب الحالة. تحسين هذه المقاربة والأسلوب مكن من تنفيذ عمليات بصورة تفضيلية من ناحية جيوغرافية وأمام تنظيمات فلسطينية بصورة تتناسب والاستراتيجية في ذلك الوقت، مثل المس بتنظيم حماس بصورة وبدرجة أشد بالتنظيمات الإرهابية الأخرى العاملة في “يهودا والسامرة”. منظومة التوازنات استهدفت محاربة مركزة للإرهاب، وفي الوقت نفسه تجنب المس بالسكان الفلسطينيين غير المتورطين.
الآلية الممكّنة: معلومات استخباراتية- تنسيق أمني ومدني وخبرة محددة
قائد المنطقة الوسطى هو صاحب السيادة في “يهودا والسامرة”، وهو المسؤول عن الأمن وإنفاذ القانون والنظام في المنطقة. بناء على ذلك، فإن مجمل الأجهزة العاملة في مناطق القيادة – الشاباك، والإدارة المدنية، والشرطة- يتم تنسيقها من قبل القيادة، حتى وإن كانت غير خاضعة لها مباشرة. هذا التنسيق يشمل الخضوع إلى سلطات القائد العسكري حتى يصادق على النشاطات المختلفة التي تنفذها في منطقته. مجمل الأجهزة والجهات العاملة اليوم في “يهودا والسامرة” هي “الآلية الممكّنة” للانقلاب التنظيمي متعدد المجالات للقيادة، والتي تشمل مجتمعاً مدنياً، واقتصاداً، وتنسيقاً أمنياً ونشاطاً عملياتياً. الآلية الممكّنة مكونة من مخابرات نوعية، وقوة عمليات.
تمير هايمن وعيدن كدوري
معهد بحوث الأمن القومي 12/6/2023