ليس الخيط مجرد وسيط مادي يربط أقمشة ببعضها، بل هو سجلّ زمني يحمل طبقات من الذاكرة والهوية. في كلّ غرزة تنزلق فيها الإبرة، يُعاد تشكيل عالم من الدلالات، لتاريخ مدفون، وطقوس يومية، وصوت أنثويّ حائر بين الظهور والاختفاء. لذلك يصبح النسيج في صيغته الشعبية كالتطريز، وفي صيغته الحداثية كالأعمال النسيجية المعاصرة، تقنية معرفية ومنهجاً بصرياً يثير أسئلة حول العلاقة بين اليد والعين، وبين الحرفة والفكر. فما هي نقاط التلاقي والاختلاف بين التطريز العربي ونتاج النسيج الألماني، من الباوهاوس إلى ما بعد الحداثة؟ وهل يمكن النظر إلى الخيط كعنصر جماليّ وكمفهوم ثقافيّ؟ وكيف يصبح تطريز المرأة العربية مرآة لهواجس اجتماعية وسياسية، وفي الوقت نفسه كيف تحوّلت التجارب الألمانية إلى مختبرات للتجريد والبناء البصري؟
التطريز الشعبي العربي ليس مجرد زخرفة؛ إنه لغةٌ رمزيةٌ متكاملة. في التركيبات القروية الفلسطينية، على سبيل المثال، تُخزَّن عناصر الزيّ المحلي كـ»قاموسٍ بصريٍّ»: مثلثاتٌ تشير إلى المرأة، وخطوطٌ عمودية تحيل إلى الاستمرارية والنسق الاجتماعي، وزخارف نباتية تحفظ تأويلات الخصب والخصوبة. هذا «القاموس» لا يعمل على مستوى الشكل فحسب، بل ينسج سرداً جماعياً يتقاطع مع الطقوس والمناسبات، ويحوّل الملابس إلى وثائق تاريخية قابلةٍ للقراءة.
ما لفت انتباهي لهذا الموضوع هو معرض «متحف نابو» في شمال لبنان، ما جعلني أتساءل عن النسيج والتطريز والفن، هو وجود نوعٍ من «التجريد الشعبي»؛ أي أنّ تطوّر الأنماط وتكرارها الهندسي يكوِّن بنيةً بصريةً بعيدة عن التمثيل الحرفي، تقارب في بعض جوانبها ما سعى إليه الفنانون التجريديون في أوروبا. الفرق المنهجي أنّ التجريد الشعبي نشأ من فعلٍ يوميٍّ وعمليٍّ، أي من الحاجة إلى تعريف الهوية وتخزين الرموز المحلية، بينما التجريد الغربي غالباً ما نشأ من تأمّلٍ نظريٍّ في شكلٍ ولونٍ وخطٍّ، إضافةً إلى ذلك، يرتبط التطريز بديناميكيات جنسٍ وطبقة؛ فالمرأة كانت صانعةَ الذاكرة، والكادرَ الحميمي لانتقال المعرفة. هذه اليد الأنثوية التي تُطوّع الخيط واللون كانت تكتب، دون كلمة، سردَ مجتمعها، عن الولادة، والحب، والعمل، والمقاومة. هنا لا يمكن فصل الجماليّ عن السياسيّ، فالتطريز يصبح فعلَ مقاومةٍ في سياقات العنف والاحتلال والتهجير.

في الباوهاوس، تمّ نقل النسيج من حقل «العمل النسائيّ التقليديّ» إلى مختبرٍ للتجريب البصري والمادي. غونتا شتولتس وآني ألبرز وغيرهما، استعملتا المنسوجات كوسيلةٍ لامتحان العلاقات بين المادة والصياغة، وبين الحرير والخشونة، وبين الكثافة والشفافية. الورشة النسيجية لم تكن مكاناً لإعادة إنتاج زينةٍ منزلية، بل فضاءً للتفكير في البنية، وفي إمكانات المادة نفسها. ما يميّز مقاربة الباوهاوس هو إدماج النصيب الحرفي في مشروع الحداثة الصناعية، تحويل الخيط إلى أداةِ تصميمٍ وظيفيٍّ وجماليٍّ معاً. في هذا الإطار، نجد تقارباً مع التجريد العربي الشعبي، من حيث السعي إلى نظامٍ بصريٍّ منظَّم؛ إلّا أنّ الدوافع كانت مختلفة. في الباوهاوس كانت الرغبة في بناء لغةٍ بصريةٍ جديدةٍ قادرةٍ على التكيّف مع الصناعة والعمارة، بينما في الشرق العربي الشعبي كانت الوظيفة الرمزية والاحتفاء بالهوية المحلية أهمّ الدوافع. كما أنّ أعمال النسّاجة والفنانة الألمانية آني ألبرز، على سبيل المثال، تكشف اهتماماً بخصائص المادة أثناء فعل الاستدراج البصري، والتباين بين الامتلاء والفراغ، والألعاب اللونية، وإمكانية النسيج أن يشتغل كلوحةٍ وليست مجرد سطح. وحين نضع هذا في مواجهة تطريزٍ فلسطينيٍّ تقليديٍّ، نرى فوارق في النية، لكنها تتلاقى في النتائج، أي كلاهما ينتج شكلا لا يقتصر على السطح، بل يتحوّل إلى «حقلٍ بصريٍّ».
أكثر ما يثير في مقارنة النسيج العربي والألماني، هو إمكانية خلق حوارٍ صامتٍ بين نظامين مختلفين في المنبع والوظيفة. في التطريز الشعبي، يتكثّف تاريخٌ محليٌّ في اللون والخط، بينما في أعمال النسيج الألمانية يتجلّى البحث عن بنيةٍ عقليةٍ ونظامية. ومع ذلك، تتقاطع المخارج التشكيلية، التكرار، الإيقاع، والتباين. والتلاقي ليس تشابهاً سطحياً، بل إمكانية قراءةٍ متبادلة؛ فعندما نواجه قطعةً مطرّزةً بقصة قريةٍ فلسطينية، يمكن للعين الأوروبية أن تقرأ فيها بنى هندسية، وفي المقابل يستطيع المتابع العربي، أن يتعرّف في عملٍ ألمانيٍّ حديثٍ على صيغٍ من التجريد، تأخذ صيغاً «محايدة» تقبل تأويلاتٍ ثقافيةً متعددة. هذا التشابك يؤكد أنّ الأشكال البصرية تتخطى حدود الثقافة إن وُجّهت بنيةٌ تأويليةٌ حساسة.
مع الصعود الحالي للفنون المختلطة، عادت اليد والمادة إلى مركز الخطاب الفني. في العالم العربي، نرى فنّاناتٍ يعادلن التراث مع التجريب، يقمن بتفكيك أشكال التطريز، وإعادة تركيبها، وربطها بنصوصٍ وممارساتٍ معاصرةٍ متعلّقةٍ بالهوية والجندر والتراث. أمثلةٌ معاصرة تُظهر كيف يمكن للتقنية التقليدية أن تُستخدَم في سردٍ سياسيٍّ وشخصيٍّ. في ألمانيا، وأصل الفنانون تجربة النسيج كمنحوتاتٍ مرنةٍ أو كساحاتٍ زمنيةٍ تُعالج مفهوم الخسارة وإعادة البناء بعد الصدمات التاريخية. في الحالتين، تتحوّل المادة من كونها دلالةً مغلقةً إلى مجالٍ لطرح الأسئلة. كيف نقرأ الذاكرة؟ كيف نعيد تشكيل الجسد الاجتماعي؟ وكيف يمكن للخيط أن يتحوّل إلى أداةٍ خطابيةٍ في الفن المفاهيمي؟
إحدى الملامح الفلسفية للنسيج هي إيقاع الزمن فيه، غرزةٌ وراء غرزة، عملٌ بطيء يقاوم منطق السرعة في الثقافة المعاصرة. هذا البطء ليس ترفاً، بل شكلٌ من أشكال المقاومة، مقاومة الاستهلاك، ومقاومة النسيان. وعليه يصبح التطريز طقساً ذا بعدٍ روحيٍّ، قريباً من الفعل التأملي. في هذا الإطار تتجاذب تجارب من جنسٍ واحدٍ وهي التطريز الشعبي، كتثبيتٍ للذاكرة المجتمعية، والنسيج المعاصر كتأمّلٍ في المادة والوجود. عندما يقول بول كلي إنّ الفن لا يصوّر ما نراه، بل يجعلنا نرى، فإنّ الخيط يفعل الشيءَ ذاته، ويعيد تشكيل إدراكنا للعالم عبر تكرارٍ متأنٍّ.
لا يمكن فصل تاريخ النسيج عن تاريخ الجنس، في الثقافات العربية، كان التطريز مجالًا نسائياً مقتصراً في معظمه على مساحاتٍ منزليةٍ وعائلية، لكن تقديم هذه الممارسة على أنها «هواية» أو «زينة» يمحو الدلالات السياسية والاجتماعية العميقة التي تحملها. التطريز كان وسيلةً للاحتفاظ باللغة الرمزية للمرأة، وساحةً لصياغة الذاكرة ونقلها. وفي الباوهاوس، على الرغم من الخطاب الرسمي عن المساواة، توزّعت الأدوار جنسياً، فوجدت النساء في ورش النسيج حيزاً إبداعياً مهماً، لكنه قُوِّض باستمرار من هيمنة المشروعات الذكورية الكبرى. تحوّل هذا الحيز بفضل الإبداع النسائي إلى منصةٍ لإعادة كتابة قواعد الفن، ما يجعل النسيج فعلًا استراتيجياً في تموضع المرأة داخل السرد الفني. أدّى قبول النسيج والتطريز داخل فضاءات العرض الكبرى، إلى إعادة تقييم دور المادة في الفن. إدراج الأعمال النسيجية في متاحف برلين، أو متاحف منطقة الشرق الأوسط، لم يعد مجرّد تصنيفٍ موسوعيٍّ، بل أصبح إقراراً بأهمّية لغةٍ شكليةٍ كانت مهمّشة. هذا التحوّل يحمل تبعاتٍ نقدية؛ بمعنى: كيف تقرأ المتاحف أعمالًا كانت جزءاً من الممارسات الحياتية اليومية؟ كيف يُعاد تأطيرها، مت دون أن تُمحى أصولها الثقافية؟

إحدى تحديات هذا النقل هي تجريد العمل من شبكاته الاجتماعية الأصلية. تحوّل قطعةٍ مطرّزةٍ من ثوبٍ نسائيٍّ إلى لوحةٍ معلّقةٍ في متحف يغيّر من آفاق قراءتها، لكن في المقابل، تفتح المؤسسة المعاصرة آفاقاً للتداول العالمي وإمكانية إعادة تفسير المادة في سياقاتٍ جديدة. فهل يمكن مقارنة التجريد الشعبي مقابل التجريد المنهجي؟ من زاويةٍ تشكيلية، التجريد الشعبي والتجريد الألماني يشتركان في خصائصٍ جوهريةٍ هي السياسة التكرارية، والعنصر الهندسي، والاهتمام بالإيقاع. الاختلاف الرئيسي يكمن في الأصل والوظيفة؛ فالتجريد الشعبي تولّد من ممارسةٍ حياتيةٍ، ويحمل معه رصيداً دلالياً ثرياً، بينما التجريد الألماني غالباً ما نشأ من مشروعٍ تصميميٍّ أو فلسفيٍّ يسعى إلى إعادة بناء لغةٍ بصريةٍ عامة.
لكن أن نقف عند هذا الفارق وحده سيحرمنا من فهم أنّ هناك تبادلًا ممكناً؛ فالفنان المعاصر يستطيع أن يستقي من التطريز الشعبي أشكاله ودلالاته ويحوّلها إلى خطابٍ نقديٍّ، كما أنّ التجارب الأوروبية، يمكن أن تُقرأ عبر منظار الرمزية الشرقية لتفتح معاني جديدة. إنّ الخيط يقودنا إلى إعادة التفكير في معنى المادة في الفن، وفي علاقة اليد بالذاكرة. سواء في خياطة المرأة القروية، أو في نسيج الفنانة المعاصرة، نكتشف سعياً مشتركاً لصوغ العالم عبر فعلٍ بطيء، متكرّر، متأمّل. قد نسمي هذا التقاطع «فلسفة الألياف»، نظريةً تشدّد على أنّ الجمال ناتجٌ عن الصبر والمواظبة، وأنّ المعنى لا يكمن فقط في الصورة النهائية، بل في عملية الصنع نفسها. الخيط هنا ليس وسيلةً فقط، بل نصٌّ يُقرأ ويتردّد عبر الزمن.
إن ما يفصل التطريز والنسيج بين شرقٍ وغربٍ؛ هو مشتركٌ إنسانيٌّ، والحاجة إلى أن نترك أثراً بيدينا. وبينما تتباين روافد هذه الممارسة، تبقى الغايات قريبةً من تنظيم العالم، وحفظ الذاكرة، وتجسيد الحضور الإنساني على سطح المادة.

كاتبة لبنانية