سوريا: فقر وبؤس خلف أضواء دمشق الباهرة … والعيد عبء على الناس في مناطق المعارضة

هبة محمد
حجم الخط
0

«القدس العربي»: يستقبل السوريون أول أيام عيد الأضحى في بلد يتصدر الصراع المسلح الدائر فيه منذ أكثر من عقد من الزمن، اهتمامات الناس. هؤلاء يختلف واقعهم بطبيعة الحال من منطقة إلى أخرى تبعاً لتوزع مناطق السيطرة، علماً أن الظروف الاقتصادية الصعبة هي السمة الغالبة على كل السوريين سواء ضمن مناطق سيطرة النظام السوري، أو تلك الخارجة عن سطوته والخاضعة لسيطرة «القوات الكردية» أو فصائل المعارضة شمال البلاد.
ويأتي عيد الأضحى هذا العام على محافظة إدلب ومحطيها شمال غربي سوريا، وسط ظروف الحرب المستمرة التي فاقمت من معاناة المواطنين جراء الموت والنزوح والتشرّد وارتفاع نسبة الفقر، وهي عوامل أفقد تراكمها بهجة العيد وطقوسه من شراء ثياب جديدة وصنع الحلويات وإعطاء العيديات للأطفال.
ووفقاً لروايات المواطنين في إدلب لـ»القدس العربي»، فإن الفرح بقدوم العيد والاستعدادات له هو الشيء الرئيسي الذي يفتقدونه. فاليوم، ووسط أجواء غير مستقرة، ربما لا تجد من يشتري كعك العيد من متاجر الحلويات، وقد تمر بمدينة ما هناك لا يشدك فيها زينة العيد أو الأضواء الباهرة في الشوارع، كما جرت العادة. وربما لن تسمع ضحكات الأطفال في ساحات الملاهي، أو قد تدخل بيوت الأهل والأصدقاء ولا تجد أطباق العيد الشهية. تفاصيل صغيرة ترسم اليوم بؤساً استثنائياً نتيجة عودة المجازر والقصف المكثف لقوات النظامين السوري والروسي إلى إدلب ومحطيها بعد شهور على الاستقرار النسبي.

شوارع من دون زينة

الشابة الثلاثينية لمياء أم أمير، وهي مهندسة من ريف إدلب، تقول لـ «القدس العربي»: «لا زينة للشوارع في عيد الأضحى، ورغم السباق المحموم بين المتاجر والمحال وعربات الباعة المتجولين على تقديم العروض على أسعار الملابس، لكن حركة السوق القريب من بيتي، شبه معدومة».
وتضيف: «الناس تذهب باتجاه الأولويات، فالملابس آخر ما يمكن أن أفكر فيه لأطفالي هذا العيد، وربما ما يشغلني هو تأمين الطعام وبعض الحلوى المنزلية الصنع». وقالت: «جرت العادة أن نشهد حركة بيع وشراء قوية لدى الباعة المتجولين على العربات مقارنة بالمحال التجارية نتيجة انخفاض سعر القطعة، إلا أن ذلك لم يغير المشهد؛ فالحركة التجارية قليلة جداً في كل مكان، ولا سيما وسط أجواء القصف المدفعي والصاروخي الذي لم ينقطع منذ أيام».
علي القطاش 50 عاماً، يملك معملاً للحلويات في قرية حربنوش شمال إدلب، يقول لـ «القدس العربي»: «انخفض الطلب على البيتيفور وحلويات العيد من المعجنات بشكل عام إلى ما دون النصف مقارنة بالعام الماضي، وذلك يعود إلى ارتفاع أسعار المواد الأولية للمصنعين، وما كنا نشتريه من هذه المواد بـ 10 دولارات العام الماضي، نحصل عليه اليوم بـ 13 دولاراً على الأقل، أما السبب الأهم في انخفاض الطلب على حلويات العيد فهو فرق تصريف العملة، وكما هو معلوم فإن العامل في هذه المنطقة يتسلم مرتبه بالليرة التركية، لكنه يخسر نصف قيمة مرتبه كفرق تصريف العملة».
في حين قال ماجد محيسن (33 عاماً) وهو تاجر أضاحي في مخيم مشهد روحين شمال إدلب، لـ»القدس العربي»: «العيد اليوم هو عبء على الناس، فهي لا تملك قوت يومها، والإقبال على الأضاحي في المخيمات معدوم بسبب ارتفاع الأسعار».
وأضاف: «الأسعار مرتفعة للغاية، والإقبال شبه معدوم على الأضاحي مقارنة مع العام الماضي، وحتى الآن، ومع اقتراب يوم العيد، غير أن البيع قليل جداً».

ركن مظلم

من يتجّول في العاصمة السورية دمشق قبيل عيد الأضحى يخيل إليه أن الحياة مزدهرة هناك، فالأسواق على مختلف أنواعها مزدحمة، كما تُغرق مظاهر الاحتفالات الشوارع والمتاجر، وتكتسي الشام بأجواء الفرح. ولكن في ركن مظلم من المشهد، خلف ستار الأضواء الباهرة، ثمة بؤس وحزن وفقر يلف معظم البيوت.
أحمد الخالد، وهو اسم مستعار لأب لطفلين، موظف في دمشق، قال لـ «القدس العربي»: «كل المواد الغذائية الأساسية وكذلك التي يمكن تصنيفها ضمن الرفاهيات متوفرة في دمشق وأريافها، لكن أصل المشكلة العامل الاقتصادي، فمن يملك المال يستطيع شراء لبن العصفور، ولكن المرتب الشهري للموظف في مؤسسات الدولة بالكاد يكفي لأيام قليلة، لا تتجاوز الأسبوع الأول من كل شهر».
ويضيف: «العيد بالنسبة للآباء اليوم، هو امتحان صعب اجتيازه ولاسيما أمام الأطفال، ورغم أن قائمة الكماليات تطول يوماً بعد يوم، فلا بد من التسليم بأنه لا عيد بدون الحلوى، لذلك نسعى لتأمين المواد الخاصة بالحلويات من أجل صناعتها بالمنزل».
في المقابل، «هناك طبقة من المجتمع السوري لم تتأثر قط بالوضع الاقتصادي، وتستطيع شراء كل ما تشتهي وفي أي وقت من أيام الشهر»، حسب ما يقول، مشيراً: «نشهد واقعاً مؤلماً مثقلاً بالهموم، وأنا أعيش كغيري حالة من الإهانة للكرامة الإنسانية، بسبب مظاهر الفقر المنتشرة في كل مكان، وما أيام العيد المقبلة سوى فرحة مصطنعة تخفي وراءها الكثير من المآسي».
وأوضح بائع للمواشي في دمشق، أن الإقبال على الشراء معدوم، والناس عندما يعرفون الأسعار يصدمون ويبدؤون «بالمفاصلة»، وكأنهم يشترون قطعة ملابس، وآخر المطاف وبعد ساعة من الأخذ والرد، يغادرون السوق من دون شراء الأضاحي.
وفي مدينة القامشلي بريف الحسكة شمال شرقي سوريا، حيث تخضع تلك المنطقة لقوات سوريا الديمقراطية التي تعرف اختصاراً بـ «قسد»، تقول مصادر إعلامية تابعة لـ «قسد» إن المدينة تشهد حالة من ركود الأسواق، وعزوفاً عن الشراء مع اقتراب عيد الأضحى، بسبب الارتفاع الكبير في أسعار مستلزمات العيد.
ويرى آلان أومري، صاحب محال للضيافة من المدينة، أن الإقبال ضعيف جداً هذا العيد. وعلى الرغم من توفر البضائع بكافة أنواعها، فإقبال السكان للشراء انخفض بنسبة 50% مقارنة بالعام الماضي.

انهيار اقتصادي كارثي

وعزز تفاقم البطالة وارتفاع أسعار المواد الأساسية، من معاناة السكان في محاولتهم للحفاظ على لقمة عيشهم، ما جعل السوريين ينظرون إلى العيد بشكل مختلف هذا العام، فبدلاً من إنفاق المال على شراء الأضاحي والهدايا، يرون أن الأمر الأهم هو «قضاء وقت هادئ مع أفراد العائلة المتبقين».
ويقول نضال العلي، لموقع «نورث برس» التابع لـ»قسد»: «كانت احتفالات عيد الأضحى في الأعوام التي سبقت الحرب تتميز بالفرح والبهجة، حيث يجتمع الأهل والأصدقاء لتبادل التهاني والاستمتاع بوجبات لذيذة. ولكن هذا العام، أنا أيضًا لا أرى غير الحزن والكآبة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية