السودان: دارفور على سطح صفيح ساخن بعد مقتل حاكم ولاية

عمر الفاروق
حجم الخط
0

وصفت نقابة الأطباء السودانيين الأوضاع في مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور بـ «الكارثية» قبل أن تشير إلى أنها الأسوأ على الإطلاق، في وقت أعلنت حكومة الإقليم أن المعارك المحتدمة هناك أودت بحياة ما يزيد عن 1000 شخص.
وحذر ممثل الأمين العام للأمم المتحدة فولكر بيرتس، من استمرار تدهور الأوضاع في دارفور، مبديا قلقه بشكل خاص إزاء الوضع في الجنينة (غرب دارفور) في أعقاب موجات العنف المختلفة منذ أواخر نيسان/أبريل التي اتخذت أبعادا عرقية.
وأشار إلى نمط ناشئ من الهجمات واسعة النطاق التي تستهدف المدنيين على أساس هوياتهم العرقية، والتي يُزعم أنها ارتُكِبَت من قبل ميليشيات عربية وبعض الرجال المسلحين الذين يرتدون زي قوات الدعم السريع. هذه التقارير مقلقة للغاية، وإذا تم التحقق منها، فقد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
وأكد إدانة الأمم المتحدة بأشد العبارات جميع الهجمات التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية المدنية مهما كان شكلها وأيا كان مرتكبوها المزعومون. من الضروري أن تفيَ قوات الأمن والجهات المسلحة غير الحكومية بواجبها بموجب القانون الإنساني الدولي المتمثل باحترام الحق في الحياة والامتناع عن الهجمات ضد المدنيين.
وفي تطور خطير للصراع في إقليم دارفور، قتل منتصف ليل الأربعاء، والي ولاية غرب دارفور خميس عبد الله أبكر. فيما قالت حركته أنها لن تتهاون في القصاص من القتلة.
واتهم رئيس مجلس السيادة السوداني، القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، قوات الدعم السريع، باغتيال الوالي والتمثيل بجثته.
وقال إنها استهدفته وقامت بقتله بمدينة الجنينة، معتبرا ذلك تأكيدا على أن ما تقوم به قوات الدعم السريع من قتل وسلب ونهب وترويع المواطنين واستهداف المنشآت الخدمية والتنموية بمدينة الجنينة «يعكس مدى الفظائع التي تقوم بها هذه القوات المتمردة ضد الأبرياء العزل».
وقبل مقتله بساعات، اتهم أبكر في تصريحات، قوات الدعم السريع ومجموعات مسلحة موالية لها بارتكاب انتهاكات واسعة وجرائم إبادة جماعية في الجنينة، كما استنكر عدم تجاوب حاكم إقليم دارفور مني اركو مناوي لنداءات الاستغاثة وكذلك قيادة الجيش.
بعدها انتشر فيديو في مواقع التواصل الاجتماعي أظهر القيادي في قوات الدعم السريع عبد الرحمن جمعة، ضمن مجموعة تقتاد رجلا معتقلا يرتدي خوذة واقية لم تظهر ملامحه، قالت وسائل إعلام محلية أنه الوالي خميس أبكر.
وعلى نحو مروع، انتشر فيديو آخر، أظهر عملية التمثيل بجثمان أبكر الذي كان مضرجا بالدماء ومصابا بطلقات في الرأس وأجزاء أخرى من جسده. وكانت مجموعة ترتدي زي الدعم السريع تحتفل بموته بينما كان ملقيا على الأرض. لم يظهر الفيديو وجوه تلك المجموعة.
أبكر يتزعم حركة التحالف السوداني، من الحركات الموقعة على اتفاق سلام جوبا مع الحكومة الانتقالية السودانية، في تشرين الأول/أكتوبر 2020.

معارك قبلية

من جهتها، نفت قوات الدعم السريع، صلتها بعملية تصفية والي ولاية غرب دارفور خميس أبكر متهمة متفلتين، باختطافه وقتله.
وقالت في بيان: إن الحادثة جاءت في إطار معارك قبلية تدار من قبل الاستخبارات العسكرية في الولاية، مشيرة إلى أن مجموعة متفلتة من إحدى المكونات القبلية داهمت مقر إقامته، وأن الوالي طلب الحماية من قوات الدعم السريع، التي تحركت على الفور وقامت بتخليصه من قبضتهم وإحضاره لمقر حكومي.
وأشارت إلى أنها على الرغم من محاولات حماية الوالي إلا أن المتفلتين داهموا المكان بأعداد كبيرة ودارت اشتباكات مع القوة الموجودة في المقر ما أدى لخروج الأوضاع عن السيطرة، واختطاف الوالي واغتياله بدم بارد في مشهد لا يمت للإنسانية بصلة.
وأدانت ما وصفته بالتطور الخطير في الصراع بين المكونات القبلية بغرب دارفور؛ متهمة قادة الجيش والنظام السابق بالتورط في إشعال الحرب القبلية في الولاية وتغذية القتال بتسليح القبائل ما أدى إلى اشتداد فتيل الأزمة على نحو متسارع. وفي بيان حول تطورات الأوضاع في ولاية غرب دارفور، أدانت الجبهة المدنية لإيقاف الحرب واستعادة الديمقراطية بشدة التطورات الأخيرة في الإقليم والتي أدت لانتهاكات وفظائع ضد المدنيين في الجنينة وزالنجي وكتم ومناطق أخرى، محذرة من خطورة جر البلاد نحو حرب إثنية وعرقية.
واستنكرت بشدة قيام قوات الدعم السريع باعتقال والي غرب دارفور، محملة إياها كامل مسؤولية اغتياله.
وطالبت بالتحقيق في هذه القضية وإلقاء القبض على مرتكبي هذه الجريمة الموثقة والتعامل معهم وفق القانون وكافة جرائم الحرب والانتهاكات التي حدثت بمدينة الجنينة بواسطة طرفي النزاع.
وشددت على ضرورة إنهاء الحرب كضامن لعدم الانزلاق إلى حروب إبادة جماعية، واستكمال مهام الوساطة السعودية الأمريكية حتى التوصل لاتفاق دائم لوقف إطلاق النار، وتيسير حوار سوداني جامع لاستعادة مسار الانتقال، والتأسيس لعقد اجتماعي وسياسي جديدين.

عمليات القتل في دارفور

إلى ذلك، نددت حركة العدل والمساواة بالتصفية الوحشية للوالي، مستنكرة عمليات القتل الواسعة في دارفور ونهب ممتلكات المدنيين العزل وتشريدهم على أساس الهوية والعرق وحرق القرى وتدمير المستشفيات والمؤسسات الخدمية خلال الأيام الماضية.
وأكدت الحركة أن ما يجري في الجنينة كارثة حقيقية وَإبادة شاملة طالت المدنيين، لافتة إلى أن اغتيال الوالي وما يجري من عمليات قتل ممنهجة ضد المدنيين ستقود الولاية والإقليم بأكمله لوجهة لا تحمد عقباها.
وفي ظل الأوضاع المتفاقمة في إقليم دارفور قالت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان «يونيتامس» أنها تشعر بالصدمة العميقة إزاء مقتل والي غرب دارفور في الجنينة، معبرة عن إدانتها بشدة لهذا العمل الشنيع.
وأشارت إلى أن إفادات شهود عيان مقنعة نسبت هذا الفعل إلى الميليشيات العربية وقوات الدعم السريع، على الرغم من أن قوات الدعم السريع أبلغت البعثة بنفي تورطها في ذلك. ودعت بعثة الأمم المتحدة في السودان إلى تقديم الجناة بسرعة إلى العدالة وإلى عدم توسع دائرة العنف في المنطقة بشكل أكبر وعدم الانزلاق إلى دوامة خطاب الكراهية والاستقطاب العرقي.
وقالت إن فقدان أبكر، وهو محاور رئيسي في المنطقة وأحد الموقعين على اتفاق جوبا للسلام، أمر مؤسف للغاية بالنسبة ليونيتامس. فيما شجبت بشدة استمرار التصعيد العسكري والقتال في دارفور وحثت على الوقف الفوري لجميع العمليات العسكرية من أجل تهدئة الوضع، والتصدي للعنف العرقي المتزايد، والسماح بالحصول على المعونة الإنسانية، ومنع المزيد من التدهور الذي قد يؤدي إلى صراع واسع النطاق.
كذلك، أعربت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن جزعها إزاء مقتل والي غرب دارفور، بعد ساعات من اعتقاله من قبل قوات الدعم السريع في الجنينة عاصمة الولاية.
وحسب المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان جيريمي لورانس فإن الصراع في غرب دارفور يتخذ بعدا عرقيا، مشيرا إلى أن اغتيال الوالي جاء بعد ساعات من انتقاده لقوات الدعم السريع في حوار تلفزيوني حول الهجمات المستمرة للدعم السريع ومجموعات متحالفة معها على مدينة الجنينة.
وأكد لورانس على ضرورة محاسبة جميع المسؤولين عن مقتل الوالي، والذين يتحملون مسؤولية القيادة، مشيرا إلى أنه إلى جانب مسؤولية الجناة المباشرين، كان أبكر معتقلا لدى قوات الدعم السريع وكانت مسؤوليتهم تحتم إبقاءه آمنا.
وأشار إلى أنها الحادثة الثانية لقتل تستهدف شخصية بارزة في الجنينة في غضون أيام، بعد مقتل الزعيم العشائري طارق عبد الرحمن بحر الدين.
وفي السياق أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن قلقه البالغ بشأن تصاعد خطاب الكراهية في غرب دارفور، الذي قد يغذي التوترات ويفاقمها. داعيا إلى تحقيق العدالة والمساءلة عن أعمال القتل خارج نطاق القضاء وجميع الانتهاكات الأخرى التي حدثت أثناء الصراع الجاري.
وناشد الأطراف المتقاتلة بالوقف الفوري لإطلاق النار في الجنينة وجميع أنحاء السودان وإقامة ممر إنساني فورا بين تشاد والجنينة، وممر آمن للمدنيين كي يغادروا مناطق الصراع. محذرا من أن الجنينة تتعرض لهجمات واسعة النطاق ومتكررة من قوات الدعم السريع والمقاتلين المتحالفين معها منذ الرابع والعشرين من نيسان/أبريل، مشيرا إلى أنهم يمنعون حركة الناس والبضائع والمساعدات الإنسانية ويدمرون البنية الأساسية، وأن كل ذلك يحدث في ظل قطع الاتصالات منذ التاسع عشر من أيار/مايو الماضي.
وحسب المتحدث باسم أصحاب المصلحة في مباحثات جوبا الصادق محمد مختار، فإن مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، تشهد المعارك الأعنف في الإقليم على الإطلاق.
وقال لـ«القدس العربي» إن ما يحدث في الجنينة هو عمليات تطهير عرقي تقوم به مجموعات مختلفة وأعمال نهب واسعة للمؤسسات والمنظمات والأسواق وأنها أصبحت منطقة منكوبة ومحاصرة، حيث تنشط جماعات النهب المسلح في مساحات واسعة حول ولاية غرب دارفور.
وأشار إلى توقف المستشفيات ونهب وحرق مخازن الأدوية في ظل الحاجة الماسة للإسعاف العاجل لآلاف الجرحى، فضلا عن مئات الجثث التي يصعب جمعها ومواراتها بسبب عدم وجود ممرات آمنة.
وأضاف: خدمات الكهرباء والمياه معطلة في أنحاء كبيرة من الولاية، كما أن شبكات الاتصال مقطوعة بشكل كامل.
وأشار إلى أن معظم العالقين في مدينة الجنينة لا يستطيعون الخروج من منازلهم في ظل ندرة وصعوبة الحصول على الغذاء.
وتواجه كذلك مدينة كتم، الواقعة شمال الإقليم حسب الصادق أوضاعا إنسانية بالغة التعقيد وتم إعلانها كمنطقة منكوبة ومحاصرة من قبل عصابات النهب المسلح. ما يجعل نقل الجرحى صعبا للغاية. وتواجه المدينة هجمات متواصلة وأعمال نهب للمنازل والأسواق ومعسكرات النازحين.
وفي ظل اتساع المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع، والنزاعات ذات الطابع العرقي، يواجه المواطنون في مدينة زالنجي عاصمة ولاية وسط دارفور، نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، توقف المستشفيات وانقطاع خدمات المياه والكهرباء والاتصالات، وذلك بعد معارك دامية شهدتها المنطقة مطلع الشهر الجاري واستمرار أعمال النهب المسلح داخل المناطق السكنية، بينما توقفت المساعدات الإنسانية بشكل كامل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية