معرض لألعاب الزمن الأول: تلك الحرب التي لا تؤذي أحداً!

حجم الخط
1

ذاك المسطّح الصغير الذي يتوسطّ مقدمته دولاب معدني (رولمان) الذي كان ينزلق به راكبه من أعلى «طلعة الملا» إلى أسفلها، لا أذكر إن كان له اسم، كنا نسمّيه العرباية مثلا، ناسخين ذلك عن العربات الكاملة الصنعة، تلك التي يستعملها الكبار. كان يحلو لمن يملك واحدة من تلك الألعاب أن يقول، إنه صنعها بكاملها، لوحده، مجمّعا الخشبات والمسامير من الطريق، والرولمان من بقايا آلة تخرّبت. هي آلة مصنوعة من البقايا والمخلّفات، وهي تكنّي عن آلة حقيقية مثل عربة جرّ الأطفال والبسكلات، والسيّارة إن شاءت المخيّلة أن توسع من مبالغاتها.

لا أذكر أنني انزلقت بواحدة، ولا استعرتها من أحد. ربما ذاك راجع إلى تردّدي وخوفي إذ كان انحدار نزلة الملّأ قويا وقد أفقد السيطرةعلى المقود المركوز في الأمام، فوق الرولمان. لا بدّ أن أحدهم كان قابلا بإعارتها لي، فالولد يحبّ عادة أن يشارك من يتفرّجون على ما عنده. لم أجرؤ.. لكن مع ذلك، جذبني في معرض صفير زملر، هيكلها الصغير الموضوع على الأرض، دون شكل أو لون يجذب. بدت كأنها لا شيء بين الأغراض حولها، وعلى الخصوص تلك اللوحات التي تعلوها مجسّمة كل واحدة منها لونا فاقعا لحبّة بوظة «ستيك» كما كنا نقول، ناطقين، في زمن طفولتنا ذاك، كلمة إنكليزية دون أن نعلم. الأرجح أن ألوان حبّات البوظة، واحدة في كل لوحة، هي ما يجذب العابرين في ذاك الشارع القريب من المرفأ، الذي تجاوره معارض طليعية عدة. ليس اللون فقط، بل المادة التي منها صنعت اللوحات، المزيج الهجين من الألمنيوم والإسمنت.
هو معرض لتذكّر كل شيء من صنع الأولاد، ذلك العالم الذي كان دون تكلفة. أولئك الساكنون في المنطقة أسفل ذاك الحيّ، حيث الساكنون الأكثر ثراء، كانت تؤتى لهم الألعاب مكتملة الصناعة ومغلّفة بعلب. بعضها يبقى داخل البيوت، وبعضها الآخر (البسكلاتات) يُحمل، برفقة الأهل، إلى جنينة الصنائع القريبة. هذا ما لن تجده في المعرض الذي عنوانه «أحلام إيكاروس». المعروض هنا مقتصر على ألعاب الفقر، أو ألعاب الطريق، تلك التي لا يحتاج بعضها إلى أداة، مثل لعبة «السبع حجار» التي ترمى على ارتفاعها كرة أو حجرة للتباري في إصابتها وهدمها. أما لعبة «الشكّة» فهي الأكثر شبها بالحرب، حيث لا تحتاج ممارستها إلا لقطعة من الأرض تحاط بدائرة تعيّن حدودها. ثم يبدأ اللاعبون بشكّ السكين في أنحائها لتعيين الحدود التي كسبها كل من اللاعبين وتقاسم مساحة الدائرة (الأرض) والتسابق على حيازتها. لا أدري إن كنا أدركنا، ونحن بعد أطفال، مدى قرب ما نلعبه إلى ما تفعله دول العالم الكبيرة وهي تتقاسم مساحةَ الأرض.

لكن لا بدّ من الانتباه إلى أن حركات الأولاد، أثناء ما تشكّ السكّين تدل على تمثلهم، الجسماني على الأقل، مع المحاربين. اتذكّر هنا تلك الرمية المقلّدة لحركة جيمس كوبورن في فيلم «الأشقياء السبعة» حيث تمتزج الرشاقة بالنزعة العدوانية. هكذا كان يفعل الأولاد الأكثر تمرّسا بالزعرنة. يرمي واحدهم السكين ليس لتوسيع مساحة احتلاله، بل للزهو بنفسه وكفاءته في تحويل الرمية اللعبة إلى رمية مبارزة أو قتال. على أي حال هذا ما رحت أتخيّله بعد أن قرأت، في المنشور الذي يشرح عن محتويات المعرض، العلامات الدالة في سلوك الأولاد على ماذا سيكونون في قابل السنوات.
وعلى العموم، وكما في المنشور أيضا، يُستعان بالمفكّر الفرنسي رولان بارت للدلالة على صلة اللعب بالحرب. وتلك الصلة قائمة في ممارسة اللعب وفي ما يسعى اللاعبون للوصول إليه، هناك حيث المنتصر والمهزوم، أو القاتل والمقتول. في هذا الجانب الذي يأخذنا إليه التأويل، يتشوّش الحنين الذي يستدعيه المعرض ويتعكّر ماؤه، خصوصا أننا، فيما نحن ندخل لمشاهدة صفاء العالم في أيامه السابقة، يعود بنا ذاك التأويل إلى أن مسار الحرب يتأسّس هناك، من زمن تلك البراءة.
أتذكّر سؤال ابنتي لي، وهي آنذاك في التاسعة أو العاشرة، بماذا كنا نلعب ونحن صغار. ما خطر في بالي لعبة ترجع إلى زمن أسبق من زمن الألعاب المعروضة في المعرض، ألعاب أطفال لا ألعاب أولاد، أجبتها أننا كنا نربط علبة السردين الفارغة بخيط ونملأها رملا ونجرها لنفكّر أننا نجرّ شاحنة.
-هيك بس كنتو تلعبوا؟
-إيه، وكنا ننبسط
-يعني كنتو هبل؟

من 13 آذار/مارس الماضي حتى 27 تموز/يوليو المقبل يستمرّ معرض «أحلام إيكاروس» في «زملر صفير غاليري» لمروان رشماوي في استقبال زائريه في بيروت.

كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية