التعبير بالتجريد في أعمال اللبنانية عبير عربيد

تعتبر القوة التعبيرية أحد المقومات الفنية التي تتأسس عليها أعمال الفنانة التشكيلية عبير عربيد، فهي تتحكم بشكل إبداعي رائق في كل عمليات التدبير الفضائي، وتنسج أعمالها بناء على التعبير العميق المنصهر في التجريد في كل تجلياته الفنية والدلالية. إنه سياق فني تُدبره المبدعة بمقومات فنية وجمالية بسمات تشكيلية مختلفة، تثبتها في شكل وحدات بنائية لتأثيث الفضاء، فعملية البناء لديها تقوم على مجموعة من الأشكال المباشرة التي تنتج دلالات ومعاني، وهي تُوفر لذلك جملة من المواد والعناصر الفنية، وفق رؤاها الفنية وتصوراتها التجريدية التي تسمو بالمادة البصرية إلى مسلك متجدد، تروم من خلاله التعبير باللون والشكل، عن طريق إنشاء طلاءات لونية، ومسح فني على الملمس التشكيلي في خامات كبيرة ومتوسطة، لتُبرز مختلف الأشكال والعلامات المثبتة بتقنيات عالية، فتروم التوليف والانسجام بين كل المفردات الفنية والأشكال والمواد.

إنه تطبيق عملي وفق تخيلات المبدعة، التي تجعل من عمليات التوظيف أشكالا جمالية تتيح للبناء البصري صياغة تصورات تتفاعل مع مقومات العمل التجريدي، وتستنطق مضمراته الإبداعية، بأسلوب راق يختزل قيما جمالية بأبعاد لها دلالاتها الفنية وأبعادها المضامينية. إنها بذلك تنجز فنا مرئيا تستشفه الرؤية البصرية بصيغ حسية من الأشكال التعبيرية المستخدمة في العملية الإنتاجية. فالمبدعة بتوظيفها لمختلف الأشكال والألوان والعلامات والرموز، تشغل حيزا من الفراغ وتُجْهز فنيا على المساحة بقيمة زمنية تؤكدها حركية العناصر المتنوعة المكونة لأعمالها التشكيلية والمتناغمة في ما بينها، وأيضا يُؤكدها ارتباط المفردات الفنية الموظفة جماليا بالسياق العام لمنجزها التجريدي؛ وهذا له دلالاته الفنية والجمالية والتعبيرية المرتبطة بالحاضر والمستقبل، في سياق توليفي يمتزج فيه التعبير الرؤيوي التصوري، والتعبير الحسي في المجال السيميائي المعتمد على الرؤية البصرية، وبالمضامين المتنوعة التي تتستر في عمق المادة التجريدية، لتصنع مجالا تعبيريا رمزيا علاماتيا أيقونيا دلاليا، بصيغ تجريدية وأشكال فنية مترامية الأبعاد، بمهارات فنية وأداء عالي الجودة، قوامه التشكيل المعتمد على التبسيط، والتقنيات العالية، لتروم هدفا مسبقا يجعل المادة التشكيلية التي تشتغل عليها قابلة لتعدد التأويلات والقراءات، ما يجعلها تنطق بقيم فلسفية وجمالية.. فضلا عن تعدد الاحتمالات والتأويلات التي تصنعها الألوان الخفيفة والأشكال المركبة من خطوط وألوان، بمعية مختلف العناصر المكونة لأعمالها. كما أن اللجوء إلى التسلسلات الشكلية يجعل الفنانة عبير عربيد تدخل في سياق الحركة التجريدية التعبيرية، التي تهيئ لها المجال لتبسط مختلف التعابير التي تعكس تصوراتها المتنوعة، وأفكارها المتعددة، حين تجسدها بتشكيلات دقيقة تروم مجموعة من القيم الفنية والجمالية في نطاق أسلوب تجريدي تتنوع فيه المواد والألوان والأشكال، وأيضا في إطار تجربة تضطلع بتقاطعات مليئة بمجموعة من المكونات التي تتقصد المادة التشكيلية في عمقها الفني والدلالي. إنه تأطير فني وجمالي وتعبيري مستبطن في كنف العملية الإبداعية باعتماد السمات الجمالية في العمل الفني، واعتماد التعبير العميق وفق منهج شكلي بصري، ووفق مادة تجريدية تتكون من مجموعة من المفردات والعناصر التشكيلية الصرفة، التي تؤلف بين الاستخدامات التحوّلية، وبين أشكال التعبير التي تحملها ريشة عربيد. لذلك فهي تسعى من وراء كل ذلك إلى إنجاز مجال تشكيلي ممتلئ بالمعاني، وبعوالم رمزية ودلالية مبنية على معاني تجريدية وعلى أسّ ثقافي.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية