لندن ـ «القدس العربي»: صحيح أن التمرد الذي قاده رئيس مجموعة فاغنر العسكرية الروسية الخاصة يفغيني بريغوجين، كاد أن يغير مجرى الحرب الروسية في أوكرانيا في حال نجاحه، إلا أن الصحيح أيضا أن انتقال فاغنر إلى روسيا البيضاء بعد فشل التمرد، بات كفيلا بتغيير كثير من المعادلات العسكرية المتعلقة بتلك الحرب لكن ليس في صالح أوكرانيا وحفائها الغربيين .
وصار مستقبل فاغنر في أوكرانيا موضع تساؤل بعد التسوية التي وافق عليها بريغوجين وتقضي بذهابه إلى المنفى في بيلاروس بموجب اتّفاق تمّ بوساطة من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، حليف الرئيس بوتين.
وبموجب هذا الاتّفاق، يحقّ لمقاتلي فاغنر الذهاب إلى بيلاروس أو الالتحاق بالجيش الروسي النظامي أو العودة إلى الحياة المدنية، في حين يتعيّن على فاغنر تسليم أسلحتها الثقيلة لوزارة الدفاع الروسية، علما أن بريغوجين نفسه أعلن أن تمرّده لم يكن يرمي إلى إطاحة السلطة في روسيا بل إلى إنقاذ فاغنر، وذلك في إشارة إلى أنباء كانت تتردد عن إمكانية حل تشكيلات فاغنر، إثر تكرار قائدها بريغوجين انتقاداته العلنية لقادة في الجيش، وبلغ التوتر ذروته وفقا لما كشفته صحيفة «وول ستريت جورنال» حيث نقلت عن مسؤولين غربيين لم تكشف هوياتهم قولهم إن بريغوجين كان يرغب في القبض على وزير الدفاع سيرغي شويغو ورئيس الأركان فاليري غيراسيموف أثناء توجههما الى جنوب البلاد. لكن جهاز الأمن الفدرالي الروسي علم بهذا المخطط وقام المسؤولان بتعديل برنامجهما، كما أفادت الصحيفة.
عمق العلاقة بين فاغنر وروسيا، كشف بعض جوانبه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حينما أعلن للمرة الأولى أن مجموعة فاغنر كانت تتلقى تمويلها الكامل من الدولة، وحصلت خلال عام واحد على أكثر من مليار دولار في الفترة من أيار/مايو 2022 وحتى ايار/مايو 2023 حسب ما نقلت قناة «روسيا اليوم».
وأضاف بوتين خلال اجتماع مع عسكريين روس، أن مجموعة فاغنر كانت تحظى بالاحترام في البلاد، وحققت البطولات وقدمت التضحيات. ولا شك أن تلك التصريحات بثت الهواجس في الداخل الأوكراني كما في الخارج الأطلسي من قيام فاغنر بهجمات داخل أوكرانيا أو دول الجوار انطلاقا من بيلاروس.
أبرز إشارات القلق الأوكراني تجسدت في إصدار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أمرا إلى قادة جيشه بتعزيز الحدود مع بيلاروس بعدما انتقل إليها قائد مجموعة فاغنر المسلّحة.
وقال زيلينسكي إنّه «بناء على قرار هيئة الأركان العامّة، صدرت أوامر لكل من القائد العام (فاليري) زالوجني والجنرال (سيرغي) ناييف بتعزيز القيادة الشمالية بهدف ضمان السلام» على الحدود الأوكرانية-البيلاروسية. وأوضح الرئيس الأوكراني أنّه اطّلع الجمعة على الوضع في بيلاروس من قبل أجهزة الاستخبارات الأوكرانية والأجنبية، وكذلك من قبل حرس الحدود.
وكان زيلينسكي تحدّث عن «تدابير لتعزيز هذه المنطقة» من دون أن يحدّد ماهيتها بالتفصيل، لكن سبق لأوكرانيا أن أعربت مراراً عن خشيتها من أن تتعرّض لهجوم انطلاقاً من بيلاروس.
فاغنر بجوار بولندا ودول الناتو
ويبدو أن تهديد فاغنر لا يقتصر على أوكرانيا فقط، إذ سارع الرئيس البولندي أندري دودا إلى التحذير من أن وجود مجموعة فاغنر في بيلاروس يمثل «تهديدا محتملا» للدول المجاورة الواقعة على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي «ناتو». ورسم دودا صورة عن طبيعة المخاطر تلك بالقول: «يصعب علينا أن نستبعد احتمال أن يشكل تواجد مجموعة فاغنر في بيلاروس تهديدا لبولندا التي تتشارك في حدودها مع بيلاروس، وتهديدا لليتوانيا التي لديها أطول حدود مع بيلاروس من بين دولنا، وكذلك للاتفيا المجاورة أيضا لبيلاروس».
وسأل دودا خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيريه الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والليتواني غيتاناس ناوسيدا عن «الهدف من إعادة التموضع هذه». وتابع «ما الغاية فعليا من (وجود) قوات مجموعة فاغنر، أي عمليا الجيش الروسي، في بيلاروس تحديدا؟ هل هدفها احتلال بيلاروس أو إيجاد تهديد إضافي من الشمال نحو أوكرانيا، عبر التلويح بهجوم محتمل على هذا البلد من بيلاروس؟ أو إن هذا شكل من أشكال التهديد المحتمل لبلادنا في حلف شمال الأطلسي، لبولندا؟».
وبالفعل أعلنت بولندا أنها تعتزم تعزيز حدودها الشرقية، وقال نائب رئيس الوزراء البولندي ياروسلاف كاتشينسكي، إن هناك خططا لزيادة القوات التي ترتدي الزي الرسمي و«التحصينات لحماية حدودنا في حال وقوع هجوم». وأدلى كاتشينسكي بهذه التصريحات بعد اجتماع خاص مع لجنة حكومية بشأن المسائل الأمنية والدفاعية. وقال إن ما يصل إلى ثمانية آلاف من مقاتلي فاغنر يمكن أن يأخذوا ملجأ في بيلاروس، مستشهدا بمعلومات استخباراتية بولندية. وتشترك بولندا، وهي عضو بالاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «الناتو» في حدود يبلغ طولها 418 كيلومترا مع بيلاروس.
تجاه هذا الواقع كانت مناشدة من زيلينسكي للناتو بالقول: إن على «حلف شمال الأطلسي أن يقول بالاجماع للمجتمَعين البولندي والليتواني إنه في حال وطأت قدم عنصر من فاغنر أرض ليتوانيا أو بولندا، فعندها سيتم القضاء على كل عناصر فاغنر أينما وجدوا».
ولاقت هذه الدعوة صداها عند الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ الذي قال من لاهاي إنه «من السابق لأوانه أن نصدر تقييما نهائيا بشأن تداعيات واقعة انتقال بريغوجين إلى بيلاروس حيث سيتمركز على الأرجح أيضا بعض من قواته. وما هو واضح تماما هو اننا وجّهنا رسالة واضحة إلى موسكو ومينسك مفادها أن حلف شمال الأطلسي موجود لحماية كل حليف وكل شبر من أراضيه». كذلك أبدت الخارجية الأمريكية قلقها فاعتبرت أن استقبال رئيس بيلاروسيا لقائد مجموعة فاغنر يعني تقديم مصالح بوتين وروسيا على حساب الشعب البيلاروسي.
وعلى العكس من ذلك فإن رئيس بيلاروسيا لوكاشينكو كان يعتريه السرور، حتى قال إنّ بإمكان جيش بلاده أن يستفيد من «خبرة» قادة فاغنر، رغم تقليله في الوقت نفسه من أهمية الأنشطة التي سيُسمح للمجموعة بالقيام بها في بيلاروس.
على أن وجود فاغنر في بيلاروسيا أثار قلقا من نوع آخر لدى كازاخستان التي كشفت عن دعوات يتم إطلاقها عبر الإنترنت لتجنيد مواطنيها للقتال إلى جانب فاغنر أو القوات الروسية في أوكرانيا. ويأتي هذا التحذير على خلفية تقارير أوردتها وسائل إعلام محلية عن مقتل مواطنين كازاخستانيين في أوكرانيا.
ووجهت النيابة في منطقة قوستناي المحاذية لروسيا، والتي تضم أقلية روسية، تحذيرا للسكان، بضرورة عدم «الاستسلام» للمحاولات الرامية لتجنيد أشخاص. وقالت «كانت هناك محاولات في أراضي منطقتنا لتجنيد سكان للتوجه إلى أراضي روسيا الاتحادية للمشاركة في النزاع المسلح في أوكرانيا».
وهناك رهان من المعارضة البيلاروسية على حدوث صدام بين رئيس فاغنر ورئيس بيلاروسيا، حيث رجّحت المعارِضة البيلاروسية المقيمة في المنفى سفيتلانا تيخانوفسكايا «بأن يغدر الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشنكو بقائد مجموعة فاغنر يفغيني بريغوجين رغم استقباله له بعد التمرّد الفاشل». وقالت تيخانوفسكايا لوكالة فرانس برس «ليسا حليفَين. لا يمكنهما الوثوق ببعضهما البعض». وأضافت «يمكن في أي لحظة بأن يغدر لوكاشنكو ببريغوجين ويمكن لبريغوجين بأن يخون لوكاشنكو» كما شبّهت الخطوة التي قام بها لوكاشنكو لمساعدة داعمه الأبرز بوتين بزواج مصلحة يهدف لإنقاذ نظامه في بيلاروس.
وهناك وجهة نظر ثانية في هذا الصدد ذكرها خبراء عسكريون أمريكيون تفيد بأن حاكم بيلاروس، الكسندر لوكاشينكو، يمكن أن يستفيد من مقاتلي مجموعة فاغنر الروسية الخاصة في بلاده، حيث أنه من المحتمل أن يعطوه مساحة أكبر لمناورة جهود الكرملين للهيمنة على بيلاروس.
وكتب معهد دراسات الحرب في واشنطن أنه مع وجود قوات فاغنر في بلاده، يمكن أن يجابه لوكاشينكو جهود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لاستيعاب بيلاروس في حالة الاتحاد مع روسيا، حيث تعتمد بيلاروس، بوصفها الشريك الأصغر، على روسيا.
لكن العلاقة الوثيقة التي تربط لوكاشينكو بكل من بوتين وبريغوجين، تعكس أمرا مغايرا يشير إلى عمق علاقته بالرجلين معا، فقد قال لوكاشينكو إنه أقنع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعدم «تصفية» يفغيني بريغوجين ردا على ما وصفه الكرملين بأنه تمرد كان يدفع بروسيا نحو حرب أهلية. واستخدم لوكاشينكو وهو يتحدث عن حواره مع بوتين تعبيرا في العامية الروسية معناه «تصفية».
ونقلت وسائل إعلام في روسيا البيضاء عن لوكاشينكو القول في اجتماع لمسؤولين في جيش بلاده وصحافيين يوم الثلاثاء الماضي «فهمت أيضا أن قرارا قاسيا تم اتخاذه (وكان مضمون كلام بوتين) تصفية» المتمردين. وقال «اقترحت على بوتين ألا يتعجل. وقلت له لنتحدث مع بريغوجين، ومع القيادات لديه، ليرد قائلا إنه لا فائدة من هذا وإنه (بريغوجين) لا يرد حتى على الهاتف، لا يريد التحدث لأحد».
واستخدم بوتين التعبير نفسه في عام 1999 عند التحدث عن المسلحين الشيشان، وتعهد بأن تتم «تصفيتهم في الخلاء» في تصريحات صارت شعارا منتشرا على نطاق واسع لتوضيح مدى صرامة شخصيته.
وقال لوكاشينكو الذي تربطه معرفة قديمة مع بريغوجين وحليف مقرب أيضا لبوتين، إنه نصح الرئيس الروسي بالتفكير «بعيدا عن الأنانية» وأن القضاء على بريغوجين قد يؤدي إلى تمرد واسع النطاق من جانب مقاتليه.
هذه المعطيات لا تبعث على الارتياح في كييف وجاراتها وحلفائها، وستبقى أعينهم ترصد طبيعة نشاط فاغنر المرتقب داخل روسيا البيضاء، وهي الدولة الحليفة التي يقودها لوكاشينكو حليف بوتين، وبلغت الثقة بين الرئيسين حدا كبيرا تنظر إليه أوكرانيا وحلفاؤها من زاوية حساسة جدا هي قيام روسيا بنشر أسلحة نووية تكتيكية على الأراضي البيلاروسية، حتى وإن قال رئيسها لوكاشينكو إن تلك الأسلحة ستبقى بعيدة عن مناطق نشاط فاغنر.