حكومة إسرائيل الحالية ودورها في زعزعة الوضع الراهن في “يهودا والسامرة”.. صلاحيات وتداعيات

حجم الخط
3

قائد المنطقة الوسطى هو صاحب السيادة في مناطق “يهودا والسامرة”، وهو المسؤول عن الأمن وإنفاذ القانون والنظام في المنطقة. بناء على ذلك فإن مجمل الأجهزة العاملة في مناطق القيادة (الشاباك، والإدارة المدنية، والشرطة) يتم تنسيقها من قبل القيادة، حتى وإن كانت غير خاضعة لها مباشرة. هذا التنسيق يشمل الخضوع إلى سلطات القائد العسكري ليصادق على كل النشاطات المختلفة التي تنفذها في منطقته. مجمل الأجهزة والجهات العاملة اليوم في “يهودا والسامرة” هي “الآلية الممكّنة” للانقلاب التنظيمي متعدد المجالات للقيادة والتي تشمل مجتمعاً مدنياً واقتصاداً، وتنسيقاً أمنياً ونشاطاً عملياتياً. الآلية الممكّنة مكونة من مخابرات نوعية، وقوة عملياتية تنفذ النشاطات، وإدارة مدنية متزامنة مع القوة العملياتية وخبرة مهنية محددة لشرطة إسرائيل وحرس الحدود.

خطوات الحكومة الـ 37 وتداعياتها.. نقل صلاحيات الإدارة المدنية 

البند 21 من الاتفاق الائتلافي مع قائمة “الصهيونية الدينية” ينص على أن “الوزير في وزارة الدفاع يتولى مسؤولية كاملة عن مناطق عمل منسق نشاطات الحكومة في المناطق والإدارة المدنية”. وعلى خلفية معارضة الجيش الإسرائيلي لفصل الإدارة المدنية عن منسق نشاطات الحكومة في “المناطق” ومواجهات بين وزير الدفاع يوآف غالانت والوزير في الوزارة بتسلئيل سموترتش، وُقّعت وثيقة تفاهمات بين الوزراء في شباط 2023. هذه الوثيقة تقلص الصلاحيات التي أعطيت للوزير في وزارة الدفاع، وتم تحديد خضوع معين للوزير في وزارة الدفاع لوزير الدفاع، إلى جانب تحديد آليات لاتخاذ القرارات بمشاركة رئيس الحكومة. مع ذلك، ما زال هناك عدد من القضايا التي تثير علامات تساؤل فيما يتعلق بإمكانية تطبيق البنود بنجاعة وبخصوص تأثيرها المحتمل على أداء قيادة المنطقة الوسطى:

أولاً؛ لقد تقرر أن الوزير في وزارة الدفاع لديه المسؤولية الوزارية عن مجمل الجوانب المدنية المرتبطة بـ ”يهودا والسامرة”. ثانياً؛ تقرر أن الوزير الإضافي (سموتريتش) سيعين مدنياً بصفة “نائب رئيس الإدارة المدنية”، والذي سيكون خاضعاً إدارياً لرئيس الإدارة المدنية، ومهنياً لرئيس إدارة الاستيطان. وعلى الرغم من كون النائب خاضعاً لرئيس الإدارة المدنية، فإنه يحتفظ بالمسؤولية عن الجهات المدنية في الإدارة المدنية والذين يعملون في المجالات الخاضعة لمسؤولية الوزير الإضافي. ولكن رجال الجيش العاملين في مجالات مدنية سيخضعون إدارياً لرئيس الإدارة المدنية ويتلقون التوجيهات المهنية في هذه المجالات من النائب المدني. علاوة على ذلك، سيكون النائب المدني مسؤولاً عن “وحدة الرقابة”، المسؤولة عن إنفاذ قوانين التخطيط والبناء، وكذلك عن جودة البيئة في مناطق C. ثالثاً؛ تقرر أن سياسة إنفاذ القانون في المنطقة تحدد في المنتدى الذي يضم رئيس الحكومة ووزير الدفاع والوزير في مكتبه، حيث يتم المحافظة لقيادة المنطقة الوسطى على صلاحية تنفيذ إنفاذ القانون بصورة فورية، بما في ذلك استخدام وحدة الرقابة.

إخضاع وحدة الرقابة للوزير في وزارة الدفاع، والذي لديه سياسة معلنة لتفضيل مشروع الاستيطان، من المتوقع أن يقود إلى إنفاذ انتقائي للقانون، والذي بدوره سيؤدي إلى إحباط من شأنه أن يشجع العنف. أيضاً اليوم تعتبر وحدة إنفاذ القانون في نظر السكان الفلسطينيين كمن تعمل ضدهم وتشجع الاستيطان اليهودي. خيبة الأمل كبيرة وكل عملية إنفاذ للقانون تحمل في طياتها احتكاكاً، ولكن زيادة انعدام المساواة أمام القانون طوال الوقت من شأنها أن تعزز المقاربة السلبية تجاه الإدارة المدنية. علاوة على ذلك فإن إنفاذاً انتقائياً للقانون سيُستغل من قبل السلطة الفلسطينية لاستفزاز حكومة إسرائيل ولتعزيز رؤية إسرائيل في الساحة الدولية كدولة أبرتهايد. وذلك على خلفية طلب صودق عليه في الجمعية العمومية للأمم المتحدة في كانون أول 2022 لتقديم رأي استشاري من قبل محكمة العدل الدولية في لاهاي، بخصوص عدم قانونية الاحتلال والخوف من أن تناقش وجود نظام أبرتهايد.

بالمعنى العملي، إن نقل الصلاحيات يخلق تعقيداً وضبابية لسلسلة القيادة، حيث من غير الواضح من هو الوزير المسؤول عن الجيش في المواضيع المرتبطة بالجوانب المدنية أمام الفلسطينيين في “يهودا والسامرة”؛ وزير الدفاع عبر رئيس الأركان أم الوزير في وزارة الدفاع. ولـ “حل” هذه الإشكالية، تقرر التوقيع على وثيقة تفاهمات خلقت تعقيداً آخر؛ فقد تقرر تعيين عنصر مدني نائباً لرئيس الإدارة المدنية، وليس واضحاً بعد خضوعه المهني والإداري، أي من ناحية إدارية هو خاضع لرئيس الإدارة المدنية، ومن ناحية مهنية خاضع للوزير في وزارة الدفاع. أما صلاحياته المهنية في المجالات المدنية فهي أكبر من قائده العسكري، وهو موجه مهني للجنود في الإدارة المدنية ولكنه ليس قائدهم. لذا فإن فصل الإدارة المدنية بصورة يتم فيها تكييف العناصر المدنية على يد الوزير في وزارة الدفاع وتظل المكونات العسكرية في قيادة المنطقة الوسطى، إنما هو فصل يخلق ازدواجية أوامر على عنصر واحد بصورة تعارض قواعد نظرية القيادة والسيطرة. تقرر حل المنظومة الموحدة التي عملت سواء من ناحية صلاحيات القيادة أو في الهيكل الإجرائي العملي.

إلى جانب هذا التعقيد، ستضعف مكانة الإدارة المدنية جراء التغييرات، نظراً لأنها لن تشكل العنصر الذي في جعبته “العصا والجزرة”، وستكون مسؤولة فقط عن المواضيع الناعمة. على الرغم من أنها ظلت جزءاً من قوات الجيش الإسرائيلي، فقد اعتبرت غالباً من قبل الفلسطينيين عنصراً يقود القوة الناعمة في قيادة المنطقة الوسطى، وهذا هو مصدر مكانتها وتأثيرها. إن تصنيفها كجهة تحافظ على المستوطنين فقط، سيقلص تأثيرها على المنظومة الفلسطينية وسيقود إلى هبوط مكانتها، الأمر الذي سيضعفها كأداة لتنفيذ سياسات. في النهاية، في غياب سيطرة للقيادة على الإدارة المدنية، سيتضرر أيضاً التنسيق بين القيادة والسلطة الفلسطينية وقوات الأمن الفلسطينية، وستكون للنائب في الإدارة المدنية صلاحية تشوش على النشاط السوي في “يهودا والسامرة”. وكما ذكرنا سابقاً، فإن الإدارة المدنية تستخدم كذراع لقيادة المنطقة الوسطى لتطبيق سياسات للأمن والاستقرار، وتحويل هذه الصلاحيات سيمس بقدرة القائد العسكري على إدارة المنطقة التي هي تحت مسؤوليته.

إخضاع حرس الحدود لوزير الأمن الوطني 

في البند 90 من الاتفاق الائتلافي بين الليكود وحزب “قوة يهودية”، ورد أنه خلال 90 يوماً من تشكيل الحكومة ستتخذ الحكومة قراراً “بفصل حرس الحدود عن الشرطة وتحويله إلى جهاز مستقل بمكانة مشابهة لمصلحة السجون وإخضاعه لوزير وتنفيذ تعديلات قانونية طبقاً لذلك”. بخصوص قيادة المنطقة الوسطى، يدور الحديث عن كسر سلسلة القيادة المتعلقة بحرس الحدود في “يهودا والسامرة”. إذا تقرر تطبيق القرار بنقل حرس الحدود من شرطة إسرائيل وبضمن ذلك حرس حدود “يهودا والسامرة” إلى سلطة وزير الأمن الوطني، فمعنى ذلك فصل مسؤولية وصلاحيات قيادة المنطقة الوسطى على فصائل حرس الحدود بصورة ستمس بوحدة القيادة. وبهذا سيكون الوزير مسؤولاً عن مهام حرس حدود الضفة الغربية وسيكون لديه صلاحيات لنقل الفصائل من “يهودا والسامرة” ووضعها في مناطق أخرى في إسرائيل متى رأى ذلك مناسباً، هذا من خلال فصل البعد الجغرافي الذي هو عامل حاسم في الأداء السليم وفي أهليتها العملية. وبدون الأخذ بالاعتبار التداعيات على أداء قيادة المنطقة الوسطى وبدون القوة التنفيذية لحرس حدود “يهودا والسامرة”، والجيش الإسرائيلي وقيادة المنطقة الوسطى داخله، سيضطرون للتوجه إلى بدائل مثل تجنيد قوات احتياط أو زيادة عدد جنود في القيادة الوسطى وإعدادهم بحيث يستطيعون إعطاء رد على المهام الموجودة اليوم بأيدي قوات حرس الحدود؛ أي المؤهلات المرتبطة بالعمل أمام سكان مدنيين.

تغيير الجهاز القائم معناه أيضاً إعادة تشكيل أجهزة تجنيد القوة البشرية وتأهيلها. إذا لم يعد حرس حدود الضفة الغربية خاضعاً للجيش الإسرائيلي، فلن يجند الجنود أو يؤهلوا على يده، وستكون هنالك ضرورة لتطوير وتفعيل آليات إيجاد وتأهيل آخرين. يمكن تقدير أنه نتيجة لتقليص مخزون التجنيد، ستهبط جودة القوى البشرية في فصائل حرس الحدود في المدى الطويل.

مشروع الاستيطان 

البنود 118 – 127 من الاتفاق الائتلافي بين الليكود و”الصهيونية الدينية” تنص على أن الحكومة ستعمل على فرض السيادة في “يهودا والسامرة” وتفصل طرقاً مختلفة لترسيخ مشروع الاستيطان وتوسيعه وتقويته. خلال ذلك ينص البند 119 من الاتفاق الائتلافي على أن الحكومة “ستتخذ خلال 60 يوماً من تشكيلها قراراً بشأن تسوية المستوطنات الشابة”، أي تسوية بؤر استيطانية غير قانونية أقيمت دون موافقة الدولة، وجزء منها على أراض خاصة لفلسطينيين. لهذا، ففي شباط 2023 تقرر في جلسة للحكومة تسوية تسع مستوطنات في “يهودا والسامرة”.

إن تسوية البؤر الاستيطانية غير القانونية على أراض فلسطينية بصورة أحادية الجانب سوف يزيد الاحتكاك بين السكان الفلسطينيين والسكان اليهود في المنطقة، ومن المتوقع أن يزيد إحباط السكان الفلسطينيين في أعقاب التغيير في مكانة “المناطق” [الضفة الغربية]، بصورة ربما تقود إلى تصعيد أمني. تسوية الاستيطان والتغيير في السياسة الحكومية من المتوقع أن يشجع استمرار إقامة بؤر استيطانية غير شرعية، التي هي أيضاً ستزيد الاحتكاك. الأمر يتعلق بتغيير مكانة مناطق في المنطقة المصنفة “ج” والتي ستنتقل لتصبح تحت السيطرة الإسرائيلية، في حين يرى الفلسطينيون في هذه المناطق مجالاً سيسري عليه اتفاق مستقبلي. هكذا فإن تسوية الاستيطان في “يهودا والسامرة” دون اتفاق يتعلق بالموضوع الفلسطيني أو القيام بخطوات تنظم الاحتكاك العميق بين المجموعات السكانية، سوف تلقي تحدياً كبيراً على قيادة المنطقة الوسطى.

هناك عدم وضوح فيما يتعلق بالهدف بعيد المدى لدولة إسرائيل إزاء الساحة الفلسطينية، في حين أن مشروع الاستيطان وتوسيعه يمنع أي إمكانية للتوصل إلى اتفاق مستقبلي ومثبت لحقائق على الأرض. إن قيادة المنطقة الوسطى بقيت مسؤولة عن إدارة المعركة دون هدف سياسي واضح، على خلفية زيادة الاحتكاك بين المجموعات السكانية، وكذلك أيضاً تقوية عناصر تعمل على تسريع التصعيد.

اليوم وبنظرة طويلة المدى، فإن توسيع مشروع الاستيطان بشكل عام وتسوية البؤر الاستيطانية غير القانونية بشكل خاص يثيران انتقادات دولية شديدة وواسعة بسبب النظر لها كنشاط أحادي الجانب ليس لديه شرعية بكونه يعارض القانون الدولي، وتؤدي إلى توتر مع الإدارة الأمريكية. هكذا فإن استمرار توسيع الاستيطان سيقود إلى سيادة النقد على إسرائيل ونزع الشرعية عن استمرار السيطرة العسكرية على “يهودا والسامرة”.

الإصلاح القضائي 

“الإصلاح القضائي” الموجود على طاولة الحكومة والذي هو الآن في حالة تعليق حتى كتابة هذا المقال، مخصص لإعادة تشكيل العلاقات بين السلطات الثلاث في الدولة، مع زيادة قوة السلطة التنفيذية وتقليل قوة السلطة القضائية. إن المضي بالإصلاح ربما يضعف الشرعية الإسرائيلية في العمل في “يهودا والسامرة”. وهذه ترتكز اليوم على منظومة القضاء الإسرائيلية وعلى استقلالها ومكانتها في العالم. وهو سيناريو بموجبه يفقد جهاز القضاء استقلاله وإضعاف صورته في العالم كمنظومة قضائية مستقلة، من شأنها القضاء على الشرعية الدولية لإسرائيل في مواصلة الحفاظ على الوضع الراهن السياسي -الجغرافي في “يهودا والسامرة”.

منظومة القضاء والقانون الإسرائيلي توفر دعماً قانونياً لدعم نشاطات الجيش الإسرائيلي في “يهودا والسامرة”، وبالمقابل تشكل عاملاً مهماً لكبح القوة في الحفاظ على الاستقرار في المنطقة مع تجنب التدخل في مواضيع سياسية، مثال على كبح قوة الجيش الإسرائيلي: التماس عدالة للمحكمة العليا ضد وزير الدفاع. المحكمة العليا أمرت في سنة 2005 إلغاء التعديل رقم 7 من قانون الأضرار المدنية (مسؤولية الدولة)، والذي ينفي الحق في التعويضات بسبب أضرار وقعت على أيدي قوات الأمن. حسب المحكمة العليا، فإن هذا الأمر يمس بصورة غير متناسبة بحقوق الإنسان للفلسطينيين، نظراً لأنه يستبعد “المسؤولية عن الضرر الناجم عن أي ضرر تسببت به قوات الأمن في منطقة النزاع، حتى بالنسبة للأعمال التي ارتكبت ليس على أيدي عمل حربي قامت به قوات الأمن”. وثمة مثال آخر على كبح القوة في “يهودا والسامرة”، وهو مطالبة المحكمة العليا بإخلاء جزء من المستوطنات التي بنيت على أراض فلسطينية، وحتى إلغاء قانون التسوية لسنة 2020 في أعقاب مس غير متناسب بالحق في المساواة والملكية للفلسطينيين في “يهودا والسامرة” خلافاً لميثاق جنيف. إن مجرد قدرة الفلسطينيين على إسماع صوتهم في المحكمة، يشكل مقاربة حذرة لرؤساء الجهاز الأمني بخصوص ضرر غير ضروري وغير متناسب بحقوق الفلسطينيين. وإمكانية التوجه للمحكمة يشكل بالنسبة للفلسطينيين قناة بديلة للتعبير عن إحباطهم وطرح ادعاءاتهم، التي يمكن رؤيتها كعامل كابح للعنف.

تمير هايمن وعيدن كدوري

معهد بحوث الأمن القومي 13/6/2023

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية