القاهرة ـ «القدس العربي»: أقيم مؤخراً في غاليري (أوبنتو) في القاهرة معرض استعادي للفنان المصري صفوت عباس (1931 ــ 2014) تحت عنوان «تحية إلى صفوت عباس» الذي من خلاله نطالع لقطات من مسيرة الفنان الإبداعية، وإن كان معظمها ينتمي إلى فن البورتريه، ولكن في أسلوب وتقنيات مختلفة عن الشكل المعهود. حصل عباس على دبلوم كلية الفنون الجميلة تخصص حفر عا م 1959، وتدرج في العديد من المهام الوظيفية في عدة مؤسسات حكومية، كالهيئة المصرية العامة للكتاب، ودار المعارف.
سواء في لوحات البورتريه وهي الغالبة، أو اللوحات التي تأتي في شكل لقطة كاملة لجسد أو عدة أجساد وهي قليلة، من الصعب الفصل بين هذه الأجساد وتكوينات الطبيعة، أشجار وصخور وجداول أو محيطات، هناك علاقة وثيقة بين هذه الأشياء وتكوينات الجسد الأنثوي عند الفنان، وهو يحيل بصورة غير مباشرة إلى ما تتمتع به هذه الأجساد من حياة هادئة أحياناً، وصاخبة في معظم الوقت. يتضح ذلك في وضعية الجسد والجزء أو الأجزاء التي يضمها الكادر/اللوحة، وحتى يتنامى التماهي بين هذه الأجساد/الشخوص، يميل الفنان إلى مِسحة من تجريد الملامح، والإيحاء بوضعيات قد توحي بالإيروتيكية للوهلة الأولى، ولكنها بالتأمل تفصح عن أكثر من ذلك بكثير.
اللون والتكوين
وتستمد اللوحات ألوانها من الطبيعة أيضاً، مساحات لونية كبيرة، سواء اقتصرت على الجسد العاري، أو حتى أردية النساء وقبعاتهن.. أحمر، أزرق، نيلي، الأصفر والبني القريب من ألوان الجبال والصخور. كلها ألوان مُستمدة من الطبيعة، حتى إن هناك بعض اللوحات وكأنها نقوش أو رسومات قديمة داخل الكهوف، خطّها إنسان بدائي، هذا التناقض ما بين هذه الأجساد، ونساء أرستقراطيات، ينتفي من خلال التكوينات المتشابهة لهذه الأجساد، وكأنها رحلة حضارية لهذا الجسد، ولكنه رغم كل هذه المسيرة لم تستطع الطبيعة بصخبها وخصوبتها، أن تخبو أو تتوارى.
الأسلوب
وما يميز أسلوب الفنان صفوت عباس هو البساطة المتناهية، سواء في تكوين اللوحة، والعلاقة بين مقدمة اللوحة وعمقها، إضافة إلى تركيب لوني يبدو بسيطاً ومشابهاً للألوان الطبيعية ـ ألوان نقية في أغلبها ـ حتى المِسحة التجريدية لم تكن في صورتها القصوى التي تؤرق المتلقي، أو تبعده ولو قليلاً عن عالم اللوحة. ومن خلال هذه التقنيات، ورغم أن الفنان يعتمد الفن الغربي، ولم يغرق في ثيمات الفن الشرقي، إلا أنه حقق معادلة التوازن إلى حدٍ كبير، بين تقنيات وأسلوب هذا الفن، وعالم الشرق ـ الألوان الحارة والقريبة من الذاكرة البصرية المصرية ـ فلم يغرق في تجارب شرقية سيكون مصيرها التكرار إن فعل، أو غرق في الاستغراب تماماً، كما الكثير من الفنانين المصريين، وبالتالي فقد التواصل مع المتلقي المصري، فمفردات الفنان البصرية، حاولت التوازن تماماً بين أسلوب حداثي وبيئة حيّة ضاربة في القِدم.
