ضعف حصيلة الناقل في اللغة المنقول عنها: المُعاد المَكرور في مزالق الترجمة

 عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
1

وأُفضِّل على كلمة الترجمة كلمةَ النقل العربية التي فضّلها الجاحظ على كلمة الترجمة، التي يقال إن جذرها هيروغليفي، وردت في النصوص الفرعونية على شكل «تراكَومان». وتفضيل الكلمة العربية على الكلمة الإفرنجية أو المعرّبة مسألة ضرورية للناقل، يكون التقصير فيها إساءة للنص العربي في شكله المنقول، وإساءة إلى النص الأصلي كذلك.
وأسباب هذه المزالق في الترجمة بشكل عام هي ضعف حصيلة الناقل في اللغة المنقول عنها وفي لغة الناقل الأصلية. ولتكن الإشارات هنا حول النقل من اللغة الانكَليزية إلى اللغة العربية، وهي ملاحظات تجمّعت لديّ من ممارسة الترجمة/النقل بين اللغتين على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان، ونشر أكثر من أربعين كتابا من النقل بين اللغتين.
يجب أن لا يغيب عن البال أن اللغة تتطوّر وتتغير مع الزمن لأسباب عديدة منها الاختلاط بلغات أخرى، أو أن اللغة مثل أي كائن حي تحسّ بالحاجة إلى تجديد شبابها ومسايرة العصر. وبعض هذه التطورات من تجديد أو تبسيط يصعب علينا فهم المنطق أو السبب فيها. فمثلا الكلمة المألوفة مثل قلم كانت تعني في القرن السادس عشر في بريطانيا: ريشة، من ما يؤخذ عادة من جناحي طائر قوى كالنسر مثلا، تلتقط اللون لتضعه على اللوحة المرسومة، ثم تطوّر استعمالها لتأخذ الحبر للكتابة، كما نجد في كثير من الصور التي تعود إلى الأيام الخوالي. وصفة brave في لغة القرن السادس عشر في بريطانيا كان تفيد الجميل أو البهي، كما نجد في كلام ميراندا في مسرحية العاصفة لشكسبيرـ حيث تفلح السفينة في النجاة من الغرق ويخرج من فيها إلى اليابسة، تُعبِّر ميراندا عن بهجتها بالهتاف: «يا لهذا العالم الجديد البديع» وتستعمل كلمة brave وقد ترجمها أحدهم: النهار الجديد الشجاع. كيف لا يسأل الناقل نفسه هل هناك نهار شجاع ونهار جبان مثلا؟
وكلمة soil كانت في القرن السادس عشر وما قبله تعني المَنبِت وقد تطوّرت في الاستعمال لتفيد التربة، وهذا التطور يسهل فهمه. لكن كلمة modern كانت تعني: مُبتذَل، فكيف صارت تفيد حديث وهو معنى جميل ضد معناها القديم؟ وكلمة bail  كانت تعني يضم كما يضم المرء إنساناً عزيزاً إلى صدره. لكن الفعل تطور ليفيد: يكفل، كأن يكفل المرء إنساناً آخر في عملية تجارية أو للنجاة من حُكم محكمة أو ما إلى ذلك. وكلمة hue  كانت تفيد الهيئة أو الشكل، لكنها تطورت لتفيد: اللون. وكلمة argument   كانت تعني: موضوع، كما نجد عند ملتن ومعاصريه ولكنها تطورت لتفيد الجدل والمناقشة. أما كلمة fond التي كانت تفيد: مجنون تطورت لتفيد: مُغرم أو مُحب. أما الفعل watch فلقد كان يعني السهر ثم تطور لكي يفيد المراقبة والملاحظة.
وكلمة company كانت تعني جماعة من الجنود أو المحاربين ثم تطورت لتفيد صُحبة أو ضيوف. وكلمة summer كانت تعني الفصل من السنة الذي يأتي بعد الشتاء مباشرة في بريطانيا وهو الربيع الذي يخلو من البرد والثلج. ويبدأ عادةً في شهر أيار/مايو. تشتاق أيارَ نفوسُ الورى/ وإنما الشوقُ إلى وَردِه، يقول المعرّي. نقرأ في غنائية شكسبير رقم 18: «أبيَوم صيفٍ أشبّهكَ/ لأنتَ أكثر رقّةً وأشدّ اعتدالا». ولأن اللغة الانكَليزية ليس فيها حركات تشير إلى النصب والجر فيمكن قراءة: أشبِّهكَ أو أشبِّهكِ. وتستمر الغنائية في بيان أن جمال المحبوب/ المحبوبة لا يتغير بتغير الفصول ولا يتأثر بارتفاع الحرارة في الصيف/ الربيع ولا بانخفاضها. وقد أدّى هذا الوضع ببعض المعلقين والباحثين إلى القول ان شكسبير كان يحب فتى لا فتاة، فاتّهم بالمثلية، وهو اتّهام سقيم، لا يوجد أي دليل عليه.
ومن أمثلة ضعف الناقل في اللغتين كما في ثقافة اللغتين مثالٌ عجيب يصعب على المرء تصديقه، وهو ما ورد في ترجمة مقطع من قصيدة اليوت الكبرى «الأرض اليباب» حيث يخاطب الشاعر طائر السنونو أو الخطّاف الذي يخطف بحرّية عجيبة في أجواء غرفة كبيرة أو قاعة، مما يثير شعوراً بالغبطة عند الشاعر الذي يفتقر إلى القدرة على الحركة السريعة، فيخاطب الطائر قائلا: سنونو يا سنونو ليتني مثلك يا سنونو. وكلمة السنونو في الانكَليزية هي swallow وهي الاسم، ولكنها قد تأتي بصيغة الفعل الذي يفيد البلع، كمن يبلع حبّة الدواء مثلا. فقد اشترك في ترجمة هذا المقطع اثنان من الشعراء المعروفين بشكل فعل الأمر: إبلع!!!
كيف لم يخطر ببال الشاعرَين المترجمَين أن السياق لا يشير إلى عملية البلع على الاطلاق، فيبادران إلى إصلاحها؟
ومن أمثلة المزالق في الترجمة في مجال غير مجال ترجمة الشعر أو الكتب الأدبية أو النقدية هو مجال ترجمة النصوص المقّدسة، وأولها ترجمة معاني القرآن الكريم. لقد تيسّر لي الاطّلاع على ترجمة معاني القرآن الكريم عندما كنتُ أستاذاً في الجامعة الإسلامية العالمية في كوالالمبور، ماليزيا. والطلبة هناك مسلمون في غالبيتهم ويتكلمون اللغة الانكَليزية بلهجة طريفة، وكتب الدراسة جميعها باللغة الانكَليزية. فوجدتُ بأيدي الطلبة كتاب «ترجمة معاني القرآن الكريم» من عمل الهندي المسلم يوسف عبد الله علي، وقد نشرته جهة إسلامية كبرى. وعند النظر في ذلك الكتاب وجدتُ أنه يحتوي على أخطاء كبيرة في فهم النص القرآني، وأدركتُ للوهلة الأولى أن السبب ضعف هذا الهندي المسلم في إدراك ظلال المعاني في الكلمات العربية واعتماده المطلق على المعاجم، ناسيا أن النص والسياق هو الذي يقرر المعنى الى جانب المعجم اللغوي. ومن أمثلة ذلك ترجمة «ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي». فجاءت ترجمة كلمة الروح إلى spirit والصحيح soul لأن الأولى تفيد معنى خلاصة أو رائحة أو صفة شاملة، مثل: روح النشادر، روح العصر الصناعي، الروح الرياضية… وكلمة أمر جاءت بشكل أمر يصدر من أعلى إلى أدنى فجاءت الترجمة هكذا:
They ask thee about the spirit ,say the spirit cometh by order of my Lord. إضافة إلى اصطناع اللغة الانكَليزية القديمة التي تخلّى عنها أهل اللغة أنفسهم في ترجمة الكتاب المقدس إلى لغة إنكَليزية حديثة، نجد «من أمر ربّي» لم تُترجَم على انها «شأن من شؤون ربي» وهو المقصود من كلمة «أمر». ثم جاءت ترجمة كلمة «الأرحام» بمعناها القاموسي الذي يفيد رحم المرأة ولم يدرك معنى الأقربين في الأسرة. وجاءت كلمة التوّاب بما يفيد «الكثير التوبة» من المعنى القاموسي الأول: تاب بمعنى رَجَعَ، فصارت: الكثير الرجوع The ever returning فضاع المعنى، وبقي القارئ يتساءل ما معنى ان يكون الله كثير الرجوع، وأين معنى التوبة بمعنى الندم والعودة إلى طريق الصواب؟
وفي الختام لابد من التوكيد على أن مطالب الترجمة الصحيحة ليست مستحيلة. فهي تتطلب من المترجم /الناقل معرفةً دقيقةً باللغتين المنقول منها والمنقول إليها، نحواً وصرفاً واشتقاقاً مع المراجعة المستمرة للنص للتأكد من ورود المفردات بمعناها الصحيح وعدم الاعتماد الكامل على شروح المعجم وحده.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية