بيروت ـ «القدس العربي»: لأن «الطريق بأصحابه» ويبدو أنه طويل، أكثر الفنان مجد كردية من الأصحاب الذين يحتاجهم في رحلته. فنان تشكيلي من سوريا ما يزال يسرح ويمرح في عالم الطفولة لوناً وموضوعاً. شخصيات لوحاته من الحيوانات اللطيفة والأليفة، يتداخل أحدها مع الآخر. كأن يقف حيوان على الحلزون، أو تخترق العصافير بطن الحمار، أو تدخل السمكة إلى مساحة الحصان. وعندما رغب كردية بالتعبير عن حالة الاتصالات الهاتفية التي باتت تُعرف بالأرضية بعد بزوغ عصر الهواتف المحمولة، إذ بهذا الخط الهاتفي يتلبسه فيل!!
معرض مجد كردية في جريدة «السفير» حمل عنوان «الطريق بأصحابه» شكّل حالة جذب لعشّاق الفن التشكيلي. فالموضوع الذي يعالجه بريشته وألوانه يبقى محبباً للجميع ومفرحاً للعين. عالم الحيوان بما يحمله من رموز ودلالات لا ينضب. والفنان كردية تمكّن بما يختزنه من أفكار ونص محبوك ومعبّر من جعل لوحته ذات شقين، لون ورسم وموضوع، وكلام. وكان للأول أن يضفي على الثاني روح السخرية أو العكس.
يختزن مجد كردية في ذاكرته الكثير من صور الطفولة، والأهم أنه منحاز إلى عفويتهم وحريتهم في التعبير. فهل هناك أصفى من السؤال من خلال لوحة «شو أطيب شي بالعالم؟ ليأتي الجواب: عيونك مرسومين بالشوكولاته».
ضمّن مجد كردية لوحاته بعضاً من شعر محمود درويش، وهو المتأثر بأناقة شعره كثيراً. ويعمل من جهة أخرى بتأنٍ على صياغة نص يعبّر عنه، ويحمل أفكاره وخاصة المشاكسة منها، كمثل «هبوط اضطراري فوق الصبر نتيجة خلل في محركات البطيخة النفّاثة». أو أن ينوء الفيل بحمل الفراشة؟
معرض مجد كردية اعتمد ألوان الزيت والمائيات والرصاص وكان له جمهور كبير واختتم في 26 حزيران/يونيو.
مع الفنان مجد كردية هذا الحوار:
○كيف تفسّر الإقبال الملحوظ على معرضك في «السفير»؟
•صلتي مع الجمهور بنتها صفحات وسائط التواصل الاجتماعي، ومنهم من يتابعني منذ سنة 2014 و2015. في معرض السفير كان لهؤلاء فرصة مشاهدة أعمالي مباشرة لأول مرّة.
○وماذا يتضمّن نشاطك عبر وسائط التواصل الاجتماعي؟
•بالطبع أنشر لوحاتي، وأنشر صوراً للأزهار. هوايتي بتصوير الأزهار أرغب بأن أتشارك جمالها مع الناس. يساعدني التصوير في تصفية ذهني والانخراط أكثر في الطبيعة. أسكن بلدة عمشيت منذ جئت إلى لبنان سنة 2013 وأتمتع بالطبيعة فيها.
○هل بدأت الرسم في سوريا؟
•طبعاً، إنما لم أكن في مرحلة نضوج. كنت ما أزال في بحث عن ذاتي. وكانت لي عدة معارض، كل منها له أسلوبه وروحه. إنها مرحلة تشتت الباحث، التي تلت التخرج من كلية الفنون في حلب.
○»الطريق بأصحابه» ما هي الرحلة التي قررتها؟ ومن هم رفاق الدرب؟
•الطريق هو الحياة بالنسبة لي، إنما أخذ شكله المادي. أصحاب الطريق هم أصحاب اللوحات الذين قصدوا المعرض لزيارتها. رافقتهم هذه اللوحات عبر السنين، والآن اجتمعوا من خلال المعرض وتحت سقف السفير. إذاً أصحاب الطريق هم متابعو أعمالي عبر صفحات التواصل الاجتماعي.
○وما هي سمات جمهور وسائط التواصل الاجتماعي؟
•يمكن قياس حجم هذا الجمهور بحسب تعداد سكّان كل دولة عربية منفردة. لهذا تأتي مصر في الطليعة نظراً لعدد سكّانها. يليها فلسطين، وسوريا والأردن والعراق وتونس ولبنان.
○ولهذا اخترت مصر مكاناً لمعرضك الاستعادي الأول؟
•جمهور مصر كبير جداً، وهم قريبون من الفن الشعبي والفنون التشكيلية. وقد أذهلني الحضور الهائل للزوّار. يمكن وبكل تواضع التأكيد بأن عشرات الآلاف زاروا ساقية الصاوي في الزمالك حيث كان المعرض، وعلى مدار أسبوعين. المعرض في مصر كان مشجعاً، فهي حاضنة تاريخية للفن والفنانين العرب وبكافة انتماءاتهم الفنية سواء في الغناء والموسيقى والتمثيل والتشكيل.
○في الغالب تسبح الألوان وشخصيات لوحاتك في عالم طفولة يفيض فرحاً. هل هي حقيقتك؟ أم ماذا؟
•إنها محاولة تقنية لخلق تضاد مع النص أحياناً. قد يضمّ النص كمية حزن أو كآبة أو سوداوية أو نظرة تشاؤمية مخفية، فألجأ لخلق تضاد في الشكل الخارجي. تماماً كما نبتسم لأحدهم وداخلنا حزين. إنها حالة الألوان، حتى أن شخصياتي مبتسمة على الدوام تماما كما «بوكر فيس».
○وإن كنت حزيناً هل تتمكن من التعبير بما يوحي بفرحك؟
•هو نوع من السخرية. والسخرية منبعها الحزن وليس الفرح. تساعد السخرية الشعوب على تحمُّل الحياة عندما تتراكم المتاعب.
○تُغازل براءة الأطفال وشقاوتهم بما يناسبهم من جاذبية اللغة واللون والكلمة. ماذا عن عالم طفولتك؟
•تستمر معي حتى الآن بعض عادات الطفولة، وأعمل للاحتفاظ بها. في طفولتي كنت اصطاد السمك وما أزال أتابع هذه الهواية على شواطئ عمشيت. رسمت في الطفولة وأتابع الرسم كفن ومهنة كما ترين. لم أسمح لهذا الخيال بأن ينقطع. أقارن بين خبرتي الآن وما كنته قبل 30 سنة، وأجد خيطاً بينهما لم ينقطع إلى حينه. تحتفظ اللوحة الحالية بكافة العناصر التقنية للوحة المحترفة، إنما ثمة توليفة تتخللها تبدو فيها ملامح الطفل ناطقة.
○وأين تصيدت السمك في الطفولة؟
•كنا نقيم في مدينة الطبقة على نهر الفرات. مدينة تجمع سكاناً من كافة أنحاء سوريا لهذا باتت بلدة فاقدة للهجتها. ولاحقاً كان الانتقال إلى حلب.
○هل راقبت ردّة فعل الأطفال حين يزورون معرضك؟ وهل طرحوا الأسئلة؟
•لا أعتبر الأطفال جمهوري، إنما كثير من الأهل رافقوا أطفالهم إلى معرض السفير. بعضهم يتصادم مع الكراسي، فيما يكون بعضهم متآلفاً مع توجيهات الأهل وما يقولونه عن اللوحات. من المؤكد أن الألوان تثير الطفل، إنما الكلام المرافق للوحات لن يكون مؤثراً لديهم. شُغف الأطفال بالإهداءات التي أكتبها لهم على ما يختارونه من لوحات كبير جداً، وكذلك يفرحهم رسمي المباشر أمامهم. فقد زارت المعرض أم مُعجبة بأعمالي مع طفلتيها، وعندما طلبت اهداءً على لوحة لهما كتبته مشتركاً، فزعلت الكبيرة، فأرضيتها برسم واهداء خاص بها. أن يشاهدني طفل أرسم في المعرض فهذا مثير له أكثر من لوحة على الجدار. أظن أن الأطفال مرتبطون بالأهل وما يشيرون إليه في أي معرض يزورونه. الطفل في مرحلة توجيه.
○كم يشكّل عالم الحيوان هروباً أو ملاذاً فسيحاً للتعبير في عالمنا العربي؟
•منذ بدأ الإنسان بالتعبير عبر الرسم رسم الحيوانات على جدران الكهوف. يمكننا إلباس الحيوان رمزاً ما يكون قابلاً للعديد من التأويلات. مثلاً الصلة بين الفقر والوردة، فقد يكون النص رجلاً يخاطب امرأة أو العكس، أي اللعب على المضمون. إنه رمز يحتمل الكثير من التأويلات، فيما للحيوان رمزية أكثر قِدَماً يمكن الإتكاء عليها كما رمز السمكة، والحمار، والعصفور. السمكة رمز الحياة والغموض وغيرها. والحمار رمز الصبر والحكمة، ويمكن تحميله تأويلات كثيرة.
○ماذا عن العوالم المؤثرة في رفد مخيلتك بهذا الغنى الخاص بعالم الحيوان؟
• لكل حيوان قصته في حياتي. صيد السمك بنى علاقتي بالسمكة. وفي طفولتي كنت أشاهد الحمار وأحزن لحاله. يُشكّل السند الأساسي للحياة الزراعية في الأرياف، وهو الأكثر ظُلماً. أشعرني العصفور داخل القفص بأنه معتقل وسجين. شكّل بالنسبة لي رمزاً للحرية. اللوحات التي كانت تصلنا من سجن صيدنايا فيها الكثير من العصافير والأحصنة. صلتي بالحيوانات قديمة جداً ودائماً أعيد صياغتها من جديد. بعض الحيوانات في لوحاتي ليست من عالم الطفولة والذاكرة كما الفيل. لكنه كحالة تشكيلية يحمل تناقضاً في الشكل كأن تحط عليه فراشة، وتكون في داخله سمكة. شقائق النعمان التي كانت تمتد لمسافة كيلومترات على ضفتي الفرات، ومحمود درويش تحدث عنها في شعره «لم تعد على ضفاف الفرات شقائق تكفي لدمنا..» شقائق النعمان تحمل فكرة الربيع والحياة، والموت وحتى الإنبعاث.
○استعنت مراراً بشعر محمود درويش هل هو الشاعر الأثير لديك؟
•بالطبع، محمود درويش والمتنبي هما وجهتي في الشعر. لشعر محمود درويش أناقة الصورة. نقرأ شعره ونحن في أجمل الملابس ليكون جديراً بالأناقة.
○وأين التقى المتنبي مع محمود درويش؟
•للمتنبي عظمته، وكذلك الكتابة بإحساسه وأسفاره وقصائده الحقيقية. على سبيل المثال حين هرب من حلب كتب قصيدة. وحين هرب من كافور كتب قصيدة. ويتميز بالحكم والأمثال في شعره والتي ما تزال تعيش بين الناس. جميعنا يردد تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.. وإذا رأيت نيوب الليث بارزة.. تعلّمت من المتنبي صناعة اللوحات التي تستخدمها الناس ولا تُعلّق على الجدار فقط.
○»نستمر في رفع راية الشمس» تلك المجموعة التي تحكي الحرية كم تتماهى مع عالمنا العربي؟
• أكثر ما يتعطّش له عالمنا العربي هو الحرية. الفن هو الحرية ولا وجود للفن دون الحرية. إن لم تستطع الأفكار أن تتنقّل من طرف الدماغ الأيمن إلى طرفه الأيسر فهذا إنعدام للحرية. الحرية هي كل شيء بالنسبة لي.
○نصّك متطور وجذّاب كما رسوماتك هل لديك نصوص منشورة؟
•كنت بصدد محاولة. أعتبر الكتابة من أصعب الفنون، واستسخفت إنتاجي على صعيد الكلمة. شعرت بأنني لن أترك بصمة في الكلمة، فأقلعت عن مشروع النشر، وبتّ استخدم كتاباتي في لوحاتي. من يفهم الكلمة واختزالاتها يعرف كم هي صعبة. أرسم اللوحة وقد استمر في كتابة النص أياماً.
○وهل ولادة الكلمة لديك متعثّرة؟
•طبعاً. كلما أغرقت التقنية في التجريد يصبح صنعها أصعب.
○ماذا عن تكرار الصبر والصبّار؟
•نتيجة ما نعيشه في هذا الزمن وهذه الحياة وفي كل الأزمان. يأخذ الصبر معنى الانتظار أحياناً. قد نكون نحن الصبر والحواجز. في الأماكن الزراعية في القرى يُشكل الصبر سياجاً وحدود بين أرض فلان وعلاّن. أتعامل مع الصبر كأحد أنواع القيد. حتى وإن حمى الصبر أرضاً أو ملكاً فهو حدود وكسر للحرية. كل حدود هي قيد.
تصوير: عباس سلمان