«وسام» ضحية أخرى على رقبة «سونلغاز»
من يلعب لعبة «سحب الكتب» في البلدان المغاربية؟ اللعب الثقيل، دون طعم ولا ترفيه. سؤال يتبادر للأذهان بعد سحب كتاب «حضور في المكان، آراء ومواقف» للأنثروبولوجي المغربي «عبد الله حمودي» من معرض الكتاب الدولي في الرباط. في ردة فعل أولى للمؤلف صرح في موقع «لكم» عبر مقطع مصور بأنه «لا يعرف سبب سحب كتابه من المعرض، لكن المؤكد هو أن الكتاب لم يعد موجودا داخل رواق دار النشر، وبأن من سحبه هم موظفون تابعون لإدارة المعرض الذي ينظم بإشراف وزارة الثقافة». وأضاف موقع «لكم» عن مضمون الكتاب أنه «مجموعة منتقاة من مقالات وحوارات عبد الله حمودي عبر فيها عن مواقف وآراء حية لا التباس فيها». وفي الكتاب، الذي يقع في 300 صفحة والمنشور في دار «توبقال» لصاحبها «محمد بنيس» بيّن حمودي «آراءه ومواقفه» الجريئة حول ما «يعتمل داخل أوساط المجتمع المدني، وعن كل ما يتعلق بالشأن العام، سواء أكان مرتبطا باختيارات الدولة والأحزاب أو بالشخصيات المؤثرة في الرأي العام بالمواقف أم المشاركة في النقاش الوطني». والكتاب جاء عبارة عن سلسلة مقالات وحوارات عن «حركة «مقاطعون» المغربية، والعديد من المقالات عن القضية الفلسطينية، وحراك الريف، ووفاة الرئيس محمد مرسي داخل السجن، وفشل نموذج التنمية، ووضعية الصحافة في البلاد والاعتقال السياسي، وفشل الانتقال الديمقراطي، ونقاش لغات التدريس والتعدد اللغوي والثقافي في المغرب، وتقلبات الحياة السياسية الأمريكية».
وعلى إثر هذا التراجع عن الحريات الأكاديمية ومحاولة تدجين الفكر، تفاعل الكثيرون مع الموقف بالتنديد بهذا الفعل الذي وصفوه بـ «المشين» الذي يضرب حرية التعبير والحرية الأكاديمية في الصميم، وبالتضامن مع «حمودي» نقرأ على صفحة الحياة اليومية على فيسبوك عن «استنكار حقوقيين وكتاب وصحافيين مغاربة لسحب نسخ كتاب «حضور في المكان» لعالم الأنثروبولوجيا المغربي «عبد الله حمودي» والذي ساهم في إعداده ونشره كل من الحقوقي والمؤرخ «المعطي منجب» والناشط الحقوقي «عبد اللطيف الحماموشي».
وفي هذا السياق (يضيف المنشور) قال «عزيز غالي» رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في تدوينة له «كل التضامن مع الأستاذ «عبد الله الحمودي» لما تعرض له من منع في معرض الكتاب» متسائلا: ماذا فعل؟ وماذا يفعل المثقفون المغاربة إزاء هذا المنع؟ وبينما قال الصحافي «محمد الطوبي»، في تدوينة نشرها على صفحته الخاصة في موقع فيسبوك، كما جاء على صفحة «اليسار المغربي» ونقلا عن «عبد الرحمن غندور إن «سحب كتاب «عبد الله حمودي» من المعرض الدولي للكتاب جريمة مكتملة الأركان، مضيفا أن «أكبر قامة فكرية في المغرب بدون منازع يتم التعامل معه بهذه الطريقة»، مردفا القول «أجزم أن «حمودي» أكبر من وزارة الثقافة ووزيرها بل ومن الحكومة مجتمعة».
وبعنوان «استغراب وألم وغضب» يستغرب صاحب المنشور من أنه في «زمن التغني بالديمقراطية وحقوق الإنسان بما فيها حرية التعبير والنشر، يكشف غول الاستبداد عن أنيابه ويسحب من أكبر معرض للكتاب في المغرب كتاب الدكتور حمودي «حضور في المكان»، بدون أي حكم قضائي أو قرار إداري مكتوب يبين الجهة التي أصدرت القرار، مما يكشف أن الاستبداد قاعدة والحرية استثناء». ويضيف «الغندور متألما عن حال المغرب. فبينما يعتقد «في كل مرحلة أن المغرب يسير في طريق الحداثة والتنوير والعقلنة رغم كل المعيقات، فاكتشف أن طريق التجهيل يتعبد في وجه الأجيال أكثر فأكثر، عنوانه إشاعة ثقافة طوطو، ومنع كتاب «الحمودي» أحد أكبر الباحثين والأنثروبولوجيين المغاربة».
ويواصل «الغندور» امتعاضه من النخبة «غضبت للحالة الانبطاحية لأغلبية المثقفين المغاربة، كتابا وشعراء وباحثين وأكاديميين وجامعيين، وهم من باب الأعراف أكبر وأهم زوار معرض الكتاب، حيث انكبوا على توقيع كتبهم وإصداراتهم وحضور توقيعات زميلاتهم وزملائهم، والبروز أمام آلات التصوير والكاميرات، من دون أدنى حركة تضامنية أو موقف يندد بهذا الاعتداء على حرية التعبير والنشر».
ويبدو أن الأمر لا يتعلق بفكر «الحمودي» بالدرجة الأولى، بل بالأكاديمي والصحافي «المعطي منجب». وهذا ما يؤكده منشور «عفاف برناني» على صفحتها على فيسبوك «هذا التجاهل الذي تعرض له الأستاذ الحمودي من الدولة المغربية يعكس انعدام الاحترام للأكاديميين والمثقفين الذين يسعون لتقديم آرائهم وأفكارهم، وهذا الأمر يشاهد أيضا في الحالة الراهنة مع الأكاديمي والصحافي «المعطي منجب» الذي تتابعه السلطات المغربية منذ سنوات، حيث تم طرده من وظيفته كأستاذ جامعي خارج إطار القانون. منع هذا الكتاب وإلغاء حفل التوقيع يشكلان خطوة إضافية في سلسلة القيود المفروضة على حرية الصحافة والتعبير في المغرب ويعد حجبا للأصوات الفكرية». الحمودي لم يبدو مكترثا كثيرا، إزاء ما حدث، معبرا عن ذلك بـ «أرض الله واسعة» ومكانته العلمية والفكرية تسمح له بالنشر أينما أراد، لكن إلى متى يبقى الكاتب يواجه سدنة معابد القيم السياسية وتكميم الأفواه والأقلام؟
مياه الحنفيات القاتلة؟
هل تتحمل المياه المكهربة من الحنفيات وحدها مسؤولية وفاة الشابة «وسام إسغيد» بطلة الكاراتيه المتحصلة على الحزام الأسود، والمنخرطة في نادي شباب «بابا حسن» الرياضي في العاصمة. صفحات كثيرة ومواقع عدة نعت وفاتها بمزيد من الأسى، شابة في مقتبل العمر والمقبلة على امتحان شهادة البكالوريا، بعدما أنهت الامتحان التجريبي.
على صفحة «الاتحاد الوطني للمواطنة وحقوق الإنسان … بلدية الحجار» تتطرق الصفحة لسبب الوفاة «كهرباء من حنفيات المياه، هذه تفاصيل وفاة بطلة الكاراتيه «وسام» يروي بعض جيران «وسام» أن عطبا كان في العمارة منذ منتصف شهر رمضان الماضي، حيث كان السكان يتعرضون لصعقات كهربائية مصدرها حنفيات المياه، ورغم إيداعهم شكاوى عديدة على مستوى مكاتب «سونلغاز»، إلا أن السلطات المعنية لم تتحرك. يتحدث سكان العمارة، بحسرة عن ظروف وصفوها بـ «الإهمال واللامبالاة» التي تسببت في وفاة وسام إسغيد»، معتبرين أنهم توقفوا عن استخدام مياه الحنفيات خشية أن تتسبب في حادث آخر».
ضحية أخرى تضاف لضحايا «شركة كهرباء الجزائر – سونلغاز» بعد ضحايا انفجار«برج بوعريريج» الذي أودى بحياة خمسة أشخاص من أسرة واحدة، والتي على إثرها تم إيداع مدير مؤسسة «سونلغاز» وأربعة أعوان السجن، المؤقت، وقتها. وها هي ضحية أخرى، «وسام» التي غادرت الحياة وهي تستحم، بعد صعقة كهربائية، تحت ذهول وحزن جيرانها، ووري جثمانها الثرى في «بني ورثيلان» في مدينة سطيف. هذا ما يحدث وأكثر من ذلك، عندما تتعطل المسؤولية واليقظة لدى المؤسسات الرسمية، وعندما يتوقف القلب عن «الخفقان» والشعور وعندما لا يتحرك الضمير ولا توخزه شوكة التأنيب.
كاتبة من الجزائر